الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
الافتتاحية
نصيحة هامة إلى جميع الأمة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 7
بحث اللجنة
بحث في الادخار (القسم الأخير) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 41
الفتاوى
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 117
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 161
البحوث
الطواف وأهم أحكامه للدكتور / شرف بن علي الشريف 177
ابن تيمية والدفاع عن الإسلام للدكتور / محمد بن سعد الشويعر 257
الوصايا العشر كما جاءت في سورة الأنعام للدكتور / محمد بن أحمد الصالح 309
التسعير في الفقه الإسلامي للأستاذ / محمد عودة سلمان 337
ذم خميس النصارى لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق الدكتور / الوليد بن عبد الرحمن آل فريان 357
القضاء والقدر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 379
صفحة فارغة
الافتتاحية
نصيحة هامة إلى جميع الأمة
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد:
فإن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لهذا الأمر العظيم من أولهم إلى آخرهم، وأمر عباده بهذه العبادة فقال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2)، وقال عز وجل:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (3)، وقال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (4).
(1) سورة الذاريات الآية 56
(2)
سورة البقرة الآية 21
(3)
سورة النحل الآية 36
(4)
سورة الأنبياء الآية 25
فالله عز وجل خلق الخلق: الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيان هذه العبادة وإيضاحها للناس.
فنصيحتي لجميع المسلمين من الذكور والإناث والعرب والعجم والجن والإنس، نصيحتي للجميع أن يتفهموا هذه العبادة ويتبصروا فيها، وأن يلتزموا بها ويعملوا بها جملة وتفصيلا، وأن يحذروا الغفلة عنها والإعراض عنها، فإن الإعراض والغفلة من صفات الكفرة قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} (1)، وقال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} (2) فليس هناك أظلم ممن أعرض عن آيات الله، وعما خلق له من طاعته وعبادته.
فالنصيحة لجميع المسلمين: التفقه في هذه العبادة والتبصر بها ومعرفتها من طريق الكتاب والسنة، أي من طريق القرآن العظيم، ومن طريق أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة، ثم القيام بها علما وعملا. وهكذا النصح لجميع المكلفين من غير المسلمين في جميع الأرض بأن يدخلوا في الإسلام، وأن يعرفوا هذه العبادة ويتفقهوا فيها من طريق القرآن العظيم، ومن طريق السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الإنس والجن، من الكفرة والمسلمين، من اليهود والنصارى والوثنيين
(1) سورة الأحقاف الآية 3
(2)
سورة الكهف الآية 57
وغيرهم. الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس، أن يعبدوا الله وأن يدخلوا في الإسلام، وأن يلتزموا بالدين الذي بعث الله به نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله بعثه إلى الناس جميعا جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، ذكورهم وإناثهم، قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (1)، وقال عز وجل:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (2)، وقال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (3).
فجميع العالمين من جن وإنس ومن عرب وعجم ومن كفار ومسلمين، يجب على أهل العلم دعوتهم، فمن قبل الدعوة واستقام عليها حصلت له السعادة والرحمة الكاملة، والهداية المطلقة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، ومن أعرض عنها واستكبر فله الخيبة والندامة والعاقبة الوخيمة والعذاب الأليم يوم القيامة، وهذه العبادة التي خلق الثقلان لأجلها هي الحكمة في خلق الجن والإنس، وهي الإسلام المذكور في قوله جل وعلا:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (4)، فالإسلام هو دين الله الذي بعث الله نبيه عليه الصلاة والسلام لتبليغه، وهو الدين المذكور في قوله سبحانه:
(1) سورة الأعراف الآية 158
(2)
سورة سبأ الآية 28
(3)
سورة الأنبياء الآية 107
(4)
سورة آل عمران الآية 19
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (1)، وفي قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (2)، وفي قوله عز وجل:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (3)؛ فهذه العبادة هي الإسلام، سمي عبادة لأنه ذل وخضوع لله سبحانه، وسمي هذا الدين الإسلام لأنه خضوع لله، وانقياد لأمره سبحانه، فالعبد يفعل أوامر الله وينتهي عن نواهيه، عن ذل وخضوع. وهذا هو الإسلام وهذه هي العبادة، خضوعك لله وانقيادك لأوامره وترك نواهيه عن إيمان به سبحانه، وعن إخلاص له، وعن تعظيم له، وعن رغبة فيما عنده هذا هو الإسلام. يقال: أسلم، أي ذل وانقاد، وأسلم لفلان: أي ذل له وانقاد له، وأسلم لله ذل وانقاد وأطاع، وهذه العبادة هي الخضوع لله، والذل لله بطاعة أوامره وترك نواهيه، سبحانه وتعالى، يقول العرب:(طريق معبد) يعني مذلل، قد وطئته الأقدام وصار معبدا معروفا، ويقولون:(جمل معبد) يعني: مذلل قد شد عليه ورحل.
فالعبادة عند العرب الذل والخضوع، فسمى الله تكاليفه عبادة؛ لأنها تؤدى بالذل والخضوع لله، وسماها إسلاما؛ لأنها تؤدى أيضا بالذل والخضوع لله سبحانه، فهي إسلام، وهي عبادة، وسماها تقوى، قال تعالى:
(1) سورة المائدة الآية 3
(2)
سورة آل عمران الآية 19
(3)
سورة آل عمران الآية 85
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} (1)، وقال سبحانه:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} (2)، سماها تقوى؛ لأن العبد يفعلها يتقي بها غضب الله، ويتقي بها عقابه، وهو يفعل أوامر الله وينتهي عن نواهيه، مسلما منقادا خاضعا ذليلا، يرجو رحمة ربه ويخشى عقابه، ويتقي بذلك سوء المنقلب؛ فلهذا سمى الله دينه تقوى، وهو إيمان أيضا سمي إيمانا؛ لأنه تصديق لله ولرسوله كما قال تعالى:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} (3) الآية، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (4)، وقال سبحانه:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (5)، وقال تعالى:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (6).
فهذه العبادة، وهذا الإسلام، كلاهما يسمى إيمانا؛ لأنهما إيمان بالله ورسوله وتصديق بما أخبر الله به ورسوله، وتصديق بأوامر الله، وتصديق بما نهى عنه، فهو إيمان، ويسمى هدى؛ لأن الله يهدي به من الضلالة ويرشد به إلى أسباب السعادة، فهو هدى لمن التزم به واستقام عليه واهتدى به إلى الحق والصواب، وسلم من البلاء والشر والفساد كما قال
(1) سورة البقرة الآية 189
(2)
سورة الطور الآية 17
(3)
سورة التغابن الآية 8
(4)
سورة النساء الآية 136
(5)
سورة التوبة الآية 72
(6)
سورة الروم الآية 47
جل وعلا: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (1) هذا هو الهدى، هو دين الله، وهو الإسلام، وهو التقوى، وهو الإيمان سماه الله إسلاما وإيمانا، وسماه الله تقوى، كلها أسماء حق، وكلها معانيها واضحة، فهو هدى من الله يهدي به من يشاء لأداء حقه، وترك معصيته، وتنفيذ أوامره، وترك نواهيه قال تعالى:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (2) وقال سبحانه في الفاتحة أعظم سورة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (3)، وقال في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (4).
فدين الله هدى؛ هدى من الضلالة، وهدى من كل سوء، وهدى إلى الخيرات، وهدى إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وهدى إلى كل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، ويقرب لديه، وهدى إلى كل ما يباعد عن غضب الله وعقابه، وهو أيضا يسمى برا، قال تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} (5) قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (6)، وقال تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (7) الآية؛ فهو بر لما فيه من الخصال الحميدة والأعمال المجيدة لله عز وجل، ولهذا سمي برا؛ لأنه طاعة لله، وقيام بحقه، وترك لمناهيه، فهو بر وهدى، بر ورشد، إيمان وتقوى.
(1) سورة النجم الآية 23
(2)
سورة النجم الآية 23
(3)
سورة الفاتحة الآية 6
(4)
سورة الشورى الآية 52
(5)
سورة البقرة الآية 189
(6)
سورة الانفطار الآية 13
(7)
سورة البقرة الآية 177
فالواجب على جميع العالمين من الجن والإنس، من الذكور والإناث، من الكفرة والمسلمين أن يلتزموا به، فمن دخل فيه يجب أن يلتزم به ويستقيم عليه ويتفقه فيه، ومن لم يدخل فيه فالواجب عليه الدخول فيه، والتوبة إلى الله مما هو عليه من الباطل، والدخول في دين الله الذي هو الإسلام، وهو الهدى، وهو الإيمان، وهو التقوى، وهو البر، وهو طاعة الله ورسوله، وهو الإخلاص لله، وهو توحيد الله بترك الإشراك به، والقيام بحقه، والاستقامة على دينه.
هذا هو الإسلام، وهذا هو البر والتقوى، وهذا هو الهدى، وهذا هو الإيمان، وهذا هو دين الله الذي بعث به الرسل، وأنزل به الكتب، وأنزل به القرآن العظيم، وجاءت به السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأعظم واجب وأهم واجب وألزم واجب أن تعرف هذه الحقيقة، وأن تعرف دين الله حتى تعبده وحده، وهذا هو معنى شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد إليها فقال صلى الله عليه وسلم:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله (1)» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (2)» ؛ فإن من قالها عن إيمان أدى بقية الأمور، ومن قالها عن إيمان فقد دخل في العبادة التي خلق لها وجاء بأصلها وأساسها، وعليه أن يلتزم مع ذلك بأن يشهد أن محمدا رسول الله، وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله عن المرسلين الماضين، وعن كتب الله، وعما أخبر الله به
(1) صحيح البخاري الإيمان (25)، صحيح مسلم الإيمان (22).
(2)
صحيح البخاري النكاح (5063)، صحيح مسلم النكاح (1401)، سنن النسائي النكاح (3217)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 285).
في كتابه عن الجنة والنار واليوم الآخر، وعن كل ما أخبر الله به ورسوله كله داخل في هذه العبادة وفي هذا الإيمان؛ فالدعوة إلى توحيد الله دعوة إلى الدين كله، فإن من دخل في توحيد الله والتزم بالإخلاص لله لزمه أن يؤدي ما أوجبه الله عليه من الحقوق، وأن يدع ما حرم الله عليه، فهي فروع ومكملات لهذا الأساس.
فلا بد من توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به. هذا أول واجب وأهم واجب؛ ولهذا بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم في أهل مكة وفي غيرهم، كان أول شيء يدعو إليه الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، هذا هو أول واجب وأعظم واجب، والدعوة الإيمان به وأنه رسول الله حقا، ثم بعد ذلك الدعوة إلى بقية أمور الإسلام من الصلاة وغيرها.
ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله (1)» وفي رواية أخرى: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (2)» ، فأمرهم أن يدعوهم أولا إلى توحيد الله والإخلاص له إلى عبادة الله وحده، إلى ترك الإشراك به، هذا هو أول واجب، وهذه هي العبادة التي خلق الله لها الناس كما قال سبحانه وتعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (3)
(1) صحيح البخاري الزكاة (1395)، صحيح مسلم الإيمان (19)، سنن الترمذي الزكاة (625)، سنن النسائي الزكاة (2435)، سنن أبو داود الزكاة (1584)، سنن ابن ماجه الزكاة (1783)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 233)، سنن الدارمي الزكاة (1614).
(2)
صحيح البخاري المغازي (4347)، صحيح مسلم الإيمان (19)، سنن الترمذي الزكاة (625)، سنن النسائي الزكاة (2435)، سنن أبو داود الزكاة (1584)، سنن ابن ماجه الزكاة (1783)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 233)، سنن الدارمي الزكاة (1614).
(3)
سورة الذاريات الآية 56
المعنى يوحدوني، ويطيعوا أمري ذلا وخضوعا وانكسارا وإيمانا وتصديقا، وأن يؤدوا ما أمرتهم به من الطاعات وترك المعاصي.
هذه هي العبادة التي خلقهم الله لها ليعبدوه، وليخصوه بالعبادة بفعل الأوامر وترك النواهي، وأعظمها وأهمها أن يخصوه بالعبادة، ويؤمنوا بأنه الواحد الأحد المستحق للعبادة دون كل ما سواه كما قال سبحانه:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (1)، وقال سبحانه:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (2).
فالتوحيد: هو أول واجب وأعظم واجب، أن تؤمن بأنك عبد الله، وأنك يجب عليك أن تخصه بالعبادة، وأنه إلهك الحق ومعبودك الحق، وأن تؤمن برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتشهد أنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وتشهد أيضا أنه خاتم الأنبياء، وليس بعده نبي ولا رسول، وعليك مع هذا أن تؤمن بكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو أصل الأصول، وهذا هو الواجب على كل مكلف من جن وإنس، من رجال ونساء، من عرب وعجم، من كافر ومسلم، من جميع الثقلين وجميع المكلفين، عليهم أن يعبدوا الله وحده، وعليهم أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله وبأن محمدا رسول الله، وأنه خاتم الأنبياء، وأن ما جاء به هو الحق،
(1) سورة البقرة الآية 163
(2)
سورة محمد الآية 19
وأن الواجب اتباعه والسير على منهاجه حتى تلقى ربك. هذا هو العبادة التي خلقت لها، وهذا هو الدين، وهذا هو التقوى، وهذا هو الإيمان، وهذا هو الإسلام، وهذا هو البر، كلمات لها معان من حيث اللغة ترجع إلى شيء واحد، وهو أن ذلك هو دين الله فهو الإسلام، وهو الهدى، وهو التقوى، وهو البر، وهو الإيمان، وهو العبادة لله وحده، وهذه المعاني كلها واضحة؛ فهو عبادة لأنه خضوع لله وإسلام، لأنه ذل وانقياد لله وتقوى، لأن العبد يتقي بذلك غضب الله، وإيمان لأنه تصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله، وهدى لأن الله هدى به العباد إلى الخير والصلاح. وبر لأنه كله خير وكله سبب للسعادة؛ ولهذا قال جل وعلا:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} (1)، وقال تعالى:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (2)؛ لأن المتقين هم المسلمون، هم المؤمنون، وهم الذين عبدوا الله وحققوا معنى قوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (3)؛ وذلك لتقواهم الله، وقيامهم بحقه، وإخلاصهم له، وإيمانهم بأنه معبودهم الحق، وإيمانهم برسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وإيمانهم بكل ما أخبر الله به ورسوله في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الأمين عليه الصلاة والسلام، فلا يتم إسلام ولا إيمان إلا بهذا، ولا بد من شهادة أن لا إله إلا الله وأنه لا معبود حق إلا الله، وأن جميع ما يعبده الناس من دون الله كله
(1) سورة الطور الآية 17
(2)
سورة القلم الآية 34
(3)
سورة الذاريات الآية 56
باطل، قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} (1).
ولا بد من الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما يكون، وعن الرسل الماضين، وعن الجنة والنار، وعن أخبار القيامة، وعن الحساب والجزاء. . . إلى غير ذلك. لا بد أن تصدق بكل ما أخبر الله به، مما جاء في القرآن، أو صحت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، على حسب ما أعطاه الله من العلم.
ثم بعد هذا الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، وتوحيد الله، والإخلاص له، والإيمان بأسمائه وصفاته، وإمرارها كما جاءت عن الله، وعن رسوله بلا كيف ولا تحريف ولا تمثيل؛ كما قال أهل السنة والجماعة، بعد هذا أنت يا عبد الله مأمور بالالتزام بما أوجب الله على عباده من صلاة وزكاة وصيام وحج وغير ذلك، وعليك أن تمتثل بكل ما أمر الله به ورسوله، وأن تبتعد عن كل ما نهى الله عنه ورسوله، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} (2)، فهو خطاب للناس كلهم؛ جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، يعم الكفار ويعم المسلمين، ومعنى اتقوا ربكم: افعلوا أوامره، واتركوا نواهيه؛ طلبا لمرضاته، وحذرا من عقابه، فكلهم ملزمون بالتقوى في جميع الأحوال، وقال تعالى:
(1) سورة الحج الآية 62
(2)
سورة النساء الآية 1
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1) فلا بد من عبادته سبحانه بإخلاص وصدق في العبادة له وطاعة أوامره وترك نواهيه، وقد يخص سبحانه المؤمنين بالأمر فيقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} (2) في آيات كثيرات؛ لأن المؤمنين هم بعض الناس المأمورين بالتقوى، فالواجب عليهم أعظم؛ لأنهم آمنوا بالله ورسوله وعليهم أن يكملوا هذا الإيمان، وأن يلتزموا به حتى الموت؛ كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (3)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (4).
فالواجب على المكلف المسلم أن يلتزم بهذا الإسلام حتى الموت، وأن يلزم نفسه بهذا، التقوى لله وطاعته حتى الموت، وعلى الكافر أن يدخل في الإسلام، وأن يبادر بذلك قبل أن يحل الأجل. والإسلام هو دين الله الذي بعث به محمدا عليه الصلاة والسلام وجميع المرسلين؛ كما قال الله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (5) وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (6).
(1) سورة البقرة الآية 21
(2)
سورة الحشر الآية 18
(3)
سورة الحجر الآية 99
(4)
سورة آل عمران الآية 102
(5)
سورة آل عمران الآية 19
(6)
سورة آل عمران الآية 85
ومحمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله لأهل الأرض جميعا من عرب وعجم وجن وإنس، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فعلى جميع الكفار من يهود ونصارى وغيرهم أن يبادروا بالدخول في الإسلام، وأن يلتزموا من حين بعثه الله إلى يوم القيامة، عليهم أن يلتزموا بذلك ويعملوا به، وعلى جميع الجن والإنس، والعرب والعجم، والذكور والإناث، والأغنياء والفقراء، عليهم جميعا أينما كانوا في أرض الله أن يعبدوا الله وحده، وأن يلتزموا بشريعة الإسلام التي بعث الله بها نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام؛ كما تقدم في قوله سبحانه:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (1)، وفي قوله سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (2)، وفي قوله سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (3).
ثم وعدهم سبحانه بالنجاة والسعادة والفلاح، فقال سبحانه:{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (4)، فالمفلحون هم أتباعه عليه الصلاة والسلام، المتمسكون بشريعته، والمستقيمون على دينه.
ومما تقدم تعلم أن أهم الواجبات وأهم الفرائض هو أن تعبد الله
(1) سورة الأعراف الآية 158
(2)
سورة سبأ الآية 28
(3)
سورة الأنبياء الآية 107
(4)
سورة الأعراف الآية 157
وحده بهذه العبادة التي خلقك الله لها وأمرك بها في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1)، وفي قوله سبحانه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (2). فأنت ما خلقت لتأكل وتشرب، ما خلقت لبناء القصور، أو غرس الأشجار، أو شق الأنهار، أو للنكاح، ونحو ذلك، لا، فأنت مخلوق لتعبد ربك، وأنت مخلوق لتستقيم على طاعته، وتتابع رسوله عليه الصلاة والسلام؛ فعليك أن تستقيم على طاعته سبحانه، وأن تتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فأنت مخلوق لهذا، وكل ما في الأرض خلق لك لتستعين به على طاعة الله وترك معاصيه، ولم يخلق لك لتستعين به على شهواتك؛ كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (3)، وقال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (4) فلم تخلق سدى ولا عبثا قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (5) أي: أيظن أن يترك سدى، أي: مهملا معطلا. لا، بل خلق لأمر عظيم، وهو: عبادة الله وطاعته، وقال تعالى منكرا على المشركين:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (6)، أنكر الله عليهم هذا الحسبان، وهذا الظن لكونه باطلا، وقال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (7)
(1) سورة الذاريات الآية 56
(2)
سورة البقرة الآية 21
(3)
سورة البقرة الآية 29
(4)
سورة الجاثية الآية 13
(5)
سورة القيامة الآية 36
(6)
سورة المؤمنون الآية 115
(7)
سورة ص الآية 27
فهذا ظن الكافرين، فأوضح الله سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحق ليعرف الناس بنفسه وقدرته العظيمة، وأنه المستحق لأن يعبد.
فعليك يا عبد الله، أن تعرف ربك بأسمائه وصفاته ومخلوقاته العظيمة، وأنه هو معبودك الحق، ولتعمل بذلك؛ فكثير من الكفار بل أكثرهم قد عرفوا أن الله ربهم، وأنه خالقهم ورازقهم، ولكن لم يعبدوه وحده، بل أشركوا معه غيره فصاروا إلى النار.
فلا بد أن تعرف ربك، ولا بد مع المعرفة أن تعبده وحده بالإخلاص دون كل من سواه، وأن تؤدي حقه وتترك الشرك به ومعصيته، لا بد من هذا كله، فكفار قريش وغيرهم يعرفون ربهم، ويعرفون أن الله خالقهم ورازقهم؛ كما قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (1) الآيات، لكن كفروا بشركهم بالله وعبادتهم الأصنام والأولياء مع الله ونحو ذلك، وامتناعهم عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتصديقه في عبادة الله وحده فصاروا كفارا بذلك، فلا بد أن تؤمن بالله ربا وإلها ومعبودا بالحق، ولا بد أن تؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، ولا بد من تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به.
وعلى هذا الأصل الأصيل تؤدي حقه من صلاة وصيام وغير ذلك من العبادات، وتدع معصيته من الشرك بالله وسائر المعاصي فالتوحيد
(1) سورة الزخرف الآية 87
الذي خلقت له والعبادة التي خلقت لها أن تؤمن بأن الله ربك وخالقك ورازقك ورب كل شيء ومليكه، وأن تخصه بالعبادة من دعاء وخوف ورجاء وذبح ونذر وصلاة وصوم وغير هذا من العبادات، تخص الله وحده بذلك دون كل ما سواه قال تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (1)، وقال سبحانه:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (2)، وقال سبحانه:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (3)، فلا بد من هذا الأمر، وهو أن تخص الله بالعبادة؛ صلاتك، وصومك، وذبحك، ونذرك، ودعائك، وخوفك، ورجائك، إلى غير ذلك، ولا بد مع هذا من الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن العظيم، والثابتة في السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا بد من الإيمان بأسمائه وصفاته، ولا بد من إمرارها كما جاءت على الوجه اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فلا تئولها ولا تنفها، بل عليك أن تؤمن بها، وأن تمرها كما جاءت، وكما درج على هذا سلف الأمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان من أهل السنة والجماعة، فإنهم قد آمنوا بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وآمنوا بأن الله معبودهم الحق، وآمنوا بأسمائه وصفاته.
وهذه هي أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد
(1) سورة الإسراء الآية 23
(2)
سورة البينة الآية 5
(3)
سورة الفاتحة الآية 5
الربوبية: الإيمان بأنه الخلاق الرزاق المدبر للأمور الذي أقر به المشركون ولكن لم يدخلوا في الإسلام بذلك؛ لعدم عبادتهم لله وحده، وعدم تخصيصهم له سبحانه بالعبادة، بل أشركوا به غيره.
ولا بد من توحيد العبادة الذي هو معنى: لا إله إلا الله، وهو أنه لا معبود حق إلا الله، لا بد من هذا التوحيد والإخلاص لله في أقوالك وأعمالك وعقيدتك، لا بد أن تخص الله بالعبادة، وأن تؤمن بأنه المعبود الحق، وأن العبادة لا تصح لغيره أبدا، لا للأنبياء ولا لغيرهم، ولا بد من الإيمان بأسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (1)، لا بد أن تؤمن بأسمائه وصفاته، وتعبده بذلك وهو أن تنفي عنها جميع التشبيه والتمثيل والتحريف، ولا بد مع ذلك من طاعة الأوامر وترك النواهي، فعليك أن تؤمن بهذا الأصل الأصيل، ثم تنقاد لشرع الله بفعل الأوامر وترك النواهي عن إيمان، وعن علم، وعن بصيرة وصدق وإخلاص، وقد عبر عنها سبحانه بالإيمان والعمل الصالح في آيات أخرى وعبر عن دينه بالإسلام، وعبر عنه بالعبادة قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (2)، وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (3)؛ لأنه يؤدى بالذل والخضوع لله، فسمي إسلاما وعبادة؛ لأن العبد يؤديه بالخضوع والذل لله، وعبر عنه بالتقوى؛ لأن
(1) سورة الأعراف الآية 180
(2)
سورة الذاريات الآية 56
(3)
سورة البقرة الآية 21
العبد يؤديه متقيا بذلك ربه، ويخاف عقوبته. وسماه إيمانا؛ لأن العبد يؤدي ذلك عن إيمان، وعن تصديق لا عن شك وريب، بل يؤدي هذه العبادات، وهذه الأعمال عن إيمان بالله وحده، وأنه ربه ومعبوده الحق، وأنه مستحق لذلك، وهو يؤديها عن إيمان، وعن صدق، وسماه برا لما فيه من الخير العظيم والسعادة، فهو بر، وسماه هدى لما فيه من الخير أيضا؛ لأنه يهدي إلى الخير ويوصل إلى الخير وإلى أسباب السعادة، وفي آيات أخرى عبر عن ذلك بالإيمان والعمل الصالح، فقال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} (1)، فالمؤمنون الذين عملوا الصالحات هم أهل التقوى، وهم المسلمون، وهم الصالحون، وهم الذين عبدوا الله حق عبادته قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} (2)؛ كما أنهم هم المتقون في قوله سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} (3)، وقال سبحانه:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (4) وهم الأبرار؛ كما في قوله سبحانه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (5)، وقال تعالى:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} (6)، فهم الأبرار، وهم أهل التقوى، وهم أهل الإيمان، وهم المسلمون، وهم الذين عبدوا الله وحده قال تعالى:
(1) سورة لقمان الآية 8
(2)
سورة لقمان الآية 8
(3)
سورة الطور الآية 17
(4)
سورة القلم الآية 34
(5)
سورة الانفطار الآية 13
(6)
سورة المطففين الآية 18
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (1) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات الموعودون بالنصر والتأييد والاستخلاف في الأرض هم المسلمون حقا، وهم المؤمنون، وهم الأبرار، وهم الصالحون، وهم الذين عبدوا الله سبحانه وتعالى كما ترى، واستقاموا على دينه، عبدوه واتقوه، وعنت وجوههم له، فالعبارات متنوعة والحقيقة واحدة، فالمؤمنون والمتقون والأبرار والمسلمون والمهتدون هم الذين أطاعوا الله ورسوله، وهم الذين وحدوا الله وخصوه بالعبادة، وآمنوا به حقا، واعترفوا بأنه ربهم ومعبودهم الحق، وانقادوا لشريعته سماهم سبحانه مؤمنين في قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (2) الآية، وفي قوله تعالى:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (3)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (4).
فالعمل الصالح من الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، فإذا أطلق الإيمان فهو قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي؛ فلهذا عبر سبحانه عن
(1) سورة النور الآية 55
(2)
سورة التوبة الآية 72
(3)
سورة الروم الآية 47
(4)
سورة الكهف الآية 107
دينه بالإيمان، فقال سبحانه وتعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (1)، وقال:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (2)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله - يعني مع الشهادة بأن محمدا رسول الله - وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (3)» .
فدين الله هو الإيمان، وهو الإسلام، وهو الهدى، وهو التقوى، وهو البر؛ كما تقدم بيان ذلك، فعليك أن تنتبه لهذا، وعليك أن تحذر أن يشتبه عليك هذا الأمر، وأن تظنه اختلافا يغير المعنى، فليس الأمر كذلك؛ بل هو شيء واحد تنوعت عنه العبارات بحسب المعاني، فإن دين الله الذي بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام وبعث به خاتمهم محمدا صلى الله عليه وسلم هو الإسلام، وهو الإيمان، وهو الهدى، وهو البر والتقوى، وهو الإيمان والعمل الصالح فافهم هذا جيدا.
فالنصيحة لكل مؤمن ولكل مسلم، بل لجميع المكلفين في الدنيا أن يتفقهوا في هذا الأمر، وأن يتبصروا، وأن يلزموا هذا الدين ويستقيموا عليه حتى الموت، فهو طريق النجاة، وهو طريق السعادة، وهو طريق النصر، فمن أراد النجاة فعليه بهذا الدين، ومن أراد النصر في الدنيا والعزة في الآخرة فعليه بهذا الدين، ومن أراد الجنة فعليه بهذا الدين، ومن أراد الأمن في الدنيا والسعادة في الآخرة فعليه بهذا الدين، وأن يلتزم به.
(1) سورة التوبة الآية 72
(2)
سورة الروم الآية 47
(3)
صحيح البخاري الإيمان (9)، صحيح مسلم الإيمان (35)، سنن الترمذي الإيمان (2614)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5005)، سنن أبو داود السنة (4676)، سنن ابن ماجه المقدمة (57)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 414).
فنصيحتي لجميع الدول المنتسبة للإسلام أن تتقي الله، وأن تلتزم بهذا الإسلام حقا لا بالدعوى، وأن تعبد الله وحده، وأن تلزم شعوبها بعبادة الله وحده، وأن تحذر عباد أصحاب القبور أو الأصنام أو الأحجار أو الأشجار، أو غير ذلك من سائر المخلوقات؛ فالعبادة حق لله وحده، لا يعبد مع الله أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي رضي الله عنهم؛ ولا أهل البيت، ولا غيرهم، ولا البدوي، ولا الحسين، ولا الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولا غيرهم.
فالعبادة حق الله وحده لا يجوز صرف شيء منها لغيره كائنا من كان؛ كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} (1)، وقال سبحانه:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (2) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يعبدوا الله وحده دون كل ما سواه، فالأنبياء حقهم أن يتبعوا، وأن يصدقوا عليهم الصلاة والسلام، وأن يحبوا في الله، وأن ينقاد كل قوم لنبيهم، وعلى هذه الأمة - أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تنقاد لما جاء به نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تلتزم به، وأن تصدق بكل ما أخبر به الله ورسوله عن الماضين وعما سيأتي، وأن تستقيم على دين الله الذي بعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وأن تلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة في أقواله اوأعمالها، وأن تحكم شرع الله فيما بينها.
(1) سورة لقمان الآية 30
(2)
سورة البينة الآية 5
هذا هو الواجب على جميع المسلمين، وعلى جميع الدول الإسلامية أن تلتزم بذلك، وأن تحكم شرع الله في عباد الله، وأن تقيم حدود الله في أرض الله، هذا هو واجبهم جميعا؛ كما قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1)، ويقول سبحانه:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (2)، فليس هناك شيء أحسن من حكم الله أبدا، وفي حكم الله السعادة والأمن والنصر في الدنيا والآخرة.
فالواجب على ولاة الأمور أن يدعوا إلى حكم الله ويلتزموا به، وعلى كل مسلم أن ينقاد إلى حكم الله ويرضى به؛ ولهذا قال جل وعلا:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} (3). هذا هو الأساس فإذا عبدوه وحده وعملوا الصالحات وانقادوا لحكمه واستقاموا على الإيمان قولا وعملا استخلفهم الله ونصرهم وأيدهم؛ كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (4)، وقال عز وجل:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (5)، ثم بين من هم المنصورون، فقال
(1) سورة النساء الآية 65
(2)
سورة المائدة الآية 50
(3)
سورة النور الآية 55
(4)
سورة محمد الآية 7
(5)
سورة الحج الآية 40
سبحانه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (1) يعني بعد توحيد الله، فإنهم إذا وحدوا الله وآمنوا به وبرسوله صلى الله عليه وسلم نفذوا شرائعه من صلاة وصوم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ويدخل في المعروف الصيام والحج والجهاد وترك المحرمات، وإلزام الناس بكل ما أمر الله به ورسوله، كل ذلك داخل في المعروف. ويدخل في النهي عن المنكر النهي عن كل ما نهى الله؛ كالشرك بالله وغيره من سائر المعاصي.
فهؤلاء هم أهل الإيمان، وهم الذين ينصرون في الدنيا والآخرة؛ ينصرون في الدنيا بجعلهم خلفاء في الأرض، وتمكينهم في الأرض ضد أعدائهم، وفي الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار؛ كما قال تعالى:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (2){يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (3)، نعوذ بالله من ذلك، ويقول عز وجل:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (4)، آمنوا: دخلوا في الإسلام واستقاموا على دين الله، وتركوا الشرك، وانقادوا للحق، فكل معصية تسمى ظلما، والظلم هنا هو الشرك؛ كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فهم آمنوا وأخلصوا لله العبادة، وتركوا الشرك، وانقادوا لما
(1) سورة الحج الآية 41
(2)
سورة غافر الآية 51
(3)
سورة غافر الآية 52
(4)
سورة الأنعام الآية 82
أمر الله به ورسوله؛ لأنه لا يتم إيمانهم إلا بطاعة الله ورسوله ولهذا قال سبحانه: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (1)؛ بسبب إيمانهم الصحيح وسلامتهم من الشرك.
وكل معصية تنقص الأمن وتنقص الهداية، فمن آمن إيمانا كاملا بطاعة الله ورسوله وتوحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به وترك المعاصي صار الأمن في حقه كاملا، وصارت الهداية كاملة في الدنيا والآخرة.
أما من تعاطى شيئا من المعاصي فإن أمنه ينقص بذلك، وهدايته تنقص بحسب ما عنده من المعاصي والشرور؛ كما دلت على ذلك النصوص الأخرى من الكتاب والسنة، لكن ما دام على التوحيد فهو من أهل الأمن، وهو من أهل الهداية، وإن جرى عليه خطوب وإن عذب بمعاصيه، لكن مصيره في النهاية إلى الجنة إذا مات على التوحيد والإيمان، وإن دخل النار يعذب على قدر معاصيه، ثم يخرج منها إلى الجنة خلافا للخوارج والمعتزلة، فالخوارج والمعتزلة يقولون: من دخل النار لا يخرج منها أبدا، وهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ولإجماع الأمة، فإن أهل السنة والجماعة يقولون: قد يدخل العاصي النار؛ كما جاءت به النصوص، ويعذب بمعاصيه لكن يخرج منها بعد التطهير والتمحيص، إذا كان مسلما موحدا دخل النار بمعاصيه؛ كالزنا والعقوق وشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك إذا مات على ذلك ولم يتب، فقد يعذب، وقد يعفو الله سبحانه عنه لأسباب كثيرة، وقد يعذب في النار على قدر هذه الجرائم التي مات عليها،
(1) سورة الأنعام الآية 82
ثم بعدما يطهر بالنار من هذه الجرائم يخرجه الله من النار؛ كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة.
ويشفع النبي صلى الله عليه وسلم عدة شفاعات في العصاة من أمته الذين دخلوا النار ويخرجهم الله بشفاعته، ويشفع الأنبياء والمؤمنون والأفراط والملائكة، وكلهم يشفعون، ولا يبقى في النار مخلدا فيها إلا أهل الشرك بالله والكفرة، فإنهم هم الذين يبقون في النار مخلدين أبد الآباد؛ كما قال الله سبحانه في سورة البقرة:{كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (1)، وقال في سورة المائدة:{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} (2)، وقال في سورة النبأ:{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} (3) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما عصاة الموحدين الذين ماتوا على الإسلام ولكن لهم معاصي لم يتوبوا منها، فإنهم لا يخلدون في النار إن دخلوها، بل يعذبون فيها تعذيبا مؤقتا، وقد يخلدون فيها تخليدا مؤقتا، فإن الخلود خلودان: خلود دائم، وهذا للكفار وحدهم؛ وخلود مؤقت لبعض العصاة، وقد يطول بقاؤهم في النار لشدة معاصيهم وكثرتها، ثم بعد المدة التي كتبها الله عليهم يخرجهم الله من النار إلى الجنة؛ كما جاء ذلك في القاتل والزاني، لكنه خلود مؤقت له
(1) سورة البقرة الآية 167
(2)
سورة المائدة الآية 37
(3)
سورة النبأ الآية 30
نهاية إذا مات على التوحيد، وإنما الخلود الدائم والأبدي للكفار الذين ماتوا على الكفر بالله من اليهود والنصارى والوثنين وغيرهم؛ نعوذ بالله من حالهم!
فيا أيها المسلمون، ويا أيها المكلفون بادروا بتقوى الله والتوبة إليه، بادروا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، بادروا بالالتزام بالإسلام قبل أن تندموا غاية الندامة، وقبل أن يعض أحدكم على يديه ندما، ويقول: يا ليتني قدمت لحياتي.
يجب على كل مكلف في أرجاء الدنيا لم يدخل في الإسلام أن يبادر بالدخول فيه قبل أن يهجم عليه الأجل، فيندم غاية الندامة، ومصيره إلى النار وبئس المصير. قال الله عز وجل في سورة الفرقان:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} (1){يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} (2){لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} (3)، وقال في سورة الفجر:{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} (4){يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (5){فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} (6){وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} (7)، فاحذر يا عبد الله أن تعض على يديك ندما يوم القيامة بسبب كفرك أو تفريطك في حق الله، احذر وبادر وسارع إلى الخير اليوم قبل الموت؛ فالزم الحق بتوحيد الله والإخلاص له، وحقق العبادة التي خلقت
(1) سورة الفرقان الآية 27
(2)
سورة الفرقان الآية 28
(3)
سورة الفرقان الآية 29
(4)
سورة الفجر الآية 23
(5)
سورة الفجر الآية 24
(6)
سورة الفجر الآية 25
(7)
سورة الفجر الآية 26
لها، حقق الإسلام الذي خلقت له، فأنت مخلوق لعبادة الله وهي الإسلام، وهي التقوى، وهي الهدى، وهي طاعة الله ورسوله، حقق هذه العبادة، وحقق هذا الإسلام، واستقم عليه قبل أن تموت، وقبل أن يحال بينك وبين ذلك، وأنت لا تدري متى يجيء الأجل، كل واحد منا لا يدري متى يجيئه الأجل، فقد يصبحه أو يمسيه، ولا يدري أيضا ما هي الأسباب التي تكون سببا لموته، فالحزم كل الحزم في البدار إلى طاعة الله، والتوبة إليه، والاستقامة على ذلك حتى الموت، فاتق الله يا عبد الله، وبادر إلى الحق قبل أن يهجم الأجل، وسارع إلى طاعة الله ورسوله والفقه في دين الله وتعلمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (1)» ، ويقول عليه الصلاة والسلام:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (2)» متفق على صحته.
فليتق الله كل مسلم، ولينظر في أعماله: هل هو على طريق الله؟ وهل هو على ما كان عليه أصحاب رسول الله من السلف الصالح، من توحيد الله، وطاعته، والإيمان به سبحانه، والإيمان بأسمائه وصفاته؟ ولينظر إن كان على بدعة فليحذرها، ولينظر كل إنسان ما هو عليه؛ هل هو على طريق الله الذي جاء به محمد؟ وهل هو موحد لله؟ وهل هو يعبده وحده دون كل ما سواه؟ وهل أدى أوامره وترك نواهيه؟ لينظر كل إنسان في هذا ويحاسب نفسه، يجب أن ينظر ويتقي الله قال تعالى:
(1) صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699)، سنن الترمذي القراءات (2945)، سنن ابن ماجه المقدمة (225)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 252)، سنن الدارمي المقدمة (344).
(2)
صحيح البخاري العلم (71)، صحيح مسلم الإمارة (1037)، سنن ابن ماجه المقدمة (221)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 93)، موطأ مالك كتاب الجامع (1667)، سنن الدارمي المقدمة (226).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (1).
انظر يا عبد الله ماذا قدمت؟ وانظري يا أمة الله ماذا قدمت؟ فالمؤمن ينظر، والشيعي ينظر، وأي منتسب لطائفة من الطوائف ينظر: أنصار السنة، والإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية، وجماعة التبليغ. أي جماعة، كل واحد منهم ينظر ماذا قدم؟ وما هو عليه؟ هل هو على طريق الهدى؟ وهل هو على طريق محمد أم لا؟ كل واحد ينظر في عمله ولا يقلد؛ لأن التقليد خطر ويحدث التعصب، وقد يكون هذا التعصب بغير علم، وهذا لا يجوز، يجب طاعة الله ورسوله، يقول سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (2)، ما قال أطيعوا فلانا ولا فلانا، بل حدد سبحانه الطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر، فقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (3) يعنى إذا تنازعتم مع أولي الأمر، أو مع العلماء، أو مع الأمراء، أو مع فلان وفلان، أو مع أولادك، أو مع شيخك، أو مع أميرك، أو مع زوجتك؛ فيرد الأمر إلى الله وإلى الرسول.
فلا يرد الأمر إلى الهوى ولا يرد إلى زيد أو عمر، لا بد أن ترد الأمور إلى الله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أمرك أولي الأمر أو الأمير بأمر يخالف شرع الله فلا طاعة له؛ إنما
(1) سورة الحشر الآية 18
(2)
سورة النساء الآية 59
(3)
سورة النساء الآية 59
الطاعة في المعروف، وإذا طلبت منك زوجتك أو أبوك أو أمك شيئا يخالف شرع الله فلا يجاب هذا الطلب، ولكن بالحكمة وبالكلام الطيب، تعتذر من أبيك أو من أمك أو من ولي الأمر أو من زوجتك بالأسلوب الحسن، وتقنعهم بما شرع الله؛ قل: قال الله، قال رسوله، لا يجوز أن أطيعكم في معصية الله، يا والدي لك حق علي كبير، لكن ما يجوز أن أطيعك في شرب الخمر، ما يجوز أن أطيعك في الربا، ما يجوز أن أطيعك في كذا وكذا من معاصي الله.
وهكذا مع الأمير، وهكذا مع الأم، وهكذا مع الزوجة، وهكذا مع أخيك الكبير، وهكذا مع شيخ القبيلة، وهكذا مع الجميع، لا تطع أحدا في معصية الله أبدا، طاعة الله مقدمة على الجميع، فمن أمرك بطاعة الله فعلى العين والرأس، سمعا وطاعة في طاعة الله، وإن كان دونك، وإن كان ولدك إذا قال: يا والدي اتق الله، دع الربا، قل: سمعا وطاعة، إذا قال: يا والدي اتق الله ودع الزنا، دع الخمر؛ فاستجب ولو كان صغيرا.
من أمرك بطاعة الله فسمعا وطاعة، واحمد الله أن جعل في ولدك من يأمرك بالخير، لا تتكبر على ولدك إذا دعاك إلى الخير، ولا على أخيك الصغير، ولا على خادمك إذا دعاك إلى خير، قل: الحمد لله الذي يسر لي من خدمي أو من أولادي أو من جيراني أو من إخوتي من يأمرني بطاعة الله، ومن يساعدني في الخير. لا تتكبر، لا تقل: ما شأنك؟ أنت ولدي وتأمرني! أو خادمي وتأمرني! لا، اتق الله فإن طاعة الله واجبة على الجميع، فمن نصحك من أولادك، أو من جيرانك، أو من إخوانك، أو من خدامك، أو من غيرهم، ونصيحتهم موافقة للشرع، فقل: جزاك الله خيرا، وبادر بالخير
لا تتكبر؛ فالمؤمن يعظم أمر الله، ويقبل الحق ممن جاء به، ولا يتعالى ولو كان من جاء به أقل منه، يقول الله سبحانه:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (1)، فلو كان الناصح تلميذا من تلاميذ الشيخ فلا يرد الحق من التلميذ إذا صار التلميذ قد وفق لأمر خفي على الشيخ، فإن الإنصاف يقتضي قبوله، وهذه هي التقوى، وهذا من التفقه في الدين؛ لأن الدين يأمر بقبول الحق ممن جاء به من رجل أو امرأة، من ولدك أو من أخيك الصغير، من جارك أو من خادمك بدون تفرقة، فمن عرف الحق فليرشد إليه بالدليل، ومن بلغه ذلك فعليه السمع والطاعة؛ لأن الدليل فوق الجميع ما لأحد فيه كلام؛ لأن الله يقول وقوله الحق:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (2).
فيجب عليك أن تخضع للحق ممن جاء به من جن أو أنس، فمتى عرفت الحق فاقبله بالدليل، ولا تقل جاء به فلان، بل عليك أن تقبل الحق؛ لأن الحق فوق الجميع، الحق ضالة المؤمن، وحاسب نفسك أنت يا عبد الله، حاسب نفسك وجماعتك التي أنت تنتسب إليهم، حاسبهم وانظر فيما دعوك إليه، فإن كان موافقا لشرع الله فاقبل وإلا فدعه، وإذا كان بقاؤك مع هذه الجماعة أنفع لك في الدين فابق معهم، وإن كان بقاؤك معهم يضرك فاهرب منهم، اهرب وانصحهم، لا تبق مع الباطل ولا مع أهل الباطل إلا ناصحا لهم وموجها لهم إلى الخير، هكذا تجب
(1) سورة الحجرات الآية 13
(2)
سورة النساء الآية 59
النصيحة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (1)» . أخرجه مسلم في صحيحه.
فعليك بالنصيحة لهذه الجهات الخمس: لله بتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه وتحكيم كتابه، وللرسول بطاعته واتباعه، وللقرآن العظيم بتحكيمه واتباعه والإيمان بأنه كلام الله حقا وليس بمخلوق، والنصيحة لولاة الأمور بتوجيههم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بالأساليب الحسنة، وبالدعاء لهم بظهر الغيب أن الله يوفقهم. تدعو لولاة الأمور: اللهم وفقهم، اللهم اهدهم سواء السبيل، اللهم اهدهم للحق، اللهم أعنهم على تنفيذه في أي مكان، حتى ولو كنت في بلاد كافرة تدعو الله بأن يهديهم للحق؛ كما قال بعض الناس:«يا رسول الله، إن دوسا كفرت واعتدت. قال: اللهم اهد دوسا وأت بهم (2)» ، فهداهم الله وجاءوا وأسلموا، تدعو الله لأميرك في بلدك تقول: اللهم اهده، اللهم أصلح قلبه وعمله، اللهم اهده للحق، اللهم أعنه على تنفيذ الحق، اللهم وفقه لما يرضيك، اللهم اكف المسلمين شره، اللهم اهده للصواب.
وهكذا تنصح وتدعو وتستعمل الأساليب الحسنة اللينة الطيبة التي ليس فيها عنف، لا تمد يدك على الناس تقاتلهم، بل ادعهم بالحسنى قال الله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (3)، فلو جئت قوما، وهم يشربون الخمر
(1) صحيح مسلم الإيمان (55)، سنن النسائي البيعة (4197)، سنن أبو داود الأدب (4944)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 102).
(2)
صحيح البخاري الجهاد والسير (2937)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2524)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 243).
(3)
سورة النحل الآية 125
تقول: يا عباد الله، اتقوا الله ما يجوز شرب الخمر، أو رأيت من يدخن تقول: اتق الله يا عبد الله، ترى التدخين لا يجوز، وهو مضر بدينك ودنياك وصحتك، وهكذا حالق لحيته تقول له: لا تحلقها ما يجوز، الرسول أمر بإعفاء اللحى، وإرخائها، وتوفيرها، وقص الشوارب. وإن رأيت من يسبل الثياب تقول: يا أخي، الإسبال ما يجوز، ارفع ثوبك إلى الكعب، لا ينزل عن الكعب. أو رأيت امرأة متبرجة تقول: يا أمة الله، اتقي الله ما يجوز هذا، اتقي الله راقبيه سبحانه في أعمالك، لا يجوز هذا الشيء. وإن وجدت واحدا يتعامل بالربا في السوق أو في غيره تقول له: اتق الله يا عبد الله، لا تتعامل بالربا؛ لأنه محاربة لله ورسوله. وإن رأيت من يسب ويشتم تقول: اتق الله، تخاطبه بالحكمة وليس بالعنف ومد اليد والمضاربة، وإذا كان لم يستجب وعندك من يستطيع ترفع أمره إليه، فمثلا عندك الهيئة وعندك من ينفذ ترفع إلى من يقوم بالواجب.
أما أنت فما عليك إلا البلاغ والبيان بالكلام الطيب؛ كما أرشدك ربك وعلمك في قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم والأمة له تبع: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1)، وقال سبحانه:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (2) ويقول سبحانه بشأن اليهود والنصارى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} (3)،
(1) سورة النحل الآية 125
(2)
سورة آل عمران الآية 159
(3)
سورة العنكبوت الآية 46
فمن ظلم يعامل بما يقتضيه ظلمه، يعامل بالقوة من طريق أهل القوة، القوة من الجهة المختصة التي تستطيع أن تعمل بالقوة وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (1)» .
فمن استطاع أن يغير باليد فعل ذلك باليد، إذا كان المنكر له سلطة التغيير كالهيئة أو القاضي أو الأمير فيعمل بما عنده من السلطة، أما إذا كان ما عنده سلطة فينكر باللسان أو يغير باللسان حتى لا يشتبك مع الناس في الشر، وحتى لا يقع منكر أكثر وأشد، يقول: يا عبد الله، اتق الله بالكلام الطيب بالأسلوب الحسن، فإن عجز بالكلام أنكر بقلبه وكره بقلبه ولا يحضر المنكر، بل عليه أن يفارق أهل المنكر. هكذا المؤمن لا يترك الواجب حسب الطاقة.
فعليكم أيها الإخوة المسلمون في جميع أرض الله تقوى الله في كل وقت والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، وعلى كل واحد منكم تقوى الله فيما يأتي ويترك، وأن يحاسب نفسه في أي عمل؛ هل هو طاعة لله أو معصية لله؟ فإن كان طاعة لله نفذه، وإن كان معصية لله تركه، وهكذا مع الناس لا يحقر نفسه، إذا رأى المنكر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالكلام الطيب لا بالعنف والكلام القبيح، كأن يقول يا حمار يا كلب، بل عليه أن يقول: يا عبد الله، يا فلان، يا
(1) صحيح مسلم الإيمان (49)، سنن الترمذي الفتن (2172)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5009)، سنن أبو داود الصلاة (1140)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1275)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 54).
أخي - إن كان مسلما - بالكلام الطيب هذا لا يجوز، اتق الله يا عبد الله، إلى غير ذلك من الأساليب الحسنة.
واسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته؛ كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان من أرض الله للفقه في الدين والاستقامة عليه، وأن يمنحهم العلم النافع والعمل الصالح، وأن ييسر لهم العلماء الصالحين الذين يرشدونهم ويعلمونهم ويفقهونهم؛ كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين في كل مكان إلى الاستقامة على دينه والنصح له ولعباده وتحكيم شريعته والتحاكم إليها وإلزام الشعوب بها؛ كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يزيل بهم كل سوء وكل منكر، وأن يعيذهم من شرور النفس وسيئات العمل؛ إنه جل وعلا جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
بحث في الادخار " القسم الأخير "
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
فصل: إذا كان عليه دين مؤجل، فقال لغريمه: ضع عني بعضه، وأعجل لك بقيته، لم يجز. كرهه زيد بن ثابت، وابن عمر، والمقداد، وسعيد بن المسيب، وسالم، والحسن، وحماد، والحكم، والشافعي، ومالك، والثوري، وهشيم، وابن علية، وإسحاق، وأبو حنيفة، وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك:(كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله). وروي عن ابن عباس: أنه لم ير به بأسا. وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور؛ لأنه آخذ لبعض حقه، تارك لبعضه، فجاز؛ كما لو كان الدين حالا، وقال الخرقي:(لا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته). ولنا: أنه بيع الحلول، فلم يجز؛ كما لو زاده الذي له الدين، فقال له: أعطيك عشرة دراهم وتعجل لي المائة التي عليك، فأما المكاتب فإن معاملته مع سيده، وهو يبيع بعض ماله ببعض فدخلت المسامحة فيه، ولأنه سبب للعتق، فسومح فيه بخلاف غيره. . .).
ثم قال: (ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض، فلا بيع بينهما).
الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض. والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف. قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا؛ أن الصرف فاسد. والأصل فيه
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء (1)» وقوله عليه السلام: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد (2)» «ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا (3)» ، «ونهى أن يباع غائب منها بناجز (4)» ، كلها أحاديث صحاح. ويجزئ القبض في المجلس، وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما، أو إلى الصراف فتقابضا عنده، جاز. وبهذا قال الشافعي، وقال مالك:(لا خير في ذلك؛ لأنهما فارقا مجلسهما).
ولنا، أنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما لو كانا في سفينة تسير بهما، أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما. وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الأسلمي في قوله للذين مشيا إليه من جانب العسكر:(وما أراكما افترقتما). وإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف؛ لفوات شرطه. وإن قبض البعض، ثم افترقا، بطل فيما لم يقبض، وفيما يقابله من العوض. وهل يصح في المقبوض؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. ولو وكل أحدهما وكيلا في القبض، فقبض الوكيل قبل تفرقهما، جاز، وقام قبض وكيله مقام قبضه، سواء فارق الوكيل المجلس قبل القبض، أو لم يفارقه. وإن افترقا قبل قبض الوكيل بطل؛ لأن القبض في المجلس شرط، وقد فات وإن تخايرا قبل القبض في المجلس، لم يبطل العقد بذلك؛ لأنهما لم يفترقا قبل القبض. ويحتمل أن يبطل إذا قلنا بلزوم العقد، وهو مذهب الشافعي؛ لأن العقد لم يبق فيه خيار قبل القبض، أشبه ما لو افترقا. والصحيح الأول، فإن الشرط التقابض في المجلس، وقد وجد، واشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم
(1) صحيح البخاري البيوع (2134)، صحيح مسلم المساقاة (1586)، سنن الترمذي البيوع (1243)، سنن النسائي البيوع (4558)، سنن أبو داود البيوع (3348)، سنن ابن ماجه التجارات (2253)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 45)، موطأ مالك البيوع (1333)، سنن الدارمي البيوع (2578).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، سنن ابن ماجه التجارات (2254)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(3)
صحيح البخاري البيوع (2181)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 289).
(4)
صحيح البخاري البيوع (2177)، صحيح مسلم المساقاة (1584)، سنن الترمذي البيوع (1241)، سنن النسائي البيوع (4570)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 51)، موطأ مالك البيوع (1324).
بغير دليل، ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف، ثم اصطرفا، فإن الصرف يقع لازما صحيحا قبل القبض، ثم يشترط القبض في المجلس.
(فصل) ولو صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم، وليس معه إلا خمسة دراهم، لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها، فإن قبض الخمسة وافترقا، بطل الصرف في نصف الدينار، وهل يبطل فيما يقابل الخمسة المقبوضة؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة. وإن أراد التخلص، فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه، أو يفسخان العقد كله، ثم يشتري منه نصف الدينار بخمسة، ويدفعها إليه، ثم يأخذ الدينار كله، فيكون ما اشتراه منه له، وما بقي أمانة في يده، ثم يفترقان، ثم إذا صارفه بعد ذلك بالباقي له من الدينار، أو اشترى به منه شيئا، أو جعله سلما في شيء أو وهبه له، جاز، وكذلك إن وكله فيه. ولو اشترى فضة بدينار ونصف، ودفع إلى البائع دينارين، وقال: أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد، صح. ولو صارفه عشرة دراهم بدينار، فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر، جاز، وإن طال، ويكون الزائد أمانة في يده، لا شيء عليه في تلفه. نص أحمد على أكثر هذه المسائل. فإن لم يكن مع أحدهما إلا خمسة دراهم، فاشترى بها نصف دينار، وقبض دينارا كاملا ودفع إليه الدراهم، ثم اقترضها منه، فاشترى بها النصف الباقي، أو اشترى الدينار منه بعشرة ابتداء، ودفع إليه الخمسة، ثم اقترضها منه ودفعها إليه عوضا عن النصف الآخر على غير وجه الحيلة، فلا بأس.
(فصل) وإن باع مدي تمر رديء بدرهم، ثم اشترى بالدرهم تمرا جنيبا، أو اشترى من رجل دينارا صحيحا بدراهم، وتقابضا، ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة، ولا حيلة، فلا بأس به، وقال ابن أبي موسى:(لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه، فلا يستقيم له، فيجوز أن يرجع إلى البائع فيبتاع منه). وقال أحمد، في رواية الأثرم:(يبيعها من غيره أحب إلي) قلت له: قال: (لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها منه؟) فقال: (يبيعها من غيره، فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه، فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب، ولا يحكم الوزن، ولا يستقصي)، يقول:(هي ترجع إليه). قيل لأبي عبد الله: (فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذه منه من غيره، فلم يجدها، فرجع إليه)، فقال:(إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، فنعم). فظاهر أن هذا وجه الاستحباب، لا الإيجاب). ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا، ولهذا قال:(إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، فنعم)، وقال مالك:(إن فعل ذلك مرة، جاز، وإن فعله أكثر من مرة، لم يجز؛ لأنه يضارع الربا).
(1) صحيح البخاري الوكالة (2312)، صحيح مسلم المساقاة (1594)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 67).
وروى أيضا أبو سعيد، وأبو هريرة:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع بالتمر الدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا (1)» . متفق عليهما. ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرما لبينه له، وعرفه إياه، ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز؛ كما لو باعه من غيره، ولأن ما جاز من البياعات مرة، جاز على الإطلاق، كسائر البياعات، فأما إن تواطأ على ذلك، لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة، والشافعي:(يجوز، ما لم يكن مشروطا في العقد).
ولنا: أنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة، والحيل محرمة على ما سنذكره.
فصل: والحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما؛ مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك. قال أيوب السختياني: (إنهم ليخادعون الله، كأنما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي. فمن ذلك ما لو كان مع رجل عشرة صحاح، ومع الآخر خمسة عشر مكسرة، فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه، ثم تباريا، توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا، أو باعه
(1) صحيح البخاري البيوع (2202)، صحيح مسلم المساقاة (1593)، سنن النسائي البيوع (4553)، موطأ مالك البيوع (1314).
الصحاح بمثلها من المكسرة متفاضلا، ثم وهبه الخمسة الزائدة، أو اشترى منه بها أوقية صابون، أو نحوها ما يأخذه بأقل من قيمته، أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة، ثم اشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير. وهكذا لو أقرضه شيئا أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها. أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم). وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي:(ذلك كله وأشباهه جائز. إذا لم يكن مشروطا في العقد)، وقال بعض أصحاب الشافعي: (يكره أن يدخلا في البيع على ذلك؛ لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه.
ولنا: أن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها، فمسخهم قردة، وسماهم معتدين، وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين؛ ليتعظوا بهم، ويمتنعوا من مثل أفعالهم، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى:{وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} (1)، أي: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فروي أنهم كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة، ويتركونها إلى يوم الأحد، ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها مجاري، فيفتحها يوم الجمعة، فإذا جاء السمك يوم السبت، جرى مع الماء في المجاري، فيقع في الحفائر، فيدعها إلى يوم الأحد، ثم يأخذها، ويقول: ما اصطدت يوم السبت، ولا اعتديت فيه. فهذه حيلة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من
(1) سورة البقرة الآية 66
أدخل فرسا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق، فهو قمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار (1)» رواه أبو داود، وغيره. فجعله قمارا مع إدخاله الفرس الثالث؛ لكونه لا يمنع معنى القمار، وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذا، أو مأخوذا منه، وإنما دخل صورة، تحيلا على إباحة المحرم، وسائر الحيل مثل ذلك، ولأن الله تعالى إنما حرم المحرمات لمفسدتها، والضرر الحاصل منها.
(1) سنن أبو داود الجهاد (2579)، سنن ابن ماجه الجهاد (2876)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 505).
4 -
نقول عن بعض علماء المذاهب الأربعة في حكم الربا بدار الحرب مع الأدلة والمناقشة منهم، وسؤال وجواب من محمد رشيد رضا.
أ - قال الكاساني:
وأما شرائط جريان الربا فمنها أن يكون البدلان معصومين، فإن كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا، وعند أبي يوسف: هذا ليس بشرط ويتحقق الربا.
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا فباع حربيا درهما بدرهمين أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة، في حكم الإسلام: أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: لا يجوز.
وجه قول أبي يوسف أن حرمة الربا؛ كما هي ثابتة في حق المسلمين، فهي ثابتة في حق الكفار؛ لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال، فاشتراطه في البيع يوجب فساده؛ كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الإسلام.
ولهما: أن مال الحربي ليس بمعصوم، بل هو مباح في نفسه إلا أن المسلم المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بدله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وأنه مشروع مفيد للملك، كالاستيلاء على الحطب والحشيش، وبه تبين أن العقد ههنا ليس بتملك، بل هو تحصيل شرط التملك، وهو الرضا؛ لأن ملك الحربي لا يزول بدونه، وما لم يزل ملكه لا يقع الأخذ تملكا، لكنه إذا زال، فالملك للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد فلا يتحقق الربا؛ لأن الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد بخلاف المسلم إذا باع حربيا دخل دار الإسلام بأمان؛ لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان، والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء، فتعين التملك فيه بالعقد، وشرط الربا في العقد مفسد، وكذلك الذمي إذا دخل دار الحرب فباع حربيا درهما بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الإسلام فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا؛ لأن ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة، وما يبطل أو يفسد من بيوعهم إلا الخمر والخنزير على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن يكون البدلان متقومين شرعا، وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد، لا يجري فيه الربا.
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجلا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهما بدرهمين، أو غير ذلك من
البيوع الفاسدة في دار الإسلام، أنه يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز؛ لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده، وكذا ماله لا يضمن بالإتلاف؛ لأنه تابع للنفس، وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان، والمسألة تأتي في كتاب السير.
ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الإسلام، لا يحوز؛ لأن كل واحد منهما معصوم متقوم فكان التملك بالعقد، فيفسد بالشرط الفاسد.
ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام، أو أسلم أهل الدار: فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض، وما كان غير مقبوض يبطل؛ لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1)، أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من الربا، والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه، فكأنه تعالى قال: اتركوا قبضه، فيقتضي حرمة القبض.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي (2)» . والوضع: عبارة عن الحط والإسقاط، وذلك فيما لم يقبض، ولأن بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد؛ لأنه تقرير العقد وتأكيده، فيشبه العقد فيلحق به؛ إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من
(1) سورة البقرة الآية 278
(2)
صحيح مسلم كتاب الحج (1218)، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905)، سنن ابن ماجه المناسك (3074)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 321)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850).
كل وجه في باب الحرمات احتياطا، ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة.
ومنها: أن لا يكون البدلان ملكا لأحد المتبايعين، فإن كان لا يجري الربا، وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين، وليس عليه دين أنه يجوز؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه، فكان البدلان ملك المولى، فلا يكون هذا بيعا، فلا يتحقق الربا؛ إذ هو مختص بالبياعات.
وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز؛ لأن البدل من كل واحد منهما مشترك بينهما، فكان مبادلة ماله بماله، فلا يكون بيعا ولا مبادلة حقيقة. وكذلك الشريكان، شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة جاز لما قلنا.
ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز؛ لأنهما في غير مال الشركة أجنبيان. ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين لا يجوز بالإجماع. أما عند أبي حنيفة رحمه الله فظاهر؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عندهم فلم يجتمع البدلان في ملك واحد، وعندهما وإن كان يملك لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه؛ لتعلق حق الغرماء به، فكان المولى كالأجنبي عنه. وكذلك المولى إن عاقد مكاتبه عقد الربا لم يجز؛ لأن المكاتب في حق الاكتساب ملحق بالأحرار؛ لانقطاع تصرف المولى عنه فأشبه الأجانب.
وأما إسلام المتبايعين، فليس بشرط لجريان الربا، فيجري الربا بين أهل الذمة، وبين المسلم والذمي؛ لأن حرمة الربا ثابتة في جهنم؛ لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات إن لم يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا. قال الله تعالى:{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (1).
وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر: إما أن تذروا الربا، أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله» . وهذا في نهاية الوعيد فيدل على نهاية الحرمة، والله سبحانه وتعالى أعلم (2).
ب - قال: (ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب)
خلافا لأبي يوسف رحمه الله، والشافعي رحمه الله: لهما الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا، ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب» ، ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم، أخذ مالا مباحا إذا لم يكن منه غدر بخلاف المستأمن منهم؛ لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان.
(قال) أي القدوري في مختصره: (ولا ربا بين المولى وعبده؛ لأن العبد وما في يده ملك مولاه فلا يتحقق الربا وهكذا) أي: عدم كون الربا بين المولى وعبده (إذا كان) أي: العبد (مأذونا له) في التجارة ولم يكن عليه دين، أما إذا كان عليه دين لا يجوز بالاتفاق؛ لأن ما في يده ليس ملك
(1) سورة النساء الآية 161
(2)
بدائع الصنائع 3127.
المولى عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما (تعلق به) أي بما في العبد (حق الغرماء فصار) أي: العبد (كأجنبي) من مولاه (فيتحقق الربا كما يتحقق) أي: الربا (بينه) أي: بين المولى (وبين مكاتبه)؛ لأن المكاتب صار كالحر يدا، أو تصرفا في كسبه، الربا بينه وبين مولاه؛ كما يجري بينه وبين غيره.
(قال) أي القدوري رحمة الله: (ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب) أي: ولا ربا أيضا بين المسلم الذي دخل دار الحرب بأمان وباع درهما بدرهمين، وكذا إذا باع خمرا، أو خنزيرا، أو ميتة، أو قامرهم، وأخذ المال كل ذلك يحل له إذا كان في دار الحرب، عند أبي حنيفة، ومحمد، (خلافا لأبي يوسف، والشافعي، رضي الله عنهما ومالك وأحمد.
(لهما) أي: لأبي يوسف والشافعي: (الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا) يعني: المستأمن من أهل الحرب الذي دخل دارنا بأمان تجري الربا بينه وبين المسلم، فكذلك بجامع تحقق الفضل الحالي عن العرض المستحق بعقد البيع.
(ولنا قوله عليه الصلاة والسلام أي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب»، هذا حديث غريب ليس له أصل مسند، وقال الكاكي: (ولنا الحديث المذكور في المتن). وفي المبسوط عن مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا ربا بين المسلم» . . . الحديث. وهذا الحديث وإن كان مرسلا فمكحول ثقة، والمرسل من مثله مقبول، وقال الأكمل:
(ولأبي حنيفة، ومحمد رحمه الله ما روى مكحول. . .) إلى آخره، ثم قال:(ذكره محمد بن الحسن وذكره الأترازي كذا)، ثم قال:(كذا في شرح أبي نضر) قلت: أسند البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الشافعي رضي الله عنه قال: قال أبو يوسف رحمه الله: (إنما قال أبو حنيفة رضي الله عنه هذا؛ لأن بعض النسخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين أهل الحرب» أظنه قال: «وأهل الإسلام». قال الشافعي رضي الله عنه: (هذا ليس بثابت ولا حجة فيه). انتهى.
قلت: لا نسلم عدم ثبوته؛ لأن جلالة قدر الإمام لا تقتضي أن يجعل لنفسه مذهبا من غير دليل واضح، وأما قوله:(ولا حجة فيه) فبالنسبة إليه، لأن مذهبه عدم العمل بالمرسلات، إلا مرسل سعيد بن المسيب، والمرسل عندنا حجة على ما عرف في موضعه، والله أعلم.
(ولأن مالهم) أي: مال أهل الحرب (مباح في دارهم)؛ لأنه غير معصوم، أي: في أخذه (غدر)؛ لأن الغدر حرام (بخلاف المستأمن منهم)، هذا جواب عن قياس أبي يوسف والشافعي رضي الله عنهما تقريره ما قاله بقوله:(لأن ماله) أي: من المستأمن (صار محظورا) أي: ممنوعا أخذه (بعقد الأمان)، ولهذا لا يحل تناوله بعد انقضاء المدة، وفي الحجى في الكناية: مستأمن هنا باشر مسلما أو ذميا في دارهم أو من أسلم هناك شيئا من العقود التي لا تجوز فيما بيننا؛ كالربويات، وبيع الميتة، جاز عندهما.
خلافا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة، والله أعلم.
جـ - قال في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار والتعليق عليه رد المحتار:
(ولا بين حربي ومسلم مستأمن) ولو بعقد فاسد أو قمار (ثمة)؛ لأن ماله ثمة مباح، فيحل برضاه مطلقا بلا عذر خلافا للثاني. والثلاثة (و) حكم (من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي) فللمسلم الربا معه خلافا لهما؛ لأن ماله غير معصوم فلو هاجر إلينا، ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقا جوهرة:
قلت: ومنه يعلم حكم من أسلما ثمة ولم يهاجرا.
الزائد بلا عوض، وهو عين الربا تأمل (قوله: ولا بين حربي ومسلم مستأمن) احترز بالحربي عن المسلم الأصلي والذمي، وكذا عن المسلم الحربي إذا هاجر إلينا، ثم عاد إليهم، فأنه ليس للمسلم أن يرابي معه اتفاقا؛ كما يذكره الشارح، ووقع في البحر هنا غلط حيث قال: وفي المجتبى مستأمن منا باشر مع رجل، مسلما كان أو ذميا في دارهم، أو من أسلم هناك شيئا من العقود التي لا تجوز فيما بيننا؛ كالربويات وبيع الميتة جاز عندهما، خلافا لأبي يوسف فإن مدلوله جواز الربا بين مسلم أصلي مع مثله أو مع ذمي هنا، وهو غير صحيح؛ لما علمته من مسألة المسلم الحربي، والذي رأيته في المجتبى هكذا مستأمن من أهل دارنا، مسلما كان أو ذميا في دارهم، أو من أسلم هناك باشر معهم من العقود التي لا تجوز إلخ. وهي
عبارة صحيحة فما في البحر تحريف فتنبه قوله: (ومسلم مستأمن) مثله الأسير لكن له أخذ مالهم ولو بلا رضاهم؛ كما مر في الجهاد، قوله:(ولو بعقد فاسد) أي ولو كان الربا بسبب عقد فاسد من غير الأموال الربوية كبيع بشرط؛ كما حققناه فيما مر، وأعم منه عبارة المجتبى المذكورة، وكذا قول الزيلعي، وكذا إذا تبايعا فيها بيعا فاسدا، قوله:(ثمة) أي في دار الحرب قيد به؛ لأنه لو دخل دارنا بأمان فباع منه مسلم درهما بدرهمين، لا يجوز اتفاقا عن مسكين. قوله:(لأن ماله ثمة مباح) قال في فتح القدير: لا يخفى أن هذا التحليل إنما يقتضي حل مباشرة العقد إذا كانت الزيادة ينالها المسلم، والربا أهم من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان أي في بيع درهم بدرهمين من جهة المسلم ومن جهة الكافر. وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين، وكذا القمار قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر للكافر بأن يكون الغلب له، فالظاهر أن الإباحة بقيد نيل المسلم الزيادة، وقد ألزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة نظرا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. اهـ.
قلت: ويدل على ذلك ما في السير الكبير وشرحه قال: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان؛ لأنه إنما أخذ المباح على وجه عري عن الغدر فيكون ذلك طيبا له، والأسير والمستأمن سواء، حتى لو باعهم درهما
بدرهمين أو باعهم ميتة بدارهم، أو أخذ مالا منهم بطريق القمار فذلك كله طيب له. اهـ ملخصا.
فانظر كيف جعل موضوع المسألة الأخذ من أموالهم برضاهم، فعلم أن المراد من الربا والقمار في كلامهم ما كان على هذا الوجه، أي ولو بعقد فاسد. قوله:(بلا عذر)؛ لأنه لما دخل دارهم بأمان، فقد التزم أن لا يغدرهم، وهذا القيد لزيادة الإيضاح؛ لأن ما أخذه برضاهم لا غدر فيه. قوله:(خلافا للثاني) أي أبي يوسف، وخلافه في المستأمن دون الأسير. قوله:(والثلاثة) أي الأئمة الثلاثة. قوله: (لأن ماله غير معصوم) العصمة الحفظ والمنع، وقال في الشرنبلالية: لعله أراد بالعصمة التقوم أي لا تقوم له، فلا يضمن بالإتلاف؛ لما قال في البدائع معللا لأبي حنيفة؛ لأن العصمة وإن كانت ثابتة، فالتقوم ليس بثابت عنده حتى لا يضمن بالإتلاف، وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان. اهـ.
قوله: (فلا ربا اتفاقا) أي لا يجوز الربا معه فهو نفي بمعنى النهي؛ كما في قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} (1) فافهم. قوله: (ومنه يعلم. . .) إلخ. أي يعلم مما ذكره المصنف مع تعليله أن من أسلما ثمة ولم يهاجرا لا يتحقق الربا بينهما أيضا؛ كما في النهر عن الكرماني، وهذا يعلم بالأولى. قوله:(إلا في هذه الست مسائل) أولها السيد مع عبده وآخرها من أسلما
(1) سورة البقرة الآية 197
ولم يهاجرا، وحقه أن يقول المسائل بالتعريف، والله سبحانه أعلم (1).
د - جاء في المدونة الكبرى ما نصه في الربا بين المسلم والحربي وبيع المجوسي من النصراني:
قلت: هل سمعت مالكا يقول: بين المسلم إذا دخل بلاد الحرب وبين الحربي ربا؟ (قال): لم أسمع من مالك شيئا، ولا أرى للمسلم أن يعمد لذلك (2).
وفي مقدمات ابن رشد: (فصل) فإن فات البيع، فليس له إلا رأس ماله قبض الربا أو لم يقبضه، فإن كان قبضه رده إلى صاحبه، وكذلك من أربى، ثم تاب، فليس له إلا رأس ماله، قبض الربا أو لم يقبضه، فإن كان قبضه رده إلى صاحبه، وكذلك من أربى ثم تاب فليس له إلا رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عنه؛ لقول الله عز وجل:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (3) الآية، وأما من أسلم، وله ربا فإن كان قبضه فهو له؛ لقول الله عز وجل:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} (4)، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«من أسلم على شيء فهو له» ، وأما إن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه، وهو موضوع عن الذي هو عليه ولا خلاف في هذا أعلمه؛ لقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (5). نزلت هذه
(1) حاشية ابن عابدين 5/ 186.
(2)
المدونة الكبرى للإمام مالك وبهامشه مقدمات ابن رشيد - الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية 3/ 79.
(3)
سورة البقرة الآية 279
(4)
سورة البقرة الآية 275
(5)
سورة البقرة الآية 278
الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم، وكانوا قد اقتضوه وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه، وقيل: نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله الآية بتحريم اقتضاء ما كان بقي لهما من الربا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في يوم عرفة في حجة الوداع:«ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب (1)» .
(فصل) وفي هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب على ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف؛ لأن مكة كانت دار حرب، وكان بها العباس بن عبد المطلب مسلما، إما من قبل بدر على ما ذكره أبو إسحاق من أنه اعتذر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لما أسر يوم بدر وأمره أن يفتدي، فقال له: إني كنت مسلما ولم أخرج لقتالكم إلا كرها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«أما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافد نفسك (2)» أو من قبل فتح خيبر إن لم يصح ما ذكره أبو إسحاق على ما دل عليه حديث الحجاج بن علاط من إقراره للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة وتصديقه ما وعده به. وقد كان الربا يوم فتح خيبر محرما على ما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة، وهو بخيبر من غنائمها فيها ذهب وخرز فأمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وبيع وحده، وقال: الذهب بالذهب وزنا بوزن (3)» . فلما لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان
(1) سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (3087)، سنن ابن ماجه المناسك (3055).
(2)
مسند أحمد بن حنبل (1/ 353).
(3)
صحيح مسلم المساقاة (1591)، سنن النسائي البيوع (4573)، سنن أبو داود البيوع (3351)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 19).
من رباه بعد إسلامه؛ إما من قبل بدر وإما من قبل فتح خيبر إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة، وإنما وضع منه ما كان قائما بما لم يقبض دل ذلك على إجازته إذا حكم له بحكم ما كان من الربا قبل تحريمه، وبحكم الربا بين أهل الذمة والحربيين إذا أسلموا، وبحديث الحجاج بن علاط الذي دل على أن العباس كان مسلما حين فتح خيبر، هو ما روى أنس بن مالك أنه قال للنبي عليه الصلاة السلام حين فتح خيبر: إن لي بمكة أهلا، وقد أردت أن آتيهم فإن أذنت لي أن أقول فعلت، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتى مكة وأشاع بها أن أصحاب محمد قد استبيحوا وأني جئت لأخذ مالي فأبتاع من غنائمهم، ففرح بذلك المشركون، واختفى من كان بها من المسلمين، فأرسل العباس بن عبد المطلب غلامه إلى الحجاج يقول له: ويحك ما جئت به فما وعد الله به رسوله خير مما جئت به، فقال له: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له: ليخل لي بيتا فإن الخبر على ما يسر، فلما أتاه الغلام بذلك قام إليه فقبل ما بين عينيه، ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلى به في بعض بيوته، وأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتحت عليه خيبر وجرت فيها سهام المسلمين، واصطفى رسول الله منها صفية لنفسه، وأن رسول الله أباح له أن يقول ما شاء فيستخرج ماله، وسأله أن يكتم ذلك عليه ثلاثا حتى يخرج ففعل، فلما أخبر بذلك بعد خروجه فرح المسلمون، ورجع ما كان بهم من المقت على المشركين، والحمد لله رب العالمين. نقلت الحديث بالمعنى واختصرت منه الحديث لطوله، وبالله التوفيق.
واحتج الطحاوي لإجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «أيما دار قسمت في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية (1)» الحديث. وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم، وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه، فقال أشهب والمخزومي:(هو له حلال بمنزلة ما لو كان قبضه)، وقال ابن دينار وابن أبي حازم:(يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا)، وأكثر قول أصحابنا على قول أشهب والمخزومي.
هـ - قال النووي: (فرع الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام). وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين، فأما بين الحربيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما فلا ربا، وقال:(إن الذميين إذا تعاقدا عقد الربا في دار الإسلام فسخ عليهما). فالاعتبار عنده بالدار، وعندهما الاعتبار بالعاقد، فإذا أربى الذي في بلاد الإسلام من الذمي لم يفسخ، كذا قال القفال في شرح التلخيص قال:(وهكذا سائر البياعات الفاسدة). والله أعلم.
واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بحديث مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب» ، وبأن أموال أهل الحرب مباحة للمسلم بغير عقد، فالعقد أولى، ودليلنا عموم الأدلة المحرمة للربا؛ لأن كل ما كان حراما في دار الإسلام كان حراما في دار الشرك، كسائر الفواحش
(1) موطأ مالك الأقضية (1465).
والمعاصي، ولأنه عقد فاسد يستباح به المعقود عليه كالنكاح.
قلت: وهذا الاستدلال إن كان أبو حنيفة يوافق على فساده في دار الحرب فلا دليل عنده، وأما حديث مكحول فمرسل إن صح الإسناد إلى مكحول، ثم هو محتمل لأن يكون نهيا فيكون المقصود به تحريم الربا بين المسلم والحربي؛ كما بين المسلمين، واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات، وأما استباحة أموالهم إذا دخل إليهم بأمان فممنوعة، فكذا بعقد فاسد، ولو فرض ارتفاع الأمان لم يصح الاستدلال؛ لأن الحربي إذا دخل دار الإسلام يستباح ماله بغير عقد، ولا يستباح بعقد فاسد، ثم ليس كل ما استبيح بغير عقد استبيح بعقد فاسد، كالفروج تستباح بالسبي ولا تستباح بالعقد الفاسد.
ومما استدلوا به على أنه لا ربا في دار الحرب أن العباس بن عبد المطلب كان مسلما قبل فتح مكة، فإن الحجاج بن علاط لما قدم مكة عند فتح خيبر واجتمع به في القصة الطويلة المشهورة دل كلام العباس على أنه مسلم حينئذ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح:«وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب (1)» ، فدخل في ذلك الربا الذي من بعد إسلامه إلى فتح مكة، فلو كان الربا الذي بين المسلم والحربي موضوعا لكان ربا العباس موضوعا يوم أسلم.
والجواب: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه، وليس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/ 73)، سنن الدارمي البيوع (2534).
سلم استمراره عليه لم يكن فيه حجة؛ لأنه قد لا يكون عالما بتحريمه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ (1).
وسئل هل يجوز للمسلم أخذ الربا من الحربي ويقرر عليه في المعاملات وبالتطفيف وغيره، وما المراد من الحربي وما علامته؟ (فأجاب) بأن الذي صرح به أئمتنا أن العقد مع الحربي بالاختيار كهو مع المسلم، فلا بد من حل ما أخذه المسلم منه بعقد أن توجد جميع شروط البيع فيه، وإلا لم يحل له أكله ولا التصرف فيه فعلم أنه لا يجوز أخذ الربا منه ولا التطفيف في كيل أو وزن، ومن فعل ذلك عزر عليه التعزير الشديد، والمراد بالحربي: الكافر الذي ليس له أمان بنحو عقد جزية أو تأمين مسلم بشروطها المعروفة في كتب الفقه (2).
و (فصل) ويحرم الربا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام.
وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة:(لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب). وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب: (لا ربا بينهما)؛ لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب» ، ولأن أموالهم مباحة، وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا.
(1) المجموع شرح المهذب 10/ 438.
(2)
الفتاوى الكبرى الفقهية 2/ 238.
ولنا قول الله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} (1) وقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (2)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} (3)، وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل. وقوله «من زاد أو ازداد فقد أربى (4)» عام. وكذلك سائر الأحاديث. ولأن ما كان محرما في دار الإسلام كان محرما في دار الحرب، كالربا بين المسلمين، وخبرهم مرسل لا نعرف صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك، ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن، وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول، لم يرد في صحيح، ولا مسند، ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل. ويحتمل أن المراد بقوله: لا ربا النهي عن الربا، كقوله:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (5)، وما ذكروه من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام، فإن ماله مباح إلا فيما حظره الأمان، ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل، وهو محرم بالإجماع فكذا هاهنا (6).
ز - أموال أهل الحرب:
من صاحب الإمضاء مدير جريدة الوفاق ببيتبزرغ - جاوا: محمد بن
(1) سورة البقرة الآية 275
(2)
سورة البقرة الآية 275
(3)
سورة البقرة الآية 278
(4)
صحيح مسلم المساقاة (1587)، سنن الترمذي البيوع (1240)، سنن النسائي كتاب البيوع (4563)، سنن أبو داود البيوع (3349)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 314)، سنن الدارمي كتاب البيوع (2579).
(5)
سورة البقرة الآية 197
(6)
المغني 4/ 39.
محمد سعيد الفتة. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده.
ما قول السيد البار بالمسلمين، والرشيد الحريص على أحكام رب العالمين، في فتوى بعض العلماء: بحل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم، فهو حل لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح؟!
أليست هذه الفتوى وأمثالها الضربة القاضية على جميع ما حرمه الله، والتعدي على الحدود التي لم يستثن منها اضطرارا ولا عذرا لفاعل؟ الشرك والكفر بغير إكراه، والقتل عمدا، وفي القصاص (كذا) والسرقة والربا ونحو ذلك، لا كالخمر والميتة والدم ونحوها للمضطر، وتأجيل بعض العبادات لعذر؛ كما بينه الشارع مع بقاء الحرمة والحكم والقضاء والكفارة إلا في الخطأ والنسيان، عدا ما استثناه منهما؛ كما هو الحق المنصوص به في كتاب الله المؤيد بالتواتر والحق المهيمن بالإجماع والتواطؤ!! أفتونا بما أمر الله به أن يوصل؟
ج - أصل الشريعة الإسلامية أن أموال أهل الحرب مباحة لمن غلب عليها وإحرازه بأي صفة كان الإحراز، إلا أن الفقهاء خصصوا هذا العموم بما ورد في الشريعة من التشديد في تحريم الخيانة، فقالوا: إن المسلم لا يكون خائنا في حال من الأحوال، فإذا ائتمنه أي إنسان وإن كان حربيا على مال وجب عليه حفظ الأمانة وحرمت عليه الخيانة، فإذا كان الأصل في مال الحربي أنه غنيمة لمن غنمه بالقهر أو بالحيلة أو بكل وسيلة ما عدا الخيانة أفلا
يكون حله أولى إذا أخذه المسلم برضاه، ولو بصورة العقود الباطلة في دار الإسلام بين المسلمين والخاضعين لحكمهم من غيرهم؟
إنه لم يظهر لي أدنى وجه لقياس حل سائر المحرمات كالكفر والخمر والميتة، وهي من المحرمات لذاتها في دار الإسلام ودار الحرب على مال الحربيين المباح في أصل الشريعة؛ إذ الأصل في القياس أن يلحق الشيء بمثله في علة الحكم لا بضده.
هذا وإن الربا الذي حرمه الله تعالى في دار الإسلام، وكذا في دار الحرب بين المسلمين إن وجدوا فيها، هو نوع من أنواع أكل المال المحترم بالباطل، وأخذ المال من صاحبه برضاه واختياره ليس من أكله بالباطل، والمضطر إلى أخذ المال بالربا لا يعطي الزيادة برضاه واختياره، والشرع لم يجعل له حقا بأخذها فكانت حراما؛ لأنها من قبيل الغصب على كونها بدون مقابل، ولذلك عللت في نص القرآن بأنها ظلم؛ إذ قال تعالى:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (1)، وظلم الحربي غير محرم؛ لأنه جزاء على ظلمه، فإنه لا يكون إلا أشد ظلما من المسلم؛ لأنه يخون والمسلم لا يخون، ولأن المسلم يمنعه دينه من أعمال في الحرب، ومع أهل الحرب لا يمنع الكافر دينه منها؛ كقتل غير المقاتلين والتمثيل بالقتلى وغير ذلك مما هو معروف في الإسلام، ونرى غير المسلمين يرتكبونه، حتى في البلاد التي جعلوها تحت حكمهم لا المحاربة لهم فقط،
(1) سورة البقرة الآية 279
والمسلمون يساوون غيرهم ممن يدخل تحت حكمهم بأنفسهم.
على أن المسلم في دار الإسلام يجوز له أن يقضي دائنه دينه بأفضل مما أخذ منه إذا كان بمحض اختياره، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم من كان اقترض منه بعيرا بسن فوق سن بعيره؛ كما في الصحيحين. ولو كان ذلك مشروطا لكان ربا. قال أبو هريرة كما في البخاري:«إن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، فقال: اشتروه فأعطوه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء (1)» . وما رواه الحارث عن علي: «كل قرض جر منفعة فهو ربا» فسنده ضعيف، بل قالوا: إنه ساقط، فإن راويه سوار بن مصعب متروك يروي المنكر، بل اتهم برواية الموضوعات.
لولا كتاب خاص شرح لنا فيه صديقنا السائل سبب سؤاله لما فهمنا قوله فيه: إن تلك الفتوى ضربة قاضية على جميع ما حرمه الله تعالى. فقد كتب إلينا: إن بعض المستمسكين بحبل الدين في جاوه قد استنكروا الفتوى المسئول عنها؛ لأنهم فهموا منها أن استحلال الربا في دار الحرب يفضي إلى استحلال سائر المعاصي؛ كالزنا واللواط والقتل وغير ذلك فيها أو مطلقا. وهذا سوء فهم منهم، فإن الفتوى ليست في استحلال الربا مطلقا؛ كما تقدم. ولا يخفى على أحد منهم أن حرمة سفك الدم بغير حق أشد من حرمة أخذ المال بغير حق، فهل يقيسون إذا إباحة قتل المحارب على
(1) صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2390)، صحيح مسلم المساقاة (1601)، سنن الترمذي البيوع (1316)، سنن النسائي البيوع (4618)، سنن ابن ماجه الأحكام (2423)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 456).
إباحة قتل المسالم من مسلم وذمي ومعاهد؟ ولدار الحرب أحكام أخرى تخالف أحكام دار الإسلام منها عدم إقامة الحدود فيها.
ونقول لهم من جهة أخرى: إذا أقام المسلم في غير دار الإسلام فهل يدعون أن الله تعالى يأمره بأن يدفع لأهلها كل ما يوجبه عليه قانون حكومتها من مال الربا وغيره - ولا مندوحة له عن ذلك - ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم؟ أعني هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغرم من حيث يكون لغيره الغنم، أي يوجب عليه أن يكون مظلوما مغبونا؟
إن تحريم الربا من الأحكام المعقولة المعنى لا من التعبديات، وما حرم الله تعالى شيئا إلا لضرره على عباده الخاضعين لشرعه، وقد علل تحريم الربا في نص القرآن بأنه ظلم من حيث إنه استغلال لضرورة الفقير الذي لا يجد قوته أو ضرورته إلا بالاقتراض. والقرآن إنما حرم الربا الذي كان معهودا بين الناس في الجاهلية، وهو الربا المضاعف؛ كما تراه في تفسير ابن جرير وغيره من كتب التفسير المأثور: ومنه قول ابن زيد - زيد أحد علماء الصحابة الأعلام وابنه من رواة التفسير المأثور: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف، وفي السن: يكون للرجل على الرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول: تقضيني أو تزيدني. . .؟ فإذا كان عنده شيء يقضيه، قضى؛ وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض (أي في
السنة الثانية) يجعلها ابنة لبون (أي في السنة الثالثة)، ثم حقة (أي ابنة السنة الرابعة)، ثم جذعة (في الخامسة)، ثم رباعيا (وهو ما ألقى رباعيته ويكون في السنة السادسة)، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين (أي الذهب والفضة يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. اهـ. من تفسير آية آل عمران).
وضرر هذا عظيم، وهو قسوة تحرمها الآن جميع القوانين، ثم أوجب القرآن على التائب منه أخذ رأس المال فقط. وذكر ابن حجر المكي في الزواجر: أن ربا الجاهلية كان الإنساء فيه بالشهور، والذي يسمى في عرف المحدثين بربا النسيئة، وفيه ورد حديث:«لا ربا إلا في النسيئة (1)» رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن زيد مرفوعا، ورواه مسلم عن ابن عباس عنه بلفظ:«إنما الربا في النسيئة (2)» ، وما صح من النهي عن ربا الفضل في الحديث فلسد الذريعة؛ كما نص عليه المحققون.
وإننا قد فصلنا القول في مسألة الربا في التفسير وغيره من قبل، فلا نعود إليها هنا، وإنما غرضنا بيان أن تلك الفتوى ليس فيها خطر على التوحيد ولا تقتضي تحليل شيء من المحرمات، ومن لا يطمئن قلبه للعمل بها فلا يعملن بها (3).
(1) صحيح مسلم المساقاة (1596)، سنن النسائي البيوع (4580)، سنن ابن ماجه التجارات (2257)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 209)، سنن الدارمي البيوع (2580).
(2)
صحيح مسلم المساقاة (1596)، سنن النسائي كتاب البيوع (4581)، سنن ابن ماجه التجارات (2257)، سنن الدارمي البيوع (2580).
(3)
فتاوى محمد رشيد رضا 5/ 1974 - 1978.