الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صفة الطواف
إذا دخل المسجد الحرام، فليقصد الحجر الأسود، ويستقبله، ثم يقبله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله، فإذا لم يستطع أن يقبله، لمسه بيده وقبلها، أو لمسه بمسواك أو عصا -إن لم يؤذ به أحدا- وقبل ما لمس به الحجر؛ لأن «النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع، يستلم الركن بمحجن معه ويقبله، (1)» ولما روي عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه بيده وقبلها (2)» ، والتقبيل واللمس للحجر الأسود سنة إذا لم يكن فيه زحام مؤذ للطائف أو لغيره؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب عن المزاحمة، ولأن المزاحمة الشديدة فيها إيذاء للمسلم، وإيذاء المسلم محرم فيجب تركه، فيقدم على المستحب، ولكن مجرد الزحام لا يعتبر عذرا في ترك السنة، فإن الطائفين إما مزاحم ولو أحدث ضررا، وإما متساهل لا يفكر في تقبيل الحجر الأسود لأجل الزحمة اليسيرة.
فالطائف إن وجد زحمة يسيرة لا ضرر فيها، فيقبل أو يلمس الحجر، فإنه سنة وفضيلة، وإن وجد زحمة يحدث فيها ضرر، أو يحتمل حدوثه فلا يقبل ولا يلمس.
أما النساء فلا يستحب لهن تقبيل الحجر ولا استلامه، إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره؛ لما فيه من ضررهن، وضرر الرجال بهن، لما روى عطاء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت:
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 20.
(2)
صحيح البخاري بشرح فتح الباري 3/ 473.
انطلقي عنك، وأبت (1)، ولما روى نافع قال:«رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيه ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله يفعله (2)» ، فإن لم يستطع تقبيل الحجر ولا استلامه، فإنه يستقبله، بحيث يكون جميع الحجر أمامه، وإن جعل الحجر عن يمينه احتياطا بحيث يضمن أن الحجر داخل في طوافه فهو أولى، بحيث يجعل رجله اليمنى على الخط الموجود علامة على بداية الطواف، ودليل الاستقبال حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:«إنك رجل قوي. . ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر وهلل (3)» .
فإن لم يمكنه الاستقبال لوجود زحام فإنه يمر أمام الحجر الأسود ويشير إليه بيده اليمنى؛ لحديث: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر (4)» .
ثم يقول مع الاستقبال أو الإشارة للحجر الأسود، أو تقبيله: باسم الله، والله أكبر، إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه عبد الله بن السائب عن النبي صلى الله عليه وسلم (5)، وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقول إذا استلم الحجر: (اللهم إيمانا بك،
(1) صحيح البخاري بشرح فتح الباري 3/ 480، ذكر في فتح الباري معنى حجرة: أي ناحية، وفي رواية: حجزة.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 15، إرواء الغليل 4/ 312.
(3)
نصب الراية 3/ 39، قال: رواه أحمد والشافعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي.
(4)
صحيح البخاري مع فتح الباري 3/ 476.
(5)
التلخيص الحبير بهامش المجموع 7/ 321.
وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم (1).
ومهما أتى به من الدعاء والذكر فحسن، لما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (2)» ، ويقول هذا الدعاء وهو يسير، ولا يقف حتى يكمل دعاءه؛ لأنه بوقوفه يزيد في الزحام، وزيادة الزحام تؤذي المسلمين، والإيذاء منهي عنه شرعا؛ لأن فيه ضررا، وبعد ذلك ينحرف على يمينه، ويجعل الكعبة عن يساره، فإذا كان قادما من خارج مكة فيضطبع -يجعل وسط إحرامه تحت كتفه اليمنى، ويضع طرفيه على كتفه اليسرى، وتبقى الكتف اليمنى مكشوفة- في حال الطواف لا قبله، ولا بعده، ثم يرمل في الأشواط الثلاثة الأول من الحجر الأسود حتى يعود إليه.
والاضطباع والرمل يسنان في طواف القدوم والعمرة لغير أهل مكة والمحرمين منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعا (3)، ورمل من الحجر الأسود الأشواط الثلاثة حتى عاد إليه (4)، فإذا بدأ الطائف من الحجر الأسود فإنه يستمر في طوافه من وراء الحجر حتى يصل إلى الركن اليماني فيستلمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه، كما ثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما (5)، فإن لم يستطع استلامه لشدة الزحام مر ولم يشر إليه، ولا يقبله؛
(1) السنن الكبرى 5/ 79، عون المعبود 5/ 344.
(2)
مختصر سنن أبي داود 2/ 380.
(3)
مختصر سنن أبي داود 2/ 378.
(4)
مختصر سنن أبي داود 2/ 380، صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 19، (رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثا).
(5)
صحيح البخاري مع فتح الباري 3/ 471، ص374، صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 15.
لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحجر الأسود، ثم يستمر في طوافه قائلا:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1)، حتى يصل إلى مكانه الذي بدأ منه أمام الحجر الأسود، وبهذا أكمل شوطا.
ثم يستمر مثل ما فعل مما تقدم - غير الرمل في الثلاثة الأول - حتى يكمل سبعة أشواط، وبهذا قد أكمل طوافه الواجب أو المسنون، ويجب أن يعلم أن كمال الشوط من المكان الذي بدأ منه حتى ينتهي إليه لا ينقص منه شيئا، وأن استلام الركن اليماني، وتقبيل الحجر الأسود، أو استلامه والإشارة إليه في كل شوط مستحب؛ لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر في كل طوفة (2)» . قال نافع: (وكان ابن عمر يفعله)(3).
ثم بعد ما ينتهي من الأشواط السبعة يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام، كما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم (4)، وهما سنة مؤكدة، ويقرأ في الركعة الأولى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (5) وفي الثانية سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (6) استحبابا (7) فإن لم يستطع أن يصلي الركعتين خلف المقام ففي أي مكان من الحرم أو غيره. والله أعلم.
(1) سورة البقرة الآية 201
(2)
مختصر سنن أبي داود 2/ 374، 375، قال:(في كل طوفة).
(3)
تحفة الأحوذي 3/ 592.
(4)
تحفة الأحوذي ص 608.
(5)
سورة الكافرون الآية 1
(6)
سورة الإخلاص الآية 1
(7)
تحفة الأحوذي ص 608.