الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستغلال، وأما النقصان فإن بعض الفقهاء يرى عدم جواز إنقاص أسعار السوق السائدة فيها من قبل فرد أو طائفة، إذا تبين أن مقصدهم مضاربة إخوانهم التجار والإضرار بهم، وهو في نظرهم نوع من المنافسة غير المشروعة أو الشريفة، سواء أكان في الظروف العادية، أو في الظروف الاستثنائية (1).
(1) ترتيب المدارك للقاضي عياض ج1 ص102.
حكم التسعير:
اتفق الشافعية والحنابلة والمالكية والزيدية والإمامية والحنفية على أن حكم التسعير عند عدم الحاجة هو: الحرمة.
واستدلوا بالمنقول من الكتاب والسنة وبالمعقول.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (1).
ومن السنة: ما يأتي:
قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (2)» .
(1) سورة النساء الآية 29
(2)
سنن الدارقطني ج3 ص26، وللحديث ألفاظ أخرى، انظر بدائع الصنائع ج5 ص129.
وعموم الآية والحديث يتناول تحريم التسعير؛ لأنه حرام وباطل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله، سعر. فقال: بل أدعو. ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة (1)» .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو قومت يا رسول الله، قال: إني لأرجو أن أفارقكم ولا يطلبني أحد منكم بمظلمة ظلمته (2)» . وعن أنس رضي الله عنه قال: «غلا السعر في المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله، غلا السعر، لو سعرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (3)» .
فهذه الأحاديث تفيد صراحة أن ارتفاع الأسعار وانخفاضها بيد الله تعالى، تبعا لحالات الجدب والقحط، أو الخصب في الأراضي الزراعية، مما يؤثر على حجم إنتاجها، أو نتيجة الجلب والاستيراد وعدمه، أو كثرة
(1) رواه أبو داود ج2 ص244، والبيهقي في السنن الكبرى ج6ص29 بلفظ مقارب.
(2)
رواه ابن ماجه ج2 ص741، والبزار والطبراني في الأوسط.
(3)
هذا اللفظ لأبي داود ج2 ص244، وروي بألفاظ مختلفة في الترمذي ج3 ص606، وابن ماجه ج2 ص741، وأحمد في مسنده الفتح الرباني ج15 ص64.
العرض وقلة الطلب أو عكسه، وليس شيء من ذلك بسبب من أحد، استغلالا أو احتكارا، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتوجهوا بالدعاء إلى الله عز وجل؛ ليكشف ما بهم من ضيق، ولم يسعر، على الرغم من سؤالهم إياه ووجود ما يبرره، وعلل ذلك بكونه مظلمة والظلم حرام.
وبنحو هذه الأحاديث روى البيهقي أثرا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرها فسعر له مدين بدرهم، فقال:(لقد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا، وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت)، فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره فقال له:(إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت بع وكيف شئت بع)(1).
فهذا الأثر يدل على وجوب ترك التجار يبيعون بحسب ما يرونه مناسبا، ودون تدخل من ولاة الأمور للحد من حرية هؤلاء التجار في نشاطهم الاقتصادي، بدليل تراجع عمر عن رأيه حين أمر حاطبا أن يرفع سعر الزبيب الذي يبيعه حتى يوازي السعر العام السائد في السوق؛ لأن تدخله إنما كان بدافع حرصه على المصلحة العامة، ولم يكن فرضا منه ولا إلزاما.
(1) السنن الكبرى للبيهقي ج6 ص29.
واستدل الفقهاء كذلك بالمعقول من وجوه:
أ - لأن المال للبائع، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما لو اتفق الجماعة عليه (1).
ب - ولأن الثمن حق العاقد - البائع - وإليه تقديره (2).
ج - ولأن التسعير تقدير الثمن، وأنه نوع من الحجر (3).
د - والتسعير سبب التضييق على الناس في أموالهم وسبب الغلاء؛ لأن الجالب لن يقدم أبدا لبيع سلعته التي يكره على بيعها فيه بغير ما يريد، ومن عنده البضاعة يكتمها ويمتنع من بيعها، ويطلبها المحتاج فلا يجدها إلا قليلا، فيرفع في ثمنها ليحصلها فتغلوا الأسعار، ويحصل الإضرار بالجانبين، جانب المشتري (المستهلك) في منعه من الوصول إلى سلعته، وجانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم (4).
إن التجار في السوق، وكذلك المنتجون والمستوردون (الجالبون)، يكتمون السلع ويخفونها عادة، فرارا من أسباب التضييق عليهم بالتسعير الإلزامي، فيطلبها المحتاجون فلا يجدونها، فيضطرون إلى رفع أثمانها ليحصلوا عليها ويسدوا بها حاجتهم، وهذه هي:(السوق السوداء) التي تنتشر عادة في أعقاب التسعير الرسمي، ومن المعلوم أن أسلوب (السوق
(1) المغني لابن قدامة ج4 ص 481.
(2)
الهداية للمرغيناني ج8 ص127.
(3)
نيل الأوطار للشوكاني ج5 ص233.
(4)
الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامه ج4 ص44، 45.
السوداء) المقيت هو من أكبر العوامل التي تهدم اقتصاد الدولة، وبذلك يصبح التسعير الإلزامي صوريا لا ينفذ ولا يتم التعامل على أساسه، وإنما يكون ضرره عاما وبالغا؛ لأن الناس يتعاملون لسد حاجاتهم من السلع والمنافع الضرورية على أساس السعر الواقعي الخفي، لا الرسمي المعلن، إذ أن المشتري يقبل هذا السعر مهما كان مغالا فيه، بل هو يرفعه ويزيد فيه مضطرا، ونتيجة لهذا الوضع الاقتصادي الذي أنشأه التسعير الإلزامي نفسه، يضار كل من البائع والمشتري كلاهما على حد السواء.
أما التجار والمنتجون ومن إليهم، فإنهم لا يملكون الحرية أو الجرأة لعرض سلعهم وبيعها أو تصريفها على ما يختارون؛ خشية إدانتهم بالغرامة المالية الباهظة على أدنى مخالفة، فتتعثر بذلك حركة التجارة ويفتر النشاط الاقتصادي، وينقطع المنتجون عن الاستمرار في إنتاجهم وصناعتهم، توقيا من تحمل خسائر فادحة.
وكذلك فإن المستوردين (الجالبين) يحجمون عن الاستيراد إذا حدد لهم سعر معين يكرهون على التبايع به، إذ يرون فيه غبنا لحقهم، فتزداد الأزمة بذلك تفاقما ويضار الجالبون، كما يضار العامة على السواء، ولا سيما إذا كانت السلع أو البضائع المستوردة مما لا تنهض البلاد بإنتاجها أو صناعتها محليا.
وعلى هذا فإن التسعير - إذا لم يكن له موجب - سبب مباشر لضرر عام وجسيم، يحل بكل من البائعين والمنتجين والمستوردين من جهة،