الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول ابن القيم: النفس فيها قوتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره (1).
(1) عدة الصابرين، ص 18.
ثانيا: حكم الصبر:
الصبر نصف الإيمان، فالإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، وهو واجب في الجملة بإجماع الأمة وذلك لما يلي:
1 -
أن الله عز وجل أمر به في آيات عديدة في كتابه الكريم، والأمر في أصله يقتضي الوجوب، وذلك في مثل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} (1)، وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (2)، وقوله تعالى:{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} (3).
(1) سورة آل عمران الآية 200
(2)
سورة البقرة الآية 153
(3)
سورة النحل الآية 127
2 -
أنه سبحانه نهى عن ضده، وذلك في مثل قوله تعالى:{فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (1)، فإن تولية الأدبار ترك للصبر والمصابرة، وقوله:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (2)، فإن إبطالها ترك للصبر على إتمامها، وقوله:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} (3) فإن الوهن من عدم الصبر (4).
3 -
أنه سبحانه رتب عليه خيري الدنيا والآخرة، فلا يفوز الإنسان بمحبوب، ولا ينجو من مكروه إلا بالصبر، وما كان كذلك كان تحصيله واجبا (5).
أما حكمه التفصيلي فيختلف باختلاف نوع المصبور عنه أو المصبور عليه، فلكل نوع حكم يخصه من الأحكام التكليفية الخمسة.
فالصبر الواجب: هو الصبر على أداء الواجبات، والصبر على ترك المحظورات، ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها، وهذا باتفاق المسلمين (6).
(1) سورة الأنفال الآية 15
(2)
سورة محمد الآية 33
(3)
سورة آل عمران الآية 139
(4)
انظر: المرجع السابق.
(5)
د. يوسف القرضاوي، الصبر في القرآن، ص 29، ط الأولى 1397 هـ 1997 م، مكتبة وهبة، القاهرة.
(6)
انظر ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج 10 ص 39، ط الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين، مكة المكرمة.
والصبر المندوب: هو الصبر على فعل المستحبات، وعن فعل المكروهات، أو عما هو خلاف الأفضل والأمثل، ومثال ذلك: أن مقابلة السيئة بمثلها جائزة في الإسلام، وأفضل منها العفو والصفح، ومن هنا يكون الصبر عن مقابلة السيئة بمثلها أمرا مندوبا (1)، يقول عز وجل:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (2)، ويقول أيضا:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (3).
والصبر المحظور: هو صبر الإنسان عن الطعام والشراب حتى الموت، وكذا صبره عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة إذا خاف بتركه الموت، وكذا صبره على ما يقصد هلاكه من سبع أو حية أو حريق أو كافر يريد قتله.
والصبر المكروه: هو الصبر على فعل المكروه، والصبر على فعل المستحب، كصبر الرجل عن الطعام والشراب واللباس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه.
وأما الصبر المباح: فهو الصبر عن كل فعل مستوي الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه (4).
(1) انظر: د. يوسف القرضاوى، الصبر في القرآن، ص 29.
(2)
سورة النحل الآية 126
(3)
سورة الشورى الآية 40
(4)
انظر: ابن القيم، عدة الصابرين، ص 34، 35.