الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
سكون اللسان:
ويكون سكون اللسان بأمور عدة، منها:
أ- كف اللسان عن الشكوى، فهو من لوازم الصبر، ولذا قيل في تعريف الصبر إنه: الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى (1) وقيل أيضا: الصبر ترك الشكوى (2).
والمقصود هنا اجتناب الشكوى إلى المخلوقين، فهي مما يضاد الصبر وينافيه ويبطله، وإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه.
يقول الشاعر:
وإذا عرتك بلية فاصبر لها
…
صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
…
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (3)
إلا أنه لا يقدح في الصبر - كما يقول العلماء - إخبار المخلوق بالحال للاستعانة بإرشاده أو معاونته للتوصل إلى زوال ضرره، كإخبار المريض الطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم من ينتصر له بحاله، وإخبار المبتلى من كان يرجو أن يكون فرج الله على يديه ببلائه.
(1) المرجع السابق، ص 15.
(2)
المرجع السابق، ص 16.
(3)
ابن القيم، مدارج السالكين، ج 2 ص 123.
وأما الشكوى إلى الله فلا تنافي الصبر، ولذا قال يعقوب عليه السلام:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} (1)، مع قوله:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (2)، وقال أيوب عليه السلام شاكيا إلى ربه:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} (3) مع وصف الله له بالصبر (4).
ب- كف اللسان عن ندب الميت، أو النياحة عليه.
والندب: تعداد محاسن الميت وما يلقاه المصاب بفقده بلفظ النداء كقولهم: وا رجلاه، وا جبلاه، وانقطاع ظهراه، وأشباه هذا.
وأما النياحة: فهي رفع الصوت بالندب على الميت وتعداد فضائله، كقول النائحة: وا عضداه، وا ناصراه، ونحو ذلك.
وهذان الأمران محرمان شرعا، لأن فيهما تظلما واستغاثة
(1) سورة يوسف الآية 86
(2)
سورة يوسف الآية 83
(3)
سورة الأنبياء الآية 83
(4)
انظر: عدة الصابرين، ص 17.
وتسخطا من قضاء الله وقدره، وذلك ينافي الصبر ويبطله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت (1)» ، يقول ابن القيم: وأما الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمهما. قال في رواية حنبل: النياحة معصية، وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء.
وأما الكلمة اليسيرة إذا كانت صدقا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نص عليه الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على صدغيه وقال:" وا نبياه وا خليلاه وا صفياه) "، صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب (إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة)، ج 2 ص 57.
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «لما ثقل على النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت: فاطمة: واكرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه (1)» . (2).
ج- كف اللسان عن الصراخ والعويل، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (3)» .
والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند وقوع المصيبة.
د- كف اللسان عن الدعاء على النفس أو على الولد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة
(1) صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب (المغازي)، الباب (83)، الحديث رقم 4462، ج 8 ص 149.
(2)
ابن القيم، عدة الصابرين، ص 113. وانظر: محمد المنبجي، تسلية أهل المصائب، ص 83.
(3)
رواه البخاري في صحيحه في كتاب (الجنائز)، الباب (37)، الحديث رقم 1296، ج 3 ص 165. ورواه مسلم في صحيحه في كتاب (الإيمان)، باب (تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية)، ج 2 ص 110.