الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن تيمية: والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قبل العرش (1).
والجنة نور يتلألأ، وليس فيها شمس ولا قمر، فما هو هذا النور؟ إنه نور الله، بل إن أعظم نعيم في الجنة هو النظر إلى وجه الله العظيم، وهو نور، واسمه النور، وصفته النور، ودينه نور، ونبيه نور، وجنته نور، وبنوره يستضيء أولياؤه يوم القيامة
…
.
فإذا كان أعظم نعيم في الجنة هو رؤية وجهه الذي يزداد به الناظر والرائي حسنا وجمالا ونورا وبهاء، فلا بد أن تكون داره التي أعدها لأوليائه نورا على نور، حتى تكون أعظم في النعيم، وكيف يكون نعيم من دون نور وحبور، وضياء؟، وهذا وغيره بفضل الله ومنه وكرمه تزداد الجنة به ضياء وبهجة ونورا، نسأل الله من فضله العظيم.
(1) مجموع الفتاوى ج 4 ص 312، وانظر الجنة والنار للأشقر ص 174.
الفصل الثامن: جعل نوره لأوليائه في الدنيا والآخرة
قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (1){يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (2){يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (3){فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (4).
(1) سورة الحديد الآية 12
(2)
سورة الحديد الآية 13
(3)
سورة الحديد الآية 14
(4)
سورة الحديد الآية 15
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله:{يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} (1) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة).
وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:
وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.
(1) سورة الحديد الآية 12
(2)
تفسير الطبري ج 27 ص 128.
وقوله: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} (1) وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، وترك ما عنه زجر. (2).
وقاك القرطبي: قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} (3).
أي: نستضيء من نوركم .. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم؛ دليله:{وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (4)، وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه، قاله ابن عباس. (5).
وقال تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (6).
قال ابن كثير: أي: لهم عند ربهم أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدنيا من الأعمال. (7).
(1) سورة الحديد الآية 13
(2)
تفسير ابن كثير ج 8 ص 41، 42.
(3)
سورة الحديد الآية 13
(4)
سورة النساء الآية 142
(5)
تفسير القرطبي ج 17 ص 245.
(6)
سورة الحديد الآية 19
(7)
تفسير ابن كثير ج 8 ص 49.
وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (2).
قال ابن كثير: أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى:{مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} (3)، وهذا مقابلة ما قال في مثل المؤمنين:{يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} (4)، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا، وعن أيماننا نورا، وعن شمائلنا نورا، وأن يعظم لنا نورا. (5).
(1) سورة التحريم الآية 8
(2)
سورة النور الآية 40
(3)
سورة الأعراف الآية 186
(4)
سورة النور الآية 35
(5)
تفسير ابن كثير ج 6 ص 77.
(6)
سورة النور الآية 35
قال ابن كثير: قال أبي بن كعب: هو المؤمن الذي قد جعل الله الإيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (1)، فبدأ بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبي بن كعب يقرؤها: " مثل نور من آمن به "، فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره، ثم قال الطبري: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى الله طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى، قال أبي بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره (2).
وقوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} (3) أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم نوره يومئذ، فمن أصاب يومئذ من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل (4)» .
وقال تعالى:
(1) سورة النور الآية 35
(2)
تفسير الطبري ج 18 ص 103 - 107، البحر المحيط ج 6 ص 455.
(3)
سورة النور الآية 35
(4)
تفسير ابن كثير ج 6 ص 60، أحمد 2/ 176.
قال ابن كثير: قال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله هذه الآية في حق هذه الأمة، و {كِفْلَيْنِ} (2) أي: ضعفين، وزادهم:{وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} (3) يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة. (4).
وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وكعب بن مالك قال:«يحشر الناس يوم القيامة على تل، فأكون أنا وأمتي على تل، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك. قال: فينطلق بهم ويتبعونه. ويعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون (5)» .... " (6) الحديث.
(1) سورة الحديد الآية 28
(2)
سورة الحديد الآية 28
(3)
سورة الحديد الآية 28
(4)
تفسير ابن كثير ج 8 ص 57، وعزاه إلى الطبري في تفسيره ج 27 ص 140، 141.
(5)
صحيح مسلم الإيمان (191)، مسند أحمد (3/ 384).
(6)
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ج 1 ص 178 رقم 316.