الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
عدم تمني الموت:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي (1)» .
(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب (المرضى)، الباب (19)، الحديث رقم 5671، ج 10 ص 127.
الفصل الثالث: فضائل الصبر
الصبر خصلة محمودة، وسجية مرغوبة، وخلق فريد، جميل العواقب، حميد الآثار، جم الفوائد، وكريم العوائد (1)، وهو قوة نفسية وخلقية إيجابية فاعلة، تدفع المتحلي بها إلى مقاومة كل أسباب الخور والضعف والاستكانة، وتحمله على الصمود على طاعة الله، والثبات أمام الفتن والمغريات، والمحن والمكاره، إلى أن يلقى الله وهو عنه راض. وهو أيضا قوة تحمل واختبار عزيمة، وسلاح نجاح المؤمن وفلاحه في الدنيا والآخرة.
وللصبر فضائل كثيرة وعظيمة ورد ذكرها في مواضع متفرقة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذا في العديد من الآثار الواردة عن سلف الأمة وعلمائها رضي الله
(1) د. صالح الخزيم، الصبر، ص 14.
عنهم ورحمهم.
وسأبين هذه الفضائل - إن شاء الله - في ثلاثة مباحث.
أتناول في الأول منها: فضائل الصبر في القرآن الكريم.
وأتناول في الثاني: فضائل الصبر في السنة النبوية.
وأتناول في الثالث: فضائل الصبر في الآثار الواردة عن سلف الأمة وعلمائها.
وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: فضائل الصبر في القرآن الكريم
ذكر الله عز وجل الصبر وأشاد به في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، يقول الإمام أحمد رحمه الله: ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعا.
والمتتبع للمواضع التي ذكر فيها الصبر والصابرون في القرآن الكريم يتضح له بجلاء لا يقبل الشك أن الصبر مقام من أرفع مقامات الدين، وخلق من أعظم أخلاق المؤمنين، ومنزلة من أجل منازل الصالحين، وشعبة من أبرز شعب الإيمان، وعروة من أوثق عرى الإسلام، حتى أن القرآن جعله مفتاح كل خير، وباب كل سعادة في الدنيا والآخرة (1).
(1) د. يوسف القرضاوي، الصبر في القرآن، ص 53.
ولعل من أبرز فضائل الصبر في هذه المواضع الكثيرة في كتاب الله ما يلي:
1 -
أن الله عز وجل قرن الصبر بأركان الإسلام وقيمه، ومقامات الإيمان:
أ- فقرنه سبحانه بالصلاة، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (1).
ب- وقرنه بالجهاد، فقال:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} (2).
ج- وقرنه بعمل الصالحات عموما، فقال:{إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (4).
(1) سورة البقرة الآية 153
(2)
سورة محمد الآية 31
(3)
سورة النحل الآية 110
(4)
سورة هود الآية 11
د- وقرنه باليقين، فقال:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (1).
هـ- وقرنه بالحق، فقال:{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (2).
ووقرنه بالصدق، فقال:{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} (3).
ز- وقرنه بالتقوى، فقال:{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (4).
ح- وقرنه بالتوكل، فقال:{نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (5){الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (6).
ط- وقرنه بالشكر، فقال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (7).
2 -
أنه سبحانه أخبر بمعيته للصابرين في آيات عدة:
منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (8)، يقول ابن سعدي:
(1) سورة السجدة الآية 24
(2)
سورة العصر الآية 3
(3)
سورة الأحزاب الآية 35
(4)
سورة يوسف الآية 90
(5)
سورة العنكبوت الآية 58
(6)
سورة العنكبوت الآية 59
(7)
سورة إبراهيم الآية 5
(8)
سورة البقرة الآية 153
أي: مع من كان الصبر لهم خلقا وصفة وملكة بمعونته وتوفيقه وتسديده، فهانت عليهم بذلك المشاق والمكاره، وسهل عليهم كل عظيم، وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة تقتضي محبته ومعونته ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن لهم فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله لكفى بها فضلا وشرفا (1).
3 -
أنه سبحانه أخبر بظفرهم بمحبته:
4 -
أنه سبحانه أطلق البشرى لهم بأن جمع لهم ثلاثة لم يجمعها لغيرهم:
وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وذلك في قوله تعالى:{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (3){الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (4){أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (5).
(1) تيسير الكريم الرحمن، ص 75.
(2)
سورة آل عمران الآية 146
(3)
سورة البقرة الآية 155
(4)
سورة البقرة الآية 156
(5)
سورة البقرة الآية 157
5 -
أنه سبحانه أوجب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، وتوفيتهم أجورهم بغير حساب:
فقال: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1)
(1) سورة النحل الآية 96
وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1). أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند الله (2).
6 -
أنه سبحانه ضمن النصر والمدد لهم:
فقال: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} (3)، وقال:{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} (4).
7 -
وضمن لهم سلامتهم من شر الأشرار وحفظهم من كيد الأعداء:
8 -
أنه سبحانه امتدحهم وأثنى عليهم:
(1) سورة الزمر الآية 10
(2)
ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 721.
(3)
سورة آل عمران الآية 125
(4)
سورة الأعراف الآية 137
(5)
سورة آل عمران الآية 120
(6)
سورة البقرة الآية 177
يقول أبو طالب المكي: إن الله في هذه الآية حقق بالصبر صدق المؤمنين وتقواهم، وكمل به وصفهم وأعمال برهم (1).
9 -
أنه سبحانه أخبر باستحقاقهم دخول الجنة وتسليم الملائكة عليهم:
فقال: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} (2)، وقال:{أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} (3)، وقال أيضا:{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} (4){سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (5).
10 -
أنه سبحانه أخبر أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر:
فقال: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (6)، وقال:
(1) انظر: قوت القلوب، ج 1 ص 195.
(2)
سورة الإنسان الآية 12
(3)
سورة الفرقان الآية 75
(4)
سورة الرعد الآية 23
(5)
سورة الرعد الآية 24
(6)
سورة القصص الآية 80
{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (1)
11 -
أنه سبحانه أخبر أنه إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور:
فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (2)، وقال:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (3) وقال: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (4).
12 -
أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة، الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم: فقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (5){أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} (6).
13 -
أنه سبحانه جعل الصبر من عزم الأمور:
فقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (7)،
(1) سورة فصلت الآية 35
(2)
سورة إبراهيم الآية 5
(3)
سورة لقمان الآية 31
(4)
سورة سبأ الآية 19
(5)
سورة البلد الآية 17
(6)
سورة البلد الآية 18
(7)
سورة الشورى الآية 43