الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد فسر قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (1) بكونه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله. . . ثم قال: وفي معجم الطبراني، والسنة له، وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:(ليس عند ربكم ليل ولا نهار، ونور السماوات والأرض من نور وجهه).
وهذا الذي قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها (2)
(1) سورة النور الآية 35
(2)
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم 1401 هـ
الفصل الأول: الله سمى نفسه نورا
(1) سورة النور الآية 35
قال ابن كثير: قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض، ومدبر الأمر فيهما، نجومهما، وشمسهما، وقمرهما.
وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه.
وقال السدي: فبنوره أضاءت السماوات والأرض (1).
وقال القرطبي: " واختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل: المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. . . وهو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نورا هاديا لأن ظهور الموجود به حصل بالضوء ظهور المبصرات، تبارك الله وتعالى لا رب غيره. قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما.
وقال ابن عرفة: أي منور السماوات والأرض. كذا قال الضحاك والقرظي.
وقال مجاهد: مدبر الأمور في السماوات والأرض.
وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس وأنس: المعنى الله هادي أهل السماوات
(1) تفسير ابن كثير ج 6 ص 60، 61.
والأرض. والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل (1).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه يوم أذاه أهل الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (2)» .
وأخرج البخاري بسنده من حديث ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد (3)» . . الحديث (4).
قال ابن تيمية: النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضا أنه يحتجب بالنور فهذه ثلاثة أنوار في النص وقد تقدم الأول.
وأما الثاني: فهو في قوله: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (5) وفي قوله: {مَثَلُ نُورِهِ} (6) وفيما رواه مسلم في صحيحة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق
(1) تفسير القرطبي ج 12 ص 256، 257.
(2)
سيرة ابن هشام ج 2 ص 30.
(3)
صحيح البخاري الجمعة (1120)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (769)، سنن الترمذي الدعوات (3418)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1619)، سنن أبي داود الصلاة (771)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1355)، مسند أحمد (1/ 366)، موطأ مالك النداء للصلاة (500)، سنن الدارمي الصلاة (1486).
(4)
مجموع فتاوى ابن تيمية ج 6 ص 386، 387.
(5)
سورة الزمر الآية 69
(6)
سورة النور الآية 35
خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل (1)». ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء الطائف:«أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك» رواه الطبراني وغيره. ومنه قول ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه (2)
ومنه قوله: فيما رواه مسلم في صحيحة عن أبي موسى قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه (3)» فهذا الحديث فيه ذكر حجابه.
فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك، فإن مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور، كما سمى الله نار المصباح نورا، بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا.
فالأقسام ثلاثة: " إشراق بلا إحراق " وهو النور المحض
(1) صحيح مسلم فضائل الصحابة (2408)، سنن الترمذي الإيمان (2642)، مسند أحمد (2/ 197).
(2)
مجموع فتاوى ابن تيمية ج 6 ص 386، 387.
(3)
صحيح مسلم الإيمان (179)، مسند أحمد (4/ 405).
كالقمر. و" إحراق بلا إشراق " وهي النار المظلمة. و" ما هو نار ونور " كالشمس، ونار المصابيح التي في الدنيا توصف بالأمرين، وإذا كان كذلك صح أن يكون نور السماوات والأرض، وأن يضاف إليه النور، وليس المضاف هو عين المضاف إليه.
وقد أخبر الله في كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها، فإذا كانت تشرق من نوره كيف لا يكون هو نورا؟ ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء - كقوله:{نَاقَةُ اللَّهِ} (1) ونحو ذلك - لوجوه:
أحدها: أن النور لم يضف قط إلى الله إذا كان صفة لأعيان قائمة، فلا يقال في المصابيح التي في الدنيا: أنها نور الله، ولا في الشمس والقمر، وإنما يقال كما قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه. وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة» .
الثاني: أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا، وليس من نور إلا وهو خلق من خلق الله، وكذلك من قال: منور السماوات والأرض لا ينافي أنه نور، وكل منور نور،
(1) سورة الأعراف الآية 73
فهما متلازمان.
ثم إن الله تعالى ضرب مثل نوره الذي في قلوب المؤمنين بالنور الذي في المصباح، وهو في نفسه نور، وهو منور لغيره، فإذا كان نوره في القلوب هو نور، وهو منور، فهو في نفسه أحق بذلك، وقد علم أن كل ما هو نور فهو منور (1).
وقد قرر ابن تيمية وابن القيم والمحققون من أهل الحديث وأئمة السنة: أنه نور على الحقيقة، بل ذكر ابن تيميه أن الجهمية والمعتزلة أثبتا أنه نور ثم قال ابن تيمية: وأول هؤلاء المؤمنين بالله وبأسمائه وصفاته، رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال الذي عارض به المعترض فقال صلى الله عليه وسلم:«حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه (2)» فأخبر أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه، وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه، فهذا الحجاب عن إحراق السبحات يبين ما يرد في هذا المقام.
فقد تبين أن جميع ما ذكر من الأقوال يرجع إلى معنيين من معاني كونه نور السماوات والأرض، وليس في ذلك دلالة على أنه
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج 6 ص 392.
(2)
صحيح مسلم الإيمان (179)، سنن ابن ماجه المقدمة (196)، مسند أحمد (4/ 405).