المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ وقوله [120 - ـ]: 786 - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِماً ذُو - مفتاح السعيدية في شرح الألفية الحديثية

[ابن عمار المالكي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌شكر وعرفان

- ‌مقدمة الدراسة والتحقيق

- ‌اسمه ونسبه ولقبه وكنيته ومذهبه:

- ‌مولده ونشأته وطلبه للعلم:

- ‌مشايخه:

- ‌تدريسه وأعماله:

- ‌رحلاته:

- ‌مصنفاته:

- ‌علومه وأوصافه:

- ‌وفاته:

- ‌نظمه:

- ‌المبحث الثانيمنهج المصنف في كتابه

- ‌المبحث الثالث

- ‌الإضافة التي نقدمها بنشر هذا الكتاب

- ‌المبحث الرابعرموز المصنف

- ‌المبحث الخامسإثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه

- ‌المبحث السادستسمية الكتاب

- ‌صور من النسخة الخطية

- ‌أقسام الحديث

- ‌أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ

- ‌الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ

- ‌الْمُسْتَخْرَجَاتُ

- ‌مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ

- ‌حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعْلِيْق

- ‌نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ

- ‌القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ [

- ‌القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ

- ‌الْمَرْفُوْعُ

- ‌الْمُسْنَدُ

- ‌الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُوْلُ

- ‌الْمَوْقُوْفُ

- ‌الْمَقْطُوْعُ

- ‌فُرُوْعٌ

- ‌الْمُرْسَلُ

- ‌الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ

- ‌الْعَنْعَنَةُ

- ‌تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ

- ‌التَّدْلِيْسُ

- ‌الشَّاذُّ

- ‌الْمُنْكَرُ

- ‌الاعْتِبَارُ وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ

- ‌زِيَادَةُ الثِّقَاتِ

- ‌الأَفْرَادُ

- ‌الْمُعَلَّلُ

- ‌الْمُضْطَرِبُ

- ‌الْمُدْرَجُ

- ‌الْمَوْضُوْعُ

- ‌الْمَقْلُوْبُ

- ‌تنبيهات

- ‌مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رُوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ

- ‌مَرَاتِبُ التَّعْدِيْلِ

- ‌مَرَاتِبُ الجَرْح

- ‌مَتَى يَصحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيْثِ أوْ يُسْتَحَبُّ

- ‌أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ، وأوَّلُهَا: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ

- ‌الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ

- ‌تَفْرِيْعَاتٌ

- ‌الثَّالِثُ: الإجَاْزَةُ

- ‌لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا

- ‌الرَّاْبِعُ: الْمُنَاوَلَةُ

- ‌كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ

- ‌الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ

- ‌السَّادِسُ: إِعْلَامُ الشَّيْخِ

- ‌السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ

- ‌الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ

- ‌كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ

- ‌الفصل الأول:

- ‌الْمُقَابَلَةُ

- ‌تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ

- ‌التَّصْحِيْحُ والتَّمْرِيْضُ، وَهو التَّضْبِيْبُ

- ‌الكَشْطُ والْمَحْوُ والضَّرْبُ

- ‌العَمَلُ في اخْتِلَافِ الرُّوَايَاتِ

- ‌الإِشَارَةُ بالرَّمْزِ

- ‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ

- ‌مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ

- ‌رِوَايةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصاغِرِ

- ‌رِوَايَةُ الأَقْرَانِ

- ‌الأُخْوَةُ والأَخَوَاتُ

- ‌رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأبْنَاءِ وَعَكْسُهُ

- ‌السَّابِقُ واللَاّحِقُ

- ‌مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَاّ رَاوٍ وَاحِدٌ

- ‌مَنْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدةٍ

- ‌أَفْرَادُ العَلَمِ

- ‌الأَسْمَاءُ والكُنَى

- ‌الأَلْقَابُ

- ‌الْمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ

- ‌المتفق والمفترق

- ‌تلخيص المتشابه

- ‌المشتبه المقلوب

- ‌من نُسِبَ إلى غير أبيه

- ‌المنسوبون إلى خلاف الظاهر

- ‌المبهمات

- ‌تأريخ الرواة والوفيات

- ‌معرفة الثقات والضعفاء

- ‌معرفة من اختلط من الثقات

- ‌طبقات الرواة

- ‌الموالي من العلماء والرواة

- ‌أوطان الرواة وبلدانهم

الفصل: ‌ ‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ وقوله [120 - ـ]: 786 - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِماً ذُو

‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ

وقوله [120 - ـ]:

786 -

رَائي النَّبِيِّ مُسْلِماً ذُو صُحْبَةِ

وقِيْلَ: إنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبَِّت

787 -

وقِيلَ: مَنْ أقَامَ عاماً أو غَزَا

مَعْهُ وذَا لابْنِ المُسَيِّبِ عَزَا

[قوله: «مسلماً»](1) أخرج من رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وأخرجه أحمد في «مسنده» ، وكعبد الله بن صَيَّاد إن لم يكن هو الدَّجَّال، وعَدَّهُ في الصحابة كذلك أبو بكر بن فتحون في الذيل على «الاستيعاب» .

ومرادهم: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم حال نبوته، أو أعم من ذلك، فيدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنفية كزيد بن عمرو بن نفيل وقد قال صلى الله عليه وسلم «يبعث أمة وحده» وذكره ابن منده في الصحابة وكذا لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه، وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم، ثم مات ولم يره؟ لم يتعرض له، ويدلُّ أنَّ المراد: مَنْ رآه بعد النبوة أنهم ترجموا في الصحابة لمن وُلِدَ للنبي صلى الله عليه وسلم بعد النبوة كإبراهيم وعبد الله، وما ترجموا لمن ولد قبلها ومات قبلها كالقاسم.

وقوله: «من رآه» هل المراد به من رآه بعقل وتمييز فيخرج الأطفال الذين

(1) زيادة من عندي.

ص: 314

حَنَّكَهم ولم يروه بعد التمييز، وكذا من رآه وهو لا يعقل، أو المراد أعم من ذلك.

ويدل على اعتبار التمييز عند الرؤية نص العلائي أبي سعيد في كتاب «المراسيل» في ترجمة عبد الله بن الحارث بن نوفل: حَنَّكَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ودَعَا له، ولا يعرف له رؤية، بل هو تابعي جليل، وحديثه مرسل [120 - ب].

وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني في حَدِّ الصحابة: أنه من طالت صحبتُهُ له، وكَثُرَت مجالستُه على طريق التبع له والأخذ عنه، وهو مذهب الأصوليين فيما حكاه عنهم السمعاني أبو المظفر، وحكاه الآمدي، وابن الحاجب، وجزم ابن الصَبَّاغ في «العدة» به.

والصُّحبة أخصُّ من الرؤية فيما نَصَّهُ أبو زرعة وأبو داود بأنهما قالا: طارق بن شهاب له رؤية، ولا صحبة له وكذا عبد الله بن سرجس رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبة له فيما نصه عاصم الأحول وفيه بحث.

وقوله: «ولم يُثَبَّت» .قلت: هو بضم الياء المثناة من تحت، وتشديد الباء الموحدة مفتوحة، وبعده تاء مُثَنَّاة فوق، أي: وليس هو الثَّبْتُ الذي عليه العمل عند المحدثين والأصوليين.

وقوله: «وقيل مَن [أقام عاماً أو] (1) غزا» (خ)، هذا القول الثالث، وهو ما رُويَ عن ابن المسيب أنه كان لا يعدُّ الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى

(1) زيادة من «الألفية» .

ص: 315

الله عليه وسلم سنَةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين.

قال شيخنا (ن)(1): ولا يصح هذا عن ابن المسيب؛ ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف في الحديث، وفي المسألة أقوال أخر بسطها في الشرح.

وقوله:

788 -

وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ باشْتِهَارٍ او

تَوَاتُرٍ أو قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ [121 - أ]

789 -

قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلَا

وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لا مَنْ دَخَلَا

790 -

في فِتْنَةٍ، والمُكْثِرُونَ سِتَّةُ

أَنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، والصِّدِّيقَةُ

791 -

البَحْرُ، جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ

أَكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَة

792 -

أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وابنُ عُمَرا

وَابْنُ الزُّبَيرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى

793 -

عَلَيْهِمُ بِالشُّهْرَةِ العَبَادِلهْ

لَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا مَنْ شَاكَلَهْ

794 -

وَهْوَ وزَيْدٌ وابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ

في الفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ

الشرح: أشار بهذه إلى (2) ستة مسائل:

المسألة الأولى: فيما تُعْرَف به الصُّحْبَة وذلك إما بالتواتر كأبي بكر، وعمر، وبقية العشرة. وإما بالشهرة كعكاشة بن محصن، وضمام، وغيرهما. وإما

(1)(2/ 125).

(2)

كذا، ولعل صواب العبارة: أشار بهذه [الأبيات] إلى

ص: 316

بإخبار بعض الصحابة عنه أنه صحابي كحُمَمَة بن أبي حُمَمَة الدَّوسي، مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم حكم له بالشهادة، نَصَّ عليه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» .

قال شيخنا (1): وروينا قصته في «مسند الطيالسي» و «معجم الطبراني» [على](2) أنه يجوز أن يكون أبو موسى إنما أراد شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتله بطنه عموماً، وفيهم حُمَمَة؛ لا أنه (3) سماه باسمه.

وقوله: «ولو» (خ) يعني بإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته قُبِلَ إخباره بذلك.

وقيده (ن)(4) بأن يكون ادعاؤه [121 - ب] يقتضيه الظاهر، فلو ادعاه بعد مُضي مائة سنة من حين وفاته صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُقْبَل منه، وإن ثبتت عدالته قُبِلَ ذلك.

وقوله: «وهم عدول» هذه المسألة الثانية، وهو أن الصحابة كلهم عدول، لقوله [تعالى] (5):{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} الآية، وغير ذلك من الآي. فقيل: إنه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1)(2/ 128).

(2)

زيادة من المصدر.

(3)

في الأصل: لأنه. خطأ، والتصحيح من المصدر.

(4)

(2/ 129).

(5)

زيادة من عندي.

ص: 317

ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من حديث ابن مسعود: «خير القرون قرني» ، وفي تفسير القَرْن ستة أقوال حكاها ابن منده فقيل: عشر سنين، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون.

وروى ابنُ منده في «الصحابة» من حديث عبد الله بن بُسر مرفوعاً: «القرن مائة سنة» .

وقوله: «قيل: لا من دخلا» يعني أن جميع الأمة أَجْمعت على تعديل من لم يُلابس الفتن منهم، وأما من لابسها من حين مَقْتَلِ عثمان، فأَجْمَعَ من يُعْتَدُّ به على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحَمْلاً على الاجتهاد، وفيه نظر؛ لحكاية ابن الحاجب تبعاً للآمدي قولاً: أن من لم يلابس الفتن كغيرهم في البحث عن عدالتهم مطلقاً. وقولاً: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابُد من البحث عَمَّن ليس ظاهر العدالة. والحق الذي حكاه أبو عمر في «الاستيعاب» [122 - أ]: إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أن الصحابة كُلُّهم عدول.

وقوله: «والمكثرون» (خ) هذه المسألة الثالثة: المكثرون من الصَّحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وهو البحر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة.

وقوله: «أكثرهم» (خ) يعني أن أكثر الستة حديثاً أبو هريرة، فيما نصه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، وابن مخلد؛ لأنه روى خمسة آلاف وثلاثمائة

ص: 318

وأربعة وسبعين حديثاً، وابن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين، وأنس روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثاً، وعائشة روت ألفين ومائتين وعشرة، وابن عباس روى ألفاً وستمائة وستين حديثاً، وجابر روى ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، وليس في الصَّحَابي من يزيد حديثه على ألف إلا هؤلاء، والخدري فإنه روى ألفاً ومائة وسبعين حديثاً.

وقوله: «والبحر» (خ) هذه هي المسألة الرابعة أكثر الصحابة فتوى: البحرُ عبد الله بن عباس فيما نَصَّ عليه الإمام أحمد.

وقوله: «وهو» (خ) هذه هي المسألة الخامسة: العَبَادلة من الصَّحَابة في سؤال الإمام أحمد مَنْ [122 - ب] العبادلة؟ فقال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل: وابن مسعود؟ قال: لا، ليس من العبادلة.

قال البيهقي: لأنه تقدم موتُهُ، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، وفي ذلك بحث طويل لا يحتمله هذه التعليقة المباركة النافعة إن شاء الله تعالى.

وقوله: «ولا مَنْ شَاكَله» ، يعني: أن ابن الصلاح قال: يلتحقُ بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين بعبد الله من الصحابة، وهم نحو مائتين وعشرين نفساً فلا يُسَمّون العبادلة اصطلاحاً، فالمعنى: ولا مَنْ أشبه ابن مسعود في التسمية بعبد الله.

وقوله: «وهو وزيد» (خ) هذه المسألة السادسة: مَنْ كان له من الصحابة أتباعٌ يقولون برأيه، وهم ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، كان لكلِّ رجلٍ منهم أصحاب يقومون بقوله، ويُفتون الناس، كذا نص

ص: 319

ابن المديني، فقوله:«وهو» أي: ابن مسعود.

وقوله:

795 -

وَقَالَ مَسْرُوقٌ: انْتَهَى العِلْمُ إلى

سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلا

796 -

زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ أُبَيِّ

عُمَرَ، عَبْدِ اللهِ مَعْ عَليّ

797 -

ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ والبَعْضُ جَعَلْ

الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا بَدَلْ

الشرح: بَيَّنَ مَنْ انتهى إليه العلم من الصحابة الأكابر، وقد نَصَّ على ذلك مسروق والشعبي، فقال مسروق: وجدتُ علمَ أصحاب [123 - أ] رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأُبَي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود.

وقوله: «ثم انتهى لِذَين» (خ) يعني: أنه انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي وعبد الله.

وقوله: «والبعض» (خ) يعني: أن بعضَهُم، وهو: مطرف، روى عن الشعبي، عن مسروق، أنه ذكر أن أبا موسى الأشعري بَدَل أبي الدرداء. وفيه بحثٌ أشار إليه في الشرح (1).

وقوله:

798 -

وَالعَدُّ لَا يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ

سَبْعُونَ أَلْفاً بِتَبُوكٍ وَحَضَرْ

799 -

الحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَقُبِضْ

عَنْ ذَيْنِ مَعْ أَرْبَعِ آلَافٍ تَنِضّْ

(1)(2/ 134).

ص: 320

الشرح: حَصْرُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعَدِّ مُتَعَذِّر لتفرقهم في البلدان والبوادي.

وروى البخاري في «صحيحه» أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ» ، يعني الديوان، ولكن جاء ضَبْطُهُم في بعض المشاهد، كتبوك، وحجة الوداع، ومن قُبِضَ عنه من الصحابة، وعن أبي زرعة الرازي أنه سُئل عن عدة مَنْ رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ومن يَضْبِطُ هذا؟! شهد معه حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً.

وقوله: «وقُبِضَ» (خ) يعني أنه صلى الله عليه وسلم قُبِضَ عن مائة [123 - ب] ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه. وفي رواية ممن رآه وسمع منه، كذا رُوِيَ عن الرازي أبي زرعة، وقيل له أليس يقال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: من قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره.

فقوله: «عن ذَيْن» أي: عن مقدار هذين العددين وهما سبعون ألفاً وأربعون ألفاً مع زيادة أربعة آلاف، فذلك مائة ألف وأربعة عشر ألفاً.

وقوله: «تَنِض» بفتح التاء المثناة فوق، وكسر النون، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تيسر، يقال خُذ ما نَضَّ لك من دَيْن، أي: تيسر. وفيه الاستعارة، فإن الناض والنَّض منوط حقيقة بالعرضين الدرهم والدينار، فاستعير للصحابة لرواجهم في النقد، وسلامتهم من الزَّيْف بالعدالة. كذا قرره شخينا (ن) في

ص: 321

(ش)(1).

قلت: والمحققون على تسمية مثل هذا النحو تشبيهاً بديعاً (2) لا إستعارة (3)؛ لأن المستعار له مذكور وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خِلْواً عنه، صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام. كقوله [124 - أ]:

لدى أسَد شَاكي السلاح مقَذَّف

له لِبَد أظفارُهُ لم تقلم

وقوله:

800 -

وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ

قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ

الشرح: يعني أن الصحابة طبقات باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة.

واختَلَف كلامُ من اعتنى بذكر طبقاتهم في العدد، فقال الحاكم في «العلوم» له: اثنتا عشر طبقة. ومنهم من زاد عليها. وقال ابن سعد: خمس طبقات. وعَدُّ الحاكم أبا هريرة في العاشرة: مَنْ هاجَرَ بين الحديبية والفتح لا يَصِحّ؛ فإنه هاجر قبل الحديبية عُقيب خيبر في أواخرها.

(1)(2/ 136).

(2)

الكلمة تحتمل غير هذا في الأصل.

(3)

في الأصل: الاستعارة. خطأ.

ص: 322

وقوله:

801 -

وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ

وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ وَهْوَ الأَكْثَرُ

802 -

أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِيْ

قُلْتُ: وَقَوْلُ الوَقْفِ جَا عَنْ مَالِك

803 -

فَالسِّتَّةُ البَاقُونَ، فالبَدْرِيَّهْ

فَأُحُدٌ، فَالبَيْعَةُ المَرْضِيَّهْ

الشرح: أفضل الصحابة مطلقاً بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عُمَر بالإجماع، فيما حكاه أبو العباس القرطبي، وحُكِيَ عن الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين عليه فيما رواه عنه البيهقي في كتاب «الاعتقاد» .

قلت: أخبرنا إجازةً المكثر أبو العباس السويدائي، قال: أخبرنا بدر الدين الفارقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن النعمان التلمساني، قال: أنبأنا أبو المعالي بن علي [124 - ب]، عن المبارك بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد، قال: أخبرنا جدي أبو بكر أحمد الحافظ: حدثنا أبو عبيد الله الحافظ إملاءً: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا موسى بن الحسين: حدثنا عَفَّان بن مسلم: حدثنا السَّرِي بن يحيى: حدثنا محمد بن سيرين قال: ذَكَرَ رجالٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمَرَ، فكلهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟» فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: «يا أبا بكر لو كان

ص: 323

شيء أحببت أن يكون بك دوني» قال: نعم، والذي بعثك بالحق ما يكون من مسألةٍ إلا أحببت أن تكون بي دونك. فلما انتهينا من الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله، حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستتم الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة، قال: أنزل يا رسول الله، فنزل.

قال: عمر والذي نفسه بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.

ومذهب الخَطَّابية تفضيل عُمَر، والشيعة تفضيل علي [125 - أ]، والرَّاوندية تفضيل العباس، وبعضهم أَمْسَك التفضيل.

وقوله: «وبعده» (خ) يعني أن أهل السنة اختلفوا في الأفضل بعد عمر، فالأكثرون كما حكَّاه الخَطَّابي وغيره: عثمان ثم علي، وهم في الترتيب كالخلافة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، فيما رواه عنه (1) البيهقي في «الاعتقاد» عنهما، وهو المشهور عند مالك، والثوري، وكافة الأئمة من المحدثين، والفقهاء، والكثير من المتكلمين، وهو مذهب الأشعري، والباقلاني، وإن اختلفا في التفضيل بين الصحابة هل هو قطعي أو ظني؟ فمال الأشعري إلى أنه قطعي، ويدلُّ عليه قول مالك في «المدونة» ، وقال الباقلَّاني، واختاره إمام الحرمين: أنه ظني. وجزم به القرطبي في «المفهم» .

وقوله: «أو فَعَلي» (خ) يعني أنه يفضل علي على عثمان كما هو مذهب الكوفيين، وبه قال الخطَّابي، ورواه بإسناده إلى الثوري أنه حكاه عن أهل

(1) كذا، وهو حشو.

ص: 324

السنة من الكوفيين، وحكي عن أهل السنة من البصريين أفضلية عثمان، فقيل له فما تقول؟ فقال: أنا رجل كوفي ثم قال: وثبت عن سفيان في آخر قوله تقديم عثمان.

وقوله: «قلت» (خ) يعني أنه جاء عن مالك رضي الله تعالى عنه التوقف بين عثمان وعلي على ما حكاه المازني عن نَصِّ «المدونة» ، سُئل مالك عن خير الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر، ثم عمر. قال: أو في ذلك شك؟ قيل له: فعلي وعثمان أيضاً أيهما أفضل؟ فقال: ما [125 - ب] أدركت أحداً ممن أقتدي به يُفَضِّل أحدهما على صاحبه ويرى الكفَّ عنهما.

قلت: كذا نص «المدونة» في آخر الديات، في باب ترجمته «باب أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» ، والذي أجمع المسلمون عليه في العصور السابقة على تقديم عثمان على علي كرم الله تعالى وجهه في رتبة الفضل، فلا خلاف بين أهل الأمصار على رؤوس المنابر في ترتيب الأربعة على هذا الوجه: أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. قال زيد بن الحسن الموسوي العلوي من أهل طُوس، صحيح الاعتقاد، ومجتنب البدع، حسن الوعظ: أنشدني أبو عبد الله الحسن بن محمد بن علي في معرض الامتحان:

أبو بكر على السنة

وفاروق فتى الجنة

وعثمان به المنة

علي حبه جنتي

انتهى، ثم نص «المدونة» يشهد بأن الترتيب بين أبي بكر وعمر قطعي لا شك فيه، وأما عثمان وعلي فقد عَلِمْت من إطلاقات المسلمين في سائر الأمصار أن عثمان مقدَّم، دَلَّ على إجماع حَدَثَ بعد العصر الأول، فبهذا

ص: 325

تأتلف القواعد وتسلم من التناقض والتعارض، فاعرف ذلك تَحُزْ بركته، والله تعالى أعلم.

وممن مالَ إلى الوقف إمامُ الحرمين.

واستقرَّ مذهبُ أهل السنة على تقديم عثمان لما في البخاري و (د) و (ت) من حديث ابن عمر قال [126 - أ]: كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نَعْدِلُ بأبي بكر أحداً، ثم عُمَر، ثم عثمان.

ورواه الطبراني بلفظ أصرح في التفضيل، وزاد فيه إطلاعه صلى الله عليه وسلم، وتقريره لذلك. ولفظه: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فيسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره.

قلت: ويؤيد حديث الطبراني الحديث الذي أخرجه السمعاني في «الذيل» من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ الله أبا بكر، زوجني بنته، ونقلني إلى دار الهجرة، وأَعْتَقَ بلالاً من مَالِه، رحم الله تعالى عمر يقول الحق وإن كان مُرًّا، تركه الحق وما له من صديق، رحم الله تعالى عثمان تستحييه الملائكة، رحم الله تعالى علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار» (1).

وفي الحديث، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بحوضي أربعة أركان: ركنٌ عليه أبو بكر، وركنٌ

(1) أخرجه الترمذي في «السنن» رقم (3714) وقال الألباني: ضعيف جداً.

ص: 326

عليه عُمَر، وركنٌ عليه عثمان، وركنٌ عليه علي رضوان الله عليهم أجمعين، فمن جاء محباً لهم سقوه، ومن جاء مبغضاً لهم لم يسقوه (1).

ثم إن السمعاني في «الذيل» ذكر الحكاية التي جرت بين بعض قُضاة الري، وبين اللص في هذه المسألة، أحببتُ ذكرها في هذا المؤلَّف؛ إذ الحكايات من مُلَح [126ب] المؤلفات.

والحكاية (2) بجملتها أن محمد بن الحسين القاضي كان يكثر الإدلاج إلى بساتينه فَيُصَلي الصبح، ثم يعود إلى منزله إذا ارتفعت الشمس وعَلا النهار، قال محمد بن مقاتل الماسغوري (3) قاضي الري فسألته عن ذلك فقال: بلغني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حُبِّبَت إليَّ الصلاةُ في الحيطان، وأهل اليَمَن يُسمُّون البستان: الحائط.

قال محمد بن الحسين: فخرجت إلى حائط لأُصَلِّي فيه صلاة الفجر رغبة في الثواب والأجر، فعارضني لص جرئ القلب، خفيف الوثب، في يده خنجر كلسان الكلب، فضرب بيده إلى صدري، ومكن الخنجر في منحري، وقال: انزع ثيابك، واحفظ إهابك، ولا تكثر كلامك، فتلقى حمامك، فقلت: يا سبحان الله أنا شيخ من شيوخ البلد، وقاضي من قضاة المسلمين، يُسمع كلامي، ولا تُرَدّ أحكامي، ومع ذلك فإني من نقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعين سنة، ومن علماء الإسلام بكل فريضة وسُنة، أما

(1) أسنده ابن عساكر في «تاريخ دمشق» : (39/ 132).

(2)

أورد بعضها السبكي في «طبقات الشافعية» : (9/ 327 - 331).

(3)

في «طبقات الشافعية» : الماسقوري.

ص: 327

تستحي من الله أن يراك حيث نهاك، فقال: يا سبحان الله أنت أيضاً أما ترى شاباً أروق للناظر، وأملأ للخاطر، أوى الكهوف والغيران، وأشرب ماء القيعان والغدران، وأسلك مخوف المسالك، وألقي بيدي إلى المهالك، ومع ذلك أنا وَجِل من السلطان [127 - أ]، مُشَرَّدٌ عن الأهل والأوطان، حتى إذا عثرت في البدرة برجل مثلك (1)، فأتركه يمضي إلى عيش رطب، وماء عذب، وأبقى أنا هاهنا أكابد التعب، وأناصب النصب، وأجاهد العيش الشغب، إن هذا لعجز من الرأي، وضرب من المحال، وأنشد:

تُرى عينيك .... (2)

قال له القاضي: أراك شاباً فاضلاً، ولصاً عاقلاً، فهل لك إلى خصلة تعقبك أجراً، وتكسيك شكراً، وتحقبك ذخراً، ولا تهتك مني ستراً، ومع ذلك فإني مسلم الثياب إليك، وخالعها عليك: تمضي معي إلى البستان، فأتوارى بالجدران، وأسلم إليك الثياب، وتمضي على المسار والمحاب.

قال اللص: يا سبحان الله تشهد لي بالعقل، وتخاطبني بالجهل، ويحك من يؤمنني أن يكون لك في البستان غلامان علجان، ذوو سواعد شديدة، وقلوب غير رعيدة، فيشتداني ويسلماني إلى السلطان فيُحَكِّم فيَّ آراءه، ويقضي على ما شاءه، فإما يوردني في الحتف، وإما يسومني الخسف.

(1) في «طبقات الشافعية» : حتى إذا عثرت بواحد مثلك.

(2)

بياض في الأصل، وفي «طبقات الشافعية»: تري عينيك ما لم ترياه

كلنا علم بالترهات.

ص: 328

قال القاضي: لعمري إنه من لم يفكر في العواقب، فليس له الدهر بصاحب، وسبيل العاقل أن لا يغتر بعدوه وإن كان لا حَذَر من قَدَر (1)، ولكنني أحلف لك ألية مسلم، وجهد مقسم، أني لا أوقع بك مكراً ولا غدراً.

قال اللص: لعمري [127 - ب] لقد حسنت عبارتك، وحسنت إشارتك، ونثرت حَبَّ خيرك، على فَخ غيرك، وقد قيل في المثل السائر: الحُرُّ حُرٌّ ما وعد، ووفى بما عهد، أدرك الأسد من قبل أن تلتقي على الفريسة سحياه، ولا تعجبنك من عدو حسن محياه، وأنشد:

لا تخدشن وجه الحديث فإنا

قد كشفناه قبل كشفك عنه

وأطلعنا عليه والمستولى

قطع أذن العيار أعير منه

ثم قال اللص: ألم يزعم القاضي أنه كتب الحديث ولقي الشيوخ؟ قال: أجل، قال: فأي شيء كتبت في هذا المثل الذي ضربت لك؟ قال القاضي: ما يحضرني في هذا المقام الحرج حديث أُسْنِدُهُ، ولا خبر أُورِدُهُ، فقد قَطَعَتْ هيبتُك كلامي، وصَدَّعَت قبضتُك عظامي.

قال اللص: فليسكن لُبُّك، وليطمئن قَلْبُك، فليست حاجة إلا ثيابك، اسمع هذا الحديث ويكون شأنك حتى لا يذهب منك شيء إلا بفائدة.

قال القاضي: هات ما هذه الفائدة.

قال اللص: حدثني أبي عن جدي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي

(1) العبارة في «طبقات الشافعية» : أن لا يغتر بعدوه [بل يكون منه على حذر] ولكن لا حذر من قدر.

ص: 329

الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمين المكرَه لا يلزمه فإن حَلَفَ وحَنث فلا شيء عليه» انزع الثياب.

قال القاضي: يا هذا قد أعييتني بأخذك علي الحجج من كل جانب، وجئت بألفاظ كأنها [128 - أ] لسع العقارب، أقم هاهنا حتى أمضي إلى البستان، وأنزع هذه الخلقان، وأدفعها إلى صبي غير بالغ فأمن مكره، ولا أنهتك أنا على هذه الحالة، فيكن فيَّ وفيك المقالة.

قال اللص: أيها الشيخ قد أكثرت المحاورة، ونحن على طريق، وأمرنا على خطر، وهذه المراوغة لا تنتج لك نفعاً، ولا أستطيع لما أرومه منك دفعاً، ومع هذا فتزعُمُ أنك من أهل العلم والرواية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الشريعة شريعتي، والسنة سنتي، فمن ابتدع في شريعتي وسنتي فعليه لعنة الله» قال القاضي: ما هاهنا من البدع أشر مما ابتدعت.

قال اللص: نعم اللصوصية بنسيئة بدعة أنزع الثياب. فنزع القاضي ثيابه ودفعها إليه وبقي السراويل، فقال: انزع السراويل حتى تتم الخلعة.

قال القاضي: ما أشرهك، وأشد كلبك، دع الاغتنام، وامضي بسلام، ففيما أخذت كفاية، ودع هذا السراويل فإنه لي ستر ووقاية، لا سيما وهذه صلاة الفجر قد أزف حضورها، وأخاف أن تفوتني فأصليها في غير وقتها، وقد تعمدت تركها رجاء أن أفوز في مكان يحبط فيه وزري ويضاعف أجري، ومتى منعتني من ذلك كنت كما قيل:

إن الغراب وكان يمشي مشيه

فيما مضى من سالف الأحوال [128 - ب]

ص: 330

حسد القطاة فرام يمشي مشيها

فأصابه ضربةٌ من العُقَّال

فأضل مشيته وأخطأ مشيها

فلذاك كنوه أبا المرقال

قال اللص: القاضي أيده الله تعالى يرجع إلى خلعة غيرها أحسن منها، وأنا لا أملك سواها، ومتى لم تكن السراويل في جملتها، ذهب حسنها وقل ثمنها، لا سيما والتكة مليحة وسيمة، ولها مقدار وقيمة، فدع عنك ضرب المثال، واقلع عن ترداد (1) المقال، فلست ممن يلين بالمحال، ما دامت الحاجة ماسة إلى السروال، وأنشأ يقول:

دع عنك ضربك سائر الأمثال

واسمع إذا ما شئت فصل مقال

لا تطلبن مني الخلاص فإنني

أفتي إذا ما جئتني بسؤال

ولأنت إن أبصرتني أبصرت ذا

قول وعلم كامل وفعال

جارت عليه يد الليالي فانثنى

ينفي الأنام بصارم قصال

فالموت في ضنك المواقف دون أن

ألقى الرجال بذلة التسآل

والعلم ليس بنافع أربابه

إذ لا تقوِّمهُ على النُّقَّال

ثم قال: ألم يذكر القاضي أنه يتفقه في الدين ويتصرف في فتاوى المسلمين.

قال القاضي: أجل. قال اللص: فمن صاحبك من أئمة الفقهاء أو صدور العلماء؟ قال القاضي: صاحبي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه.

(1) في الأصل: تراد. خطأ، والتصحيح من «طبقات الشافعية» .

ص: 331

قال اللص: يا لها من نادرة ما أغربها [129 - أ] وحكاية ما أعجبها، أيخفى عليك هذا المقدار، وأنت تعتزي إلى الفقهاء والنظار، إنها لهجنة على الإسلام، ومعرة على الحكام، على أي شيء قال صاحبك في صلاة الفجر وغيرها وأنت عريان؟.

قال القاضي: لا أدري.

قال اللص: اسمع هذا ويكون بالسراويل حتى لا تذهب ثيابك إلا بالفوائد.

قال القاضي: قُل. قال اللص: حدثني أبي عن جدي عن محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه يرفعه في إسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة العريان جائزة، والإعادة عليه» ، وتأول في ذلك غرقى البحر إذا عطبوا وسَلِموا إلى الساحل.

فنزع القاضي السراويل وقال: خذه فأنت أشبه بالقضاء مني، وأنا أشبه باللصوصية منك، يا من دَرَس على أخذ ثيابي موطأ مالك وكتاب المزني، ومَدَّ يده ليدفعه إليه، فرأى الخاتم في أصبعه اليمنى، فقال: انزع الخاتم.

فقال القاضي: إن هذا اليوم عصيب، ما رأيت أثقل منه ولا أنحس صباحاً، ولا أقل نجاحاً، إذ رماني هذا اليوم المنكر، وقصد لي بأم حَبَوُكر (1)، ويحك ما أشرهك، دع ما أنت فيه فالخاتم لا سبيل لك إليه. قال: ولم؟ قال: لأنه عارية معي فلا تلزمني بأخذك إياه غرامته فأتحمل أكثر من قيمته. قال اللص: أو لم يزعم القاضي أنه شافعي المذهب؟ قال: نعم، هات [129 - ب] ما بقي من

(1) الحبوكر: الداهية، وأم حبوكر: أم الدواهي. «تاج العروس» : (10/ 522).

ص: 332

درسك. قال: فلم تختمت في اليمنى وهو شعار المضادين؟ قال القاضي: فليس ذلك بجائز؟ قال: بلى، إلا أنه قد صار التختم في اليمين من شعار المضادين فحصل فرق بين المخالف والمؤالف. قال القاضي: إن أردت الخلاف في المذهب فليس عند صاحب المذهب به من بأس. قال: لا، أردتُ الخلاف بين السنية والرافضة.

قال القاضي: فأنا أعتقد ولاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وتفضيله على سائر المسلمين، من غير طعن على السلف الماضين الراشدين، ولا عدول عن السنة والدين، وهذا صُلْبُ اعتقادي، وعلى مذهب الشافعي في الحكومة اعتمادي، وعليه سائر أهل بلادي.

قال اللص: نِعْمَ ما ذهبتَ إليه، فلو نازعك منازع بما استحق عليٌّ عليه السلام أن يكون أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي: الجواب في ذلك أن علياً إنما استحق الفضل على من سواه من الصحابة والقرابة؛ لأنه أقربهم منه لحمة، وأدناهم حرمة، وأزكاهم مركباً، وأطيبهم منصباً، وكان صهره الناسك، وسيفه الباتك (1)، وهو ورسول الله صلى الله عليه وسلم فرعان من شجرة.

قال اللص: ذلك الذي أوجب له الفضل على من سواه من المهاجرين السابقين والأولين الصادقين.

قال [130 - أ] القاضي: نعم، قال: فالعباس إذاً أفضل منه؛ لأنه أقرب إلى

(1) أي: القاطع. «تاج العروس» : (27/ 57).

ص: 333

رسول الله صلى الله عليه وسلم منه؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وقد أجمع المسلمون أنه لو أن رجلاً هلك وترك عماً وابن عم لكان المال للعم دون ابن العم بلا خلاف.

قال القاضي: فإن العباس لا هجرة له، وعلي له هجرة.

قال اللص: فبطلت علة القرابة، وصار الفضل للهجرة.

قال القاضي: نعم.

قال اللص: فجعفر بن أبي طالب له هجرة، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو نازعك منازع في أنه أفضل من علي فما يكون جوابك؟

قال القاضي: فعلي لم يشرك بالله طرفةَ عين، ولا علم منه خلف ولا مين، وهو أقدم إيماناً منه ومن العباس بن عبد المطلب.

قال اللص: وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أقدم إيماناً من الكل.

قال القاضي: أبو بكر انتقل عن الشرك.

قال اللص: أليس من لم يُشْرِك أفضل عندكم ممن أشرك.

قال القاضي: نعم.

قال اللص: فأيما أفضل عندكم عائشة أو خديجة رضي الله تعالى عنهما، أو غيرهما من نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي لم يشركن بالله؟.

قال القاضي: خديجة أفضل.

قال اللص: فَبَطُلَت إذاً علة قِدَم الإيمان.

ص: 334

قال القاضي: إلا أن [130 - ب] علياً مع قدم إيمانه، وحسن إتقانه، وإيضاح برهانه، له اتصال بنسب، ومواسجة هصب (1)، وقوة سبب.

قال اللص: وكل من قرب هو أفضل؟

قال القاضي: أجل.

قال اللص: ففاطمة أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم علي؟.

قال القاضي: فاطمة.

قال اللص: فبطلت علة القرابة.

قال القاضي: فإن علياً تقدم إيمانه إيمان فاطمة وله جهاد.

قال اللص: فكذلك إيمان أبي بكر تقدم إيمان علي وله جهاد؛ لأنه أول من آمن بالله عز وجل، وجاهد، وسبق إلى التصديق، ونَصَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لا معين له من أهل بيته وأقاربه وأدنى عشيرته وأصحابه، وهو أول من سارع إلى إجابته، ودَعَى الناس إلى بيعته، وبذل بين يديه الأموال.

قال القاضي: كيف تقدم أبا بكر على علي وهو يعترف أن له شيطاناً يعتريه يقول ألا وإن لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتم ذلك فلا تقربوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم.

قال اللص: لقد قال هذا في ملأ من المهاجرين والأنصار، إلا أنه ليس على وجه الأرض ذو عقل فاضل ولا لُب حاصل فرآى أن أبا بكر رضي الله عنه

(1) كذا جاء رسمها وتحتاج إلى تحرير.

ص: 335

كان مجنوناً، ولو كان على مثل هذه الحال لما خفى أَمْرُه عن الصحابة والقرابة، ولا تركوا دفعه عن الخلافة بالاحتجاج بأنه مجنون يحتاج [131 - أ] إلى علاج دون إمامة الأمة، وخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا جهل ممن تكلم به، وإنما قال ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من أحد إلا وله شيطان يعتريه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم» ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أخبر في هذا القول عن جنون وحاشاه من ذلك، وإنما قال ذلك لِيَتَّقُوا على غلطته.

قال القاضي: أليس صاحبك القائل: «وليتكم ولست بخيركم؟» .

قال اللص: في هذا وجوه منها: أنه قال ذلك محتجاً على الأنصار لأنه قال: وليتكم بالصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً، ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: كيف لا أليكم مع عدمه، وقد وليتكم في وجوده، ولست بخيركم قبيلة إلا (1) بني هاشم أعلى منه في ذروة النسب، وأبعد في الصيت والرهب، فدلهم بهذا أن الأمر لا يستحق بعلو النسب، ولا مقصور على بني هاشم دون غيرهم من قريش لقوله صلى الله عليه وسلم:«الأئمة من قريش» .

قال القاضي: كيف تحقق له هذا الأمر وهو يقول: أقيلوني أقيلوني.

قال: قد قال ذلك لما في إقامة الأمر من تَحَمُّل ثقل الإمامة، وذلك لفضله،

(1) لعل صوابها: لأن.

ص: 336

وعقله، وورعه، وخشيته، إلا لما يبعده [131 - ب] عن ذلك، ولا ينبغي لفاضل إن عرضت عليه أن يظهر المسارعة إليها فإن ذلك يلقيه في الظنة، ويورطه في التهمة.

قال القاضي: كيف تنسبون له هذا الأمر وعمر رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر سمعه الأسود والأحمر: ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

قال اللص: مهما شككنا في شيء، فأنا لا أشك وإياكم في أن عمر رضي الله عنه كان عاقلاً، ولم يكن مجنوناً مختلطاً، وهذا الكلام إن حمل على ما قلتم صار في حكم الجنون من قائله، لأن عمر يحتج في إثبات إمامته بعقد إمامته، والدعاء إلى صداقته، بعقد عهدي أبي بكر، ودعا الناس إلى اتباعه من بعده، فإذا كانت بيعة أبي بكر باطلاً، وجب أن تكون بيعة عمر باطلاً، ووجب أن عهده يكون باطلاً، ووجب أن يقول له الناس والصحابة والقرابة والأنصار: فأنت أيضاً ممن يجب قتلك، ولا يجب العمل على عهدك في الشورى.

والمعنى في هذا القول: أن عمر كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل الناس والأمة، وأنه كان يستحق أخذ الخلافة بالحجة والمناظرة، وأن من بعده يتفاوتون في الرتبة، ولا يستحقونها على ذلك الوجه.

وقوله: كانت فلتة، أي على غير إعمال فكر وروية، واستوسعت فجأة، وقى الله شرها أي: شر الخلاف [132 - أ] عليها، وشق العصا عند تمامها، وقوله من عاد إلى مثلها فاقتلوه، إنما أراد إلى مثل قول الأنصار:«منا أمير ومنكم أمير» أراده رد الأمر إلى قريش، وهذان الأمران حرام، فِعْلُهما في الدين فتنة بين

ص: 337

المسلمين.

قال القاضي: فإذا كنت قد فَضَّلت أبا بكر على علي فقد غضضت من علي.

قال اللص: من قصد إلى ذلك فهو ضال، وإنما هذا اتباع للسنة، ولو كان على ما تذهب إليه وتضمره في نفسك، لكان لِكُلِّ من فَضَّل علياً على فاطمة والحسن والحسين، فقد غض منهم، وهذا لا يقوله مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد حمل الحسن والحسين على عاتقه:«نعم المطي مطيكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما» ، ولم يُرِد بذلك غضاضة، ولا عدولاً بالفضل عنهما، ولكنه تَحَرَّى في ذلك الصدق.

قال له القاضي: فإن النبي صلى الله عليه وسلم حمل علياً يوم قلع الأصنام.

قال اللص: هذه فضيلة لعلي غير مجحودة ولا مردودة، ولكنه قد حمل عائشة وهي صغيرة، وحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع على كتفه.

قال القاضي: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «أنا من علي وعلي مني» .

قال اللص: هذا ما لا ندفعه ولكنه قال أيضاً للعباس: «أنا من العباس والعباس مني» فأي فضل لعلي [132 - ب] على العباس، في هذا الاختصاص؟

قال القاضي: فقد قال لعلي أنت أخي.

قال اللص: قال ذلك مراراً، لكن قال ذلك على مذهب الفضل والرفعة لمكانه، أم على طريق الحقيقة؟

ص: 338

قال القاضي: على مذهب المجاز.

قال اللص: فنحن وأنتم نروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واشوقاه إلى أخواني الذين يؤمنون بنبوتي ولم يلحقوني ويتمسكون بشريعتي ويصدقوني» ، وقال أيضاً لأبي بكر:«أنت أخي ورفيقي وصديقي» ، وقال له:«إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر والداً، وعلياً أخاً ومعاضداً، والوالد أفضل من الأخ. ثم قال: وُزِنْتُ بالأمة فرجحت بها، ووُزن أبو بكر بالأمة فرجح بها، وما أراكم توردون فضيلة إلا ولنا أمثالها، ولا تظهرون منقبة إلا وعندنا أشكالها، فإن حلتم الفضل على مثل هذه الأخبار، قلنا: فقد قال في عمر: «لو كان نبي لكان عمر» وإن قلتم: إنما فضل بالشجاعة فقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بها وقال في حمزة: «أسد من أسد الله» وفي خالد «سيف الله» ، ثم قال صلى الله عليه وسلم:«أنا في ميزان عمي العباس» .

فلما سمع القاضي جودة منطقه وقدرته على الكلام، وثباته في الخصام، وقوته في النظر، علم أنه لا يجارى، ولا يبارى، وأنه متكلم لا يصطلي بناره، وأنه إنما حمله [133 - أ] على ذلك ضرورة العلة والإعدام، والأنفة من الخاصة إلى السفلة اللئام، فنزع الخاتم من أصبعه وقال: هاك يا متكلم، يا فقيه، يا شاعر، يا محدث، يا لص، فأخذه منه وحَلَّ عقاله، وأوسع مجاله، ونفس خناقه، وأطلق وثاقه، ومضى القاضي إلى منزله ولبس ثيابه، انتهت.

وقوله: «فالستة» ، يعني أن الستة الباقين بعد الخلفاء الأربعة في الأفضلية.

قال الإمام عبد القاهر التميمي البغدادي: أصحابنا مجمعون على ذلك.

وقوله: «فالبدرية» (خ) يعني ثم البدرية بعد الستة الباقين، ثم أصحاب أُحُد،

ص: 339

ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، والتقدير فأهل أُحُد، فأهل البيعة.

وقوله:

804 -

قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ

فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ

805 -

قِيلَ: بَلْ اهْلُ القِبْلَتَيْنِ، واخْتَلَفْ

-أَيَّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ؟ - مَنْ سَلَفْ

806 -

قِيلَ: أبو بَكْرٍ، وقِيلَ: بلْ عَلِيْ

وَمُدَّعِي إجمَاعَهُ لَمْ يُقْبَل

807 -

وَقِيلَ: زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقا

بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقا

الشرح: يعني أنه يفضَّل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

وقوله: «وقد ورد» ، يعني بنص القرآن.

وقوله: «فقيل هم» يعني أنه اختُلِف من هم؟ فقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان. وبه قال الشعبي.

وقوله: «وقيل بدري» ، يعني وقيل: أنهم أهل بدر. وبه [133 - ب] قال محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار.

وقوله: «وقد قيل» (خ) يعني: وقيل أنهم الذين صلوا القبلتين. وبه قال ابن المسيب وطائفة، فهذه ثلاثة أقوال حكاها (ن).

في المسألة رابع رواه سُبيد أيضاً بإسناد صحيح إلى الحسن قال: فرق ما بينهم فتح مكة.

وقوله: «واختلف» (خ) يعني: أن السلف اختلفوا في أوَّل الصحابة إسلاماً على أقوال؛ أحدها: أبو بكر، وبه قال ابن عباس، وحَسَّان بن ثابت، والشَّعبي،

ص: 340

والنخعي، وجماعة، ويَدُلُّ له رواية مسلم في «صحيحه» من حديث عمرو بن عبسة [في](1) قصة إسلامه، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: من معك على هذا؟ قال: حرُّ وعبد. قال: إن معه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به.

وفي «مستدرك الحاكم» من رواية مُجَالد: سُئِلَ الشعبي: من أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان:

إذا تذكَّرْتَ شجواً من أخي ثِقَةٍ

فاذكُر أَخَاك أبا بكر بِمَا فَعَلا

خيرُ البرية أتقاها وأعدَلها

بعد النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمودَ مشهَدُهُ

وأول الناس منهم صَدَّقَ الرُّسُلا

قلت: وفي هذا القصيد يقول:

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد

طاف العدو به إذ صاعد الجبلا

فكان حب رسول الله قد علموا

من الخلائق لم يعدل به بدلا [134 - ب]

وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت: قلت في أبي بكر شيئاً، قُل حتى أسمع. قال: قلت: وثاني اثنين -البيتين-، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في دخوله الغار، وسيرهم، وفي طلب سُرَاقة إياهم، هذه الأبيات:

قال النبي ولم أجزع يوقرني

نحن في سدفة من ظلمة الغار

(1) زيادة من المصدر.

ص: 341

لا تخش شيئاً فإن الله ثالثنا

وقد توكل لي منه بإظهار

وإنما كيد من تخشى بوادره

كيد الشياطين كادته لكفار

والله مهلكهم طراً بما كسبوا

وجاعل المنتهى منهم إلى النار

وأنت مرتحل عنهم وتاركهم

إما غدوا وإما مدلجاً ساري

وهاجر أرضهم حتى يكون لنا

قومٌ عليهم ذوو عزٍ وأنصار

حتى إذا الليل وارانا جوانبه

وسد من دون من يخشى بأستار

سار الأريقط [بهدينا وأينقه](1)

ينعين بالقوم [نعياً](2) تحت أكوار

حتى إذا قلت قد انحد (3) عارضنا

من مدلجٍ فارس في منصب واري

فقال كرو فقلنا إن كرتنا

من دون ذلك نصر الخالق الباري

إن يخسف الله بالأحوى وفارسه

فانظر إلى أربع في الأرض غوار

فهيل لما رأى أرساغ مهرته

يرسخن (4) في الأرض لم تحفر [134 - ب][بمحفار](5)

فقال هل لكموا أن تطلقوا فرسي

وتأخذوا موثقاً من نصح أسراري

فادعوا الذي كف عنكم أمر عدوتنا

يطلق جوادي فأنتم خير أبرار

فقال قولاً رسول الله مبتهلاً

يا رب إن كان غير إخمار

(1) بياض في الأصل، تممناه من المصادر التي أوردت الأبيات.

(2)

بياض في الأصل، تممناه من المصادر التي أوردت الأبيات.

(3)

كذا وفي المصادر: أنجدن.

(4)

كذا وفي المصادر: قد سخن.

(5)

بياض في الأصل، تممناه من المصادر.

ص: 342

فنجه سالماً من شر دعوتنا

ومهره مطلقاً من كلم آثار

فأظهر الله إذ يدعو حوافره

وفاز فارسه من هول أخطار

وقوله: وقيل بل على القول الثاني: علي أولهم إسلاماً، ورُوي عن زيد بن أرقم، وأبي ذر، والمقداد بن الأسود، وأبي أيوب، وجماعة من الصحابة والتابعين.

وأنشد المرزباني لخزيمة بن ثابت في ذلك:

أليس أَوَّل من صَلَّى لقبلتهم

وأعلم الناس بالقرآن والسنن

قال الحاكم: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أن علياً أولهم إسلاماً، وإنما اختلفوا في بلوغه.

وقوله: «ومدَّعِي إجماعه» يعني أن هذا الذي ادَّعَاه الحاكم قال ابن الصلاح: لم يُقبل، واستنكر هذا من الحاكم.

وقوله: «زيد» هذا القول الثاني: أن أولهم إسلاماً زيد بن حارثة، فيما نص عليه معمر عن الزهري.

وقوله: «وادَّعى» (خ) هذا القول الرابع: أولهم إسلاماً خديجة، فيما روي عن ابن عباس، والزهري أيضاً، وبه قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، في آخرين، وصَوَّبه النووي، عند جماعة من المحققين، وادَّعى الثعلبي المفسر [135 - أ] إجماع العلماء على ذلك، وأن اختلافهم إنما هو في أوَّل من أسْلَم بعدها.

وقوله: «مَنْ سَلَف» فاعل اختلف. و «قبلُ» بُنِي على الضم، كذا ذكره

ص: 343

(ن)(1).

وقوله:

808 -

وَمَاتَ آخِراً بِغَيْرِ مِرْيةِ

أبُو الطُّفَيْلِ مَاتَ عَامَ مِائَة

809 -

وقَبْلَهُ السَّائِبُ بالمَدِينَةِ

أَوْ سَهْلٌ اوْ جَابِرٌ اوْ بِمَكَّة

810 -

وقِيلَ: الاخِرُ بِهَا: ابنُ عُمَرَا

إنْ لا أبُو الطُّفَيْلِ فِيهَا قُبِرَا

811 -

وأَنَسُ بنُ مالِكٍ بالبَصْرَةِ

وابنُ أبي أوْفَى قَضَى بالكُوْفَة

812 -

والشَّامِ فَابْنُ بُسْرٍ اوْ ذُو باهِلَهْ

خُلْفٌ، وقِيلَ: بِدِمَشْقٍ وَاثِلَهْ

813 -

وَأنَّ في حِمْصٍ ابنُ بُسْرٍ قُبِضَا

وأنَّ بالجزيرةِ العُرْسُ قَضَى

814 -

وبِفَلَسْطِينَ أبُو أُبَيِّ

ومِصْرَ فابنُ الحارِثِ بنِ جُزَيّ

815 -

وقُبِضَ الهِرْمَاسُ باليَمَامَةِ

وقَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ ببَرْقة

816 -

وقِيلَ: إفْرِيقِيَّةٍ وسَلَمَهْ

بادِياً اوْ بِطِيبَةَ المُكَرَّمَهْ

الشرح: أشار بهذه الأبيات إلى آخر من مات من الصحابة مُطْلَقاً [و](2) مقيداً بالبلدان والنواحي.

فأما آخرهم موتاً مطلقاً: أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مائة من الهجرة، نص عليه الحاكم في «المستدرك» عن خليفة بن خياطٍ شباب

(1)(2/ 145).

(2)

زيادة من المصدر.

ص: 344

العُصْفُري، وكذا رواه مسلم في «صحيحه» من رواية ابن سفيان، قال: قال مسلم: مات أبو الطفيل سَنَة مائة، وكان آخر مَنْ مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [135 - ب].

وقوله: «عام مائة» هذا هو الصحيح، وقيل: تَأخَّر بعد المائة، وقيل: مات سنة اثنتين ومائة، وبه جزم ابن حبان، وابن قانع، وابن مَنْدَه، وصَحَّح الذهبيُّ في «الوفيات» أنه مات سنة عشر ومائة، لما روي وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازة فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطُّفيل.

وحَكَى بعضُ المتأخرين عن ابن دُرَيد أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجَمَل مائة سنة.

قال شيخنا (ن)(1): باطلاً (2) لا أصل له، أوقع ابنَ دريد فيه ابن قتيبة في «المعارف» وهو باطل أو مؤول بأنه كَمَّل بعد الجَمَل مائة سنة، لا أنه بقي بعدها مائة سنة.

وقوله: «وقبله» (خ) يعني: أن آخر من مات مقيداً بالنواحي كالمدينة المشرفة: السائب بن يزيد سنة اثنتين، أو ست، أو ثمان وثمانين، أو إحدى وتسعين خلاف، ومولده [في](3) الثانية أو الثالثة من الهجرة.

(1)(2/ 147).

(2)

كذا.

(3)

زيادة من المصدر.

ص: 345

وقوله: «أو سهل» (خ) يعني: وقيل أن آخرهم موتاً بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري في نصِّ ابن المديني، والواقدي، وابن سعد، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، ومحمد بن سعد، وادَّعَى نفي الخلاف فيه، فقال: ليس بيننا في ذلك اختلاف.

واختُلف في وفاة سهل بالمدينة، والجمهور على أنه مات بها، وقال قتادة: بمصر، وقيل: بالإسكندرية.

وقيل: إن آخرهم موتاً بالمدينة جابر بن عبد الله، فيما [136 - ب] رواه الإمام أحمد عن قتادة، وصَدَّر به ابن الصلاح.

وقوله: «أو بمكة» يعني: أنه اختُلف في الموضع الذي مات فيه جابر، والجمهور أنه بالمدينة، أو بقباء، أو بمكة أقوال.

وقوله: «وقيل الآخر بها» يعني أن آخرهم موتاً بمكة جابر بن عبد الله المذكور، والمشهور بالمدينة، كما ذكرنا، وقيل: آخرهم موتاً بها عبد الله بن عمر فيما نصَّ عليه أبو الشيخ ابن حَيَّان في «تاريخه» .

وقوله: «إن لا» (خ) يعني أن جابراً أو ابن عمر إنما يكون آخر من مات بمكة إن لم يكن ابن الطفيل مات بها كما قيل، والصحيح أن أبا الطفيل مات بمكة.

وقوله: «وأنس بن مالك» (خ) يعني: أن آخرهم موتاً بالبصرة أنس بن مالك فيما نص عليه جماعة ومنهم قتادة.

وقوله: «وابن أبي أوفى» (خ) يعني أن آخرهم موتاً بالكوفة عبد الله بن أبي

ص: 346

أوفى في قول جماعة، ومنهم قتادة، وابن أبي أوفى آخر من بقي ممن شهد بيعة الرضوان.

وقوله: «والشام فابنُ بُسر» (خ) يعني أن آخرهم موتاً بالشام: عبد الله بن بُسْر المازني، في قول جماعة منهم الأحوص بن حكيم، والذهبي بِأَخرة.

قلت: وبُسر: بضم الباء الموحدة، وإسكان السين، وبالراء المهملتين. انتهى.

وقوله: «أو ذو باهلة خُلْف» (خ) يعني: وقيل: إن آخرهم موتاً بالشام أبو أمامة صُدَي بن عَجْلان البَاهلي، وهو قول جماعة، ومنهم الحسن البصري، وابن عُيينة، وبه جزم ابنُ منده.

قلت: وقوله: خُلْف: بضم الخاء، وإسكان [136 - ب] اللام، مرفوع على الابتداء المحذوف الخبر، أي: في ذلك اختلاف.

والفاء في قوله: «فابن بسر» وما عطف عليه دخلت عن الخبر عن قوله بالشام أو ذو باهلة في ذلك اختلاف (1).

وقوله: «بدمشق» (خ) هذه طريقةٌ سَلَكها ابن منده في آخر من بقي في نواحي الشام المنسوبة إلى دمشق وحمص وفلسطين، فقال في الجزء الذي جمعه في آخر الصحابة موتاً: آخرهم موتاً بدمشق منهم: واثلة بن الأسقع الليثي، وقيل ببيت المقدس، وقال ابن قانع بحمص.

(1) كذا وقعت العبارة في الأصل، ولعل صوابها: دخلت [على] الخبر [فمعنى] قوله: بالشام [ابن بسر] أو ذو باهلة في ذلك اختلاف.

ص: 347

وقوله: «وإن في حمص» (خ) يعني: وقال في هذا الجزء: آخر من مات بحمص، ومنهم: عبد الله بن بسر.

قلت: فقوله: «وإن» (خ) هو بكسر «إن» على الحكاية لقوله: «وقيل» أي: إن.

وقوله: «وأنَّ بالجزيرة» (خ) يعني: وآخر مَنْ مَات منهم بالجزيرة العُرْس، قلت: والعُرْس بضم العين، وإسكان الراء، وبالسين المهملات، وهو ابن عُميرة الكِنْدي.

وقوله: «وبفلسطين» (خ) يعني وآخر من مات بفلسطين أبو أُبي عبد الله بن أم حرام، وهو ابنُ امرأة عبادة بن الصامت، واسمه عبد الله بن عمرو بن قيس، وقيل: عبد الله بن أُبَي، وقيل: بن كعب.

قلت: «وبفلسطين» بكسر الفاء، وفتح اللام، وإسكان السين المهملة، وبعده طاء مهملة، فمثناة تحت ساكنة، فنون، أحد أقسام الشَّام الخمسة، وأول حدودها من طريق مصر:«أمج» بفتح الهمزة، والميم، وبعده [137 - أ] جيم، وهي العريش، ثم غَزَّة، ثم الرملة، ومن مدن فلسطين إيلياء، وهي بيت المقدس، بينها وبين الرملة نحو ثمانية عشر ميلاً انتهى.

و «أبو أُبي» بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد الياء بعده، وهو مَنْ ذكرناه.

وقوله: «ومصر» (خ) يعني: آخر من مات بمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، فيما نصه ابنُ عيينة، وابنُ منده، وغيرهما.

قلت: وذكر الطحاوي أنه مات بسَفط القدور، وهي التي تُعْرَف اليوم بسفط

ص: 348

أبي تراب. وقيل: مات باليمامة، وهو آخر من شَهِد بدراً موتاً عند ابن منده، قال شيخنا (ن)(1) ولا يَصِحُّ شهودُه بدراً.

و «جزء» ، قلت: بفتح الجيم، وإسكان الزاي، وإبدال الهمزة، ياء موافقةً للقافية.

وقوله: «وقُبِض الهِرْمَاس» (خ) يعني: وآخرهم موتاً باليمامة الهرماس بن زيادٍ الباهلي، وعن عكرمة بن عمار قال: لقيت الهرماس سنة اثنتين ومائة.

قلت: «والهِرْماس» بكسر الهاء، وإسكان الراء المهملة، وبعده ميم، فألف، فسين مهملة.

وقوله: «وقَبْلَه» (خ) يعني: وآخرهم موتاً ببرقة: رويفع [بن ثابت الأنصاري، وهو أمير عليها لمسلمة بن](2) مخلد، وقبره معروف إلى اليوم، وذكر الليث ابن سعد أنه مات بِأَنْطَابُلُس، وقيل: بالشام.

قلت: و «رُوَيْفع» بضم الراء المهملة، وفتح الواو، وبعده مثناة تحت ساكنة، ففاء مكسورة، فعين مهملة.

قلت: و «إفريقية» بكسر الهمزة، وإسكان الفاء، وكسر الراء المهملة، وبعده مُثناة تحت ساكنة، فقاف مكسورة، فمثناة تحت مفتوحة، فهاء تأنيث [137 - ب]. سُمِّيَت بإفريقيس بن أَبْرَهة ملك اليمن؛ لأنه أول من افتتحها. وروي أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح طرابلس كَتَبَ إلى عمر بن

(1)(2/ 157).

(2)

زيادة من المصدر.

ص: 349

الخطاب رضي الله تعالى عنه بما فتح الله عليه، وأنه ليس أمامه إلا إفريقية، فكتب إليه عُمَر إذا ورد عليك كتابي هذا فاطو دواوينك، ورُد عَليَّ جندي، ولا تدخل إفريقية في شيء من عهدي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إفريقية لأهلها غير مجمعة، ماؤها قاسٍ لا يشربه أحد من المسلمين إلا اختلفت قلوبهم» ، فأمر عمر بن العاصي العسكر بالرحيل قافلاً. انتهى.

وقوله: «وسَلَمة» (خ) يعني: وآخرهم موتاً بالبادية سلمة بن الأكوع، فيما نص عليه ابن منده، والصحيح أنه مات بطيبة، ورجَّحَه ابن الصلاح.

تنبيه: وذكر ابن منده في هذا الجزء أن آخر من مات بخراسان: بُرَيدة بن الحُصَيب، وآخر من مات بالرُّخِّج العدَّاء بن خالد بن هَوذَة، والرُّخِّج بكسر الخاء المعجمة مشددة، من أعمال سجستان، وذكر بعضهم أن آخر من مات بأصبهان: النابغة الجعدي، نَصَّ عليه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيين» ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ، وآخر من مات بالطائف: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

ص: 350