الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - أحكام الدعاء
- الدعاء: هو سؤال العبد ربه حاجته.
- حكم الدعاء:
الدعاء مشروع كل وقت، ومندوب إليه في كل آن، لم يجعل الله له حداً محدوداً، ولا زماناً موقوتاً.
قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر:60].
- أنواع الدعاء:
الدعاء نوعان:
1 -
دعاء ثناء: وهو التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته في حصول محبوب، أو دفع مكروه، أو كشف ضر كما قال سبحانه:
2 -
دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو كشف ضر.
قال الله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)}
…
[آل عمران:16].
والدعاء هو العبادة، وكل واحد من النوعين مستلزم للآخر، متضمن له.
- أفضل الدعاء:
أفضل الدعاء ما جمع بين التضرع والخفية.
فإخفاء الدعاء أكمل إيماناً وإخلاصاً، وأبلغ في الخضوع والخشية، وأعظم في الأدب والتوقير لله عز وجل، وأقوى في جمعية القلب على الله سبحانه، وأدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب.
وإخفاء الدعاء يدل على قرب صاحبه من ربه.
1 -
قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة:186].
2 -
وقال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف:55].
- أفضل دعاء الخلق:
أفضل دعاء الخلق دعاء الأنبياء والرسل، وكله ليس فيه طلب لعَرَض من أعراض الدنيا؛ بل كله لطلب الإيمان والعلم النافع، والعمل الصالح، والفوز بالجنة والرضوان، والنجاة من النار.
فهذا دعاء القلوب التي عرفت ربها وفاطرها، وعرفت ما عنده من الخير والنعيم، فأصبحت تحتقر ما عداه، كما قال سليمان صلى الله عليه وسلم:{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)} [النمل:19].
- أفضل ما يسأله العبد ربه:
أمرنا الله عز وجل أن نسأله كل شيء من خيري الدنيا والآخرة.
وأعظم ما يسأل العبد ربه إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وأنفع الدعاء طلب العون على مرضاة الله.
فهذا أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب.
وحتى يستجاب هذا الدعاء، علّمنا الله كيف نسأله.
فأمرنا أن نقدم بين يدي سؤالنا حمد الله، والثناء عليه، وتمجيده، ثم الإقرار بعبوديته وتوحيده، فهذا لا يكاد يرد معه الدعاء كما قال سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة:2 - 6].
وأمهات مطالب السائلين من رب العالمين أربع:
1 -
إما خير موجود: فيُطلب دوامه وثباته، وأن لا يُسْلَبه كالإيمان والأعمال الصالحة.
2 -
وإما خير موعود: فيُطلب حصوله كالوصول إلى الجنة.
هذا ما يتعلق بالخير، أما الشر فنوعان:
1 -
شر موجود: فيَطلب من ربه رفعه كالذنوب والسيئات.
والذنوب والسيئات إذا افترقا فمعناهما واحد، وإذا اجتمعا فالمراد بالذنوب الكبائر، والمراد بالسيئات الصغائر.
2 -
شر معدوم: فيَطلب بقاءه على العدم، والنجاة منه كالنار والمصائب.
وقد ذكر الله هذه المطالب كلها في قوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا
تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)} [آل عمران:193 - 195].
- ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز:
الدعاء على ثلاثة أضرب:
1 -
دعاء أمر الله العبد به إما أمر إيجاب، أو أمر استحباب كالأدعية الواردة في العبادات وغيرها مما ورد في القرآن والسنة، فهذا يحبه الله ويرضاه ويثيب عليه.
2 -
دعاء نهى الله العبد عنه كالاعتداء في الدعاء.
مثل أن يسأل العبد ما هو من خصائص الرب، كأن يسأل الله أن يجعله بكل شيء عليم، أو على كل شيء قدير، أو يطلعه على الغيب ونحو ذلك.
فهذا الدعاء لا يحبه الله، ولا يرضاه.
3 -
دعاء مباح كأن يسأل العبد الفضول التي لا معصية فيها.
- حكم طلب الدعاء من الناس:
الأصل أن يدعو كل مسلم بنفسه لنفسه ولغيره.
ويجوز طلب الدعاء من الفاضل الحي لعارض وسبب.
1 -
قال الله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)} [يوسف:97 - 98].
2 -
وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ قَامَ
رَجُلٌ فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللهَ أنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. متفق عليه (1).
3 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ امَرْأَةً سَوْدَاءَ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ:«إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. متفق عليه (2).
- فضل الدعاء للغير:
1 -
قال الله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)} [نوح:28].
2 -
وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» . أخرجه مسلم (3).
- حكم التوسل:
التوسل الذي جاءت به الشريعة أنواع:
أحدها: التوسل إلى الله بالإيمان به وطاعته، كما قال سبحانه:
الثاني: التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (932) ، واللفظ له، ومسلم برقم (897).
(2)
متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5652) ، ومسلم برقم (2576) ، واللفظ له.
(3)
أخرجه مسلم برقم (2733).
كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. أخرجه الترمذي وابن ماجه (1).
الثالث: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره، كما قال أيوب صلى الله عليه وسلم:
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى إجابته من الأحياء الصالحين.
كمَا قالَ الأعرَابِي يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهمَّ اسْقِنَا، اللَّهمَّ اسْقِنَا، اللَّهمَّ اسْقِنَا» . متفق عليه (2).
الخامس: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة. متفق عليه (3).
فهذا كله من التوسل المشروع.
أما التوسل إلى الله سبحانه بذوات الصالحين وجاههم أحياءً أو أمواتاً، فهذا كله بدعة ووسيلة من وسائل الشرك الأكبر؛ بل هذا من الغلط والجهل الذي تتابع عليه الجهال.
فما أجهل من يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبور الأنبياء الصالحين، ثم يشكو لهم الحال، ويسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء الأسقام.
والله يقول: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ
(1) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم (3513) ، وهذا لفظه، وأخرجه ابن ماجه برقم (3850).
(2)
متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1013) ، واللفظ له، ومسلم برقم (897).
(3)
متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3464) ، ومسلم برقم (2964).
تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر:13 - 14].
ويقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} [الأعراف:188].
- مفاسد سؤال الخلق:
في سؤال الخلق ثلاث مفاسد:
الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهذا نوع من الشرك.
الثانية: مفسدة إيذاء المخلوق، وهذا نوع من الظلم.
الثالثة: مفسدة ذل العبد لغير خالقه، وهذا ظلم للنفس.
- من يسأل العبدُ حاجته؟:
ما يحتاجه العباد قسمان:
أحدهما: ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا لا يطلب إلا من الله وحده سبحانه، فهو القادر عليه وحده دون سواه مثل:
هداية القلوب .. غفران الذنوب .. شفاء المرضى .. إنزال المطر .. إنبات النبات .. كشف الكربات .. ونحو ذلك من جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني: ما يقدر عليه الناس، فيستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من النصر، والعون، والعطاء ونحو ذلك مما أقدره الله عليه.
فالأول لا يطلب إلا من الله وحده، ومن طلبه من غيره فقد أشرك.
والثاني يطلب من الله دائماً، ويطلب من غيره ممن يقدر عليه عند الضرورة.
- كيفية الحصول على المحبوب:
الناس في تحصيل مرادهم بالأسباب والدعاء أربعة أقسام:
1 -
منهم من فعل الأسباب المأمور بها، وسأل ربه سؤال من لم يُدْلِ بسبب أصلاً، بل سؤال يائس ليس له حيلة ولا وسيلة، فهذا أعلم الخلق، وأحزمهم، وأفضلهم.
2 -
منهم من لم يفعل الأسباب، ولم يسأل ربه، فهذا أجهل الخلق وأمهنهم، وأعجزهم.
3 -
منهم من فعل الأسباب، ولم يسأل ربه، فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله على الأسباب، لكنه منقوص لا يحصل له ما يريد إلا بجهد، فإذا حصل له فهو قليل البركة، سريع الزوال.
4 -
منهم من نبذ الأسباب وراء ظهره، وأقبل على الطلب والدعاء، فهذا يُحمد إن كانت الأسباب محرمة، ويُذم إذا كانت الأسباب مأموراً بها كمن يطلب الولد من غير نكاح، فيترك النكاح، ويسأل ربه أن يرزقه الولد.
- أحوال الدعاء مع البلاء:
الدعاء من أنفع الأدوية الشافية بإذن الله، وهو عدو البلاء، يمنع نزوله، ويرفعه إذا نزل أو يُخففه.
وللدعاء مع البلاء ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه.
الثانية: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء.
الثالثة: أن يتقاوم الدعاء والبلاء، ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
- موانع إجابة الدعاء:
الدعاء من أقوى الأسباب في حصول المطلوب، ودفع المكروه.
وقد يتخلف عن الدعاء أثره لما يلي:
إما لضعف القلب وعدم إقباله على الله تعالى وقت الدعاء.
وإما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان.
وإما لوجود المانع من الإجابة من أكل الحرام، والملبس الحرام، وضعف اليقين، واستيلاء الغفلة، والظلم والعدوان، وتراكم الذنوب على القلب.
وإما استعجال الإجابة، وترك الدعاء.
وربما منعه الله في الدنيا ليعطيه في الآخرة أعظم منه.
وربما منعه وصرف عنه من الشر مثله.
وربما كان في حصول المطلوب زيادة إثم، فكان المنع أولى.
وربما منعه لئلا ينشغل به عن ربه فلا يسأله ولا يقف ببابه.
- فقه إجابة الدعاء:
كل من دعا الله أجابه، وليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضياً عنه، أو محباً له، أو راضياً بفعله، فالله سبحانه مالك كل شيء، وعنده خزائن كل شيء، يسأله من في السماوات ومن في الأرض، يسأله المؤمن والكافر .. والبَرّ والفاجر .. والمطيع والعاصي.
وكثير من الناس يدعو دعاءً يعتدي فيه، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مرضي لله، ويرى أن الله لرضاه عنه يسارع له في الخيرات، فهذا من المغرورين الذين قال الله عنهم: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)} [المؤمنون:55 - 56].
بل هو استدراج كما قال سبحانه: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} [الأنعام:44].
فالدعاء له حالتان:
1 -
إما أن يكون عبادة يثاب عليها الداعي كسؤال الله الإعانة والمغفرة ونحوهما.
2 -
أو يكون مسألة تقضى به حاجته، ويكون مضرة عليه، تنقص به درجته، ويقضي الله حاجته، ويعاقبه على ما أضاع من حقوقه، وتجاوز حدوده.
- شروط الدعاء:
الدعاء بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط.
فمتى كان السلاح تاماً لا آفة به .. والساعد ساعداً قوياً .. والمانع مفقوداً، حصلت به النكاية في العدو.
ومتى تخلفت الثلاثة أو واحد منها تخلف الأثر.
والدعاء سلاح المؤمن، ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
وبقدر قوة اليقين على الله، والاستقامة على أوامره، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله، تكون إجابة الدعاء بما هو أصلح للعبد.
وإذا حصل الدعاء بشروطه:
فالله إما أن يعطي السائل حالاً .. أو يؤخره ليُكثر السائل من البكاء والتضرع .. أو يعطيه الله شيئاً آخر أنفع له من سؤاله .. أو يرفع به عنه بلاءً .. أو يؤخره إلى يوم القيامة.
فالله أعلم بما يصلح لعباده فلا نستعجل {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق:3].
…
[البقرة:186].
- أوقات الدعاء:
الدعاء له ثلاث حالات:
1 -
تارة يكون قبل العمل طلباً للعون عليه، كما قال سبحانه في غزوة بدر:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} [الأنفال:9].
2 -
وتارة يكون أثناء العمل طلباً للثبات عليه، والاستمرار فيه، والعون عليه، وإخلاصه وقبوله كما قال سبحانه:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة:127 - 128].
3 -
وتارة يكون بعد العمل، ثناءً على الله، واستغفاراً لما حصل من تقصير كما قال سبحانه:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر:1 - 3].
- قيمة المؤمن عند ربه:
المؤمن كريم على ربه، الله يحبه، ويحب عمله، ويضاعف أجره، ويتحبب
إليه بالنعم، ويتودد إليه بالعفو، ويغفر ذنوبه وزلاته، ويقبل أعماله حياً وميتاً.
المؤمن نائم على فراشه، والملائكة يستغفرون له، والأنبياء يدعون له، والمؤمنون إلى يوم القيامة يستغفرون له.
فالملائكة يستغفرون له، ويدعون له كما قال سبحانه:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)} [غافر:7].
والأنبياء والرسل يستغفرون له، ويدعون له.
فقال نوح صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)} [نوح:28].
وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)} [إبراهيم:41].
وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [محمد:19].
والمؤمنون يستغفرون له، ويدعون له كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر:10].