الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9 - فقه أحكام الأسماء والصفات
قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [محمد: 19].
وقال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)}
…
[الأعراف: 180].
الإيمان بأسماء الله وصفاته أحد أركان الإيمان بالله، بل هو أعظمها، وتوحيد الله بها أحد أقسام التوحيد، ولا يمكن لأحد أن يعبد الله على الوجه الأكمل، حتى يكون على علم بأسماء الله وصفاته، ليعبد ربه على بصيرة، ويدعوه بأسمائه الحسنى التي أمره أن يدعوه بها:
إما دعاء مسألة، بأن يقدم بين يدي مطلوبه من أسماء الله ما يناسب حاله كأن يقول: يا رزاق ارزقني، أو يا رحمن ارحمني ونحوهما.
وإما دعاء عبادة، بأن تعبد الله سبحانه بمقتضى أسمائه، فتقوم بالتوبة إليه، لأنه هو التواب، وتتعبد له بجوارحك، لأنه البصير، وتذكره بلسانك، لأنه السميع، وتخشاه في السر، لأنه اللطيف الخبير، وهكذا في بقية الأسماء.
وأسماء الله عز وجل كلها حسنى، وهي بالغة في الحسن غايته، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
فالحي من أسماء الله عز وجل، وهو متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والسمع والبصر والقوة والقدرة وغيرها من صفات الكمال.
والعليم من أسماء الله سبحانه، متضمن للعلم الكامل، الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، العلم الواسع الشامل، المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه كما قال سبحانه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام: 59].
…
[التغابن: 4].
وأسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف .. فهي أعلام باعتبار دلالتها على مسمى واحد وهو الله عز وجل .. وهي أوصاف باعتبار ما دلت عليه من الصفات المختلفة الجامعة لصفات الكمال والجلال والجمال.
فهي بالاعتبار الأول مترادفة، لدلالتها على مسمى واحد وهو الله.
وهي بالاعتبار الثاني متباينة، لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص.
فالعليم والقدير والرحيم والسميع والبصير والعزيز والحكيم، كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله سبحانه، لكن معنى العليم غير معنى القدير، ومعنى السميع غير معنى البصير، وهكذا.
ومثل هذا أسماء كتاب الله، واسماء رسله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء الجنة، وأسماء النار، فلكل عدة أسماء باعتبار الصفات، ومسماها واحد باعتبار الذات.
وأسماء الله عز وجل توقيفية، فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، وقول على الله بلا علم، وذلك من أعظم الذنوب، فيجب الحذر منه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)[الإٍسراء: 36].
وأسماء الله جل جلاله غير محصورة بعدد .. لا يعلمها إلا الله .. منها ما سمى الله به نفسه .. وأنزله في كتابه .. أو علمه أحداً من خلقه .. ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده.
وأسماء الله تبارك وتعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
الأول: ثبوت ذلك الاسم لله سبحانه.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله سبحانه.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
فالسميع مثلاً، يتضمن إثبات السميع اسماً لله عز وجل.
وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع جميع الأصوات، ويسمع السر والنجوى كما قال سبحانه:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)} [المجادلة: 1].
أما إن دل الاسم على وصف غير متعد فيتضمن أمرين:
الأول: ثبوت ذلك الاسم لله تعالى.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها الاسم لله تعالى.
فالحي مثلاً، يتضمن إثبات الحي اسماً لله عز وجل، ويتضمن إثبات الحياة صفة له، كما قال سبحانه:{هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)}
…
[غافر: 65].
وكما أنه سبحانه مختص بالعبادة وحده، فكذلك هو مختص بالأسماء الحسنى وحده، فلا يجوز الإلحاد في أسماء الله تعالى، وهو الميل بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم، لأن الله تعالى هدد الملحدين بقوله سبحانه:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف: 180].
والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: صفات كمال مطلق كالقوة والعزة ونحوهما، فهذه ثابتة لله وحده.
الثاني: صفات كمال مقيد كالخداع والمكر والكيد، وهذه لا يوصف الله بها إلا بقيد، فنقول الله يمكر بالماكرين، ويستهزئ بالمنافقين، ويخادع من خادعه، ويكيد لمن كاد أولياءه.
الثالث: صفات نقص مطلق كالعجز والخيانة ونحوهما، فهذه لا يوصف الله بها، لأنها نقص على الإطلاق.
وصفات الله تبارك وتعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة، والعزة، والقدرة، والعلم، والسمع، والبصر، والرحمة، والعظمة وغيرها من صفات الكمال والجلال والجمال.
وإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت والجهل، والنسيان والعجز، والعمى والصمم ونحوها.
كما قال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58].
وقوله سبحانه: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)} [طه: 52].
وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)} [فاطر: 44].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِباً، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتعالى جَدُّه» متفق عليه (1).
وقد نزه الله نفسه عما يصفه به الجاهلون من النقائص فقال سبحانه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} [الصافات: 180 - 182].
وإذا كانت الصفة كمالاً في حال، ونقصاً في حال، فلها حكمان:
فتجوز في الحال التي تكون كمالاً، وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً، وذلك كالكيد والمكر، والاستهزاء والخداع ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابل من يعاملون الفاعل بمثلها، وتكون نقصاً ومذمومة في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها.
فالمكر كقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال: 30].
والكيد كقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)} [الطارق: 15، 16].
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2992) واللفظ له، ومسلم برقم (2704).
والاستهزاء كقوله عن المنافقين: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: 14، 15].
والخداع كقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].
وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، لأن كل اسم متضمن لصفة، فالعليم متضمن للعلم، والعزيز متضمن للعزة، ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله سبحانه لا منتهى لها، كما قال سبحانه:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)} [لقمان: 27].
ومن صفات الله التي يوصف بها ولا يسمى بها المجيء والإتيان، والنزول والكلام، والأخذ والإمساك، والبطش والإرادة، وغير ذلك من الصفات التي لا تحصى.
فالمجيء كقوله سبحانه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22].
والإتيان كقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210].
والنزول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ! وَمَنْ يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ! وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (1).
والكلام كقوله سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)} [النساء: 164].
والأخذ كقوله: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11].
والإمساك كقوله: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65].
والبطش كقوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)} [البروج: 12].
والإرادة كقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1145)، ومسلم برقم (758) واللفظ له.
فنصف الله بما وصف به نفسه من غير تكييف ولا نسميه به، فلا نقول من أسمائه الجائي والآتي والنازل وهكذا البقية، وإن كنا نخبر بذلك عنه، ونصفه به على ما يليق بجلاله.
وصفات الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين:
صفات ثبوتية .. وصفات سلبية.
فالصفات الثبوتية: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم، والقدرة والرحمة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء لفصل القضاء، والعين والوجه واليدين ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به، لأن الله أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وهو أصدق قيلاً، فيجب قبول ما جاء عن الله بلا تردد، وكذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل يجب قبوله، فهو أعلم الناس بربه، وأصدقهم خبراً، وأنصحهم إرادة.
والصفات السلبية: هي ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات نقص في حقه كالموت والنوم، والعجز والتعب، والجهل والنسيان، والغفلة والظلم، ونحو ذلك من صفات النقص التي يجب نفيها عن الله عز وجل، وإثبات ضدها على الوجه الأكمل.
وكل ما نفاه الله عن نفسه، فالمراد به إثبات كمال ضده، كما قال سبحانه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58].
فنفي الموت عنه سبحانه يتضمن كمال حياته، ونفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله كما قال سبحانه:{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف: 49].
والصفات الثبوتية لله جل جلاله صفات مدح وكمال، وكذا الصفات السلبية، لكن الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية التي لم تذكر غالباً إلا لبيان عموم كماله سبحانه كما قال عز وجل: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].
أودفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بأمر معين كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)} [ق:38].
وصفات الله عز وجل من الأمور الغيبية التي يجب على العبد أن يؤمن بها على ما جاءت، إذ لا يمكن في الأمور الغيبية أن يدركها العقل، وحينئذ لا نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا نكيف صفاته، لأن ذلك غير ممكن، وإذا كان نعيم الجنة، أو الروح كلاهما موصوف بصفات معلومة المعنى، ولا تعلم حقيقتهما، فكيف بالخالق جل جلاله.
وصفات الله تبارك وتعالى نوعان:
صفات ذاتية .. وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية هي التي لم يزل ولا يزال الله متصفاً بها، وهي ملازمة للذات لا تنفك عنها أبداً، وهي نوعان: معنوية .. وخبرية.
فالمعنوية كالحياة والعلم، والقدرة والحكمة، والعزة والغنى، وما أشبه ذلك، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
والخبرية مثل الوجه واليدين والعينين والقدمين، وما أشبه ذلك.
فهذه الصفات الذاتية، المعنوية والخبرية كلها ملازمة للذات لا تنفك عنها.
أما الصفات الفعلية، فهي الصفات المتعلقة بمشيءته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، وهي نوعان:
صفات لها سبب معلوم مثل الرضا والسخط، والحب والكره، ونحو ذلك، فالله عز وجل إذا وجد سبب المرض رضي كما قال سبحانه:{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7].
وإذا وجد سبب السخط من أحد سخط الله عليه كما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)} [محمد: 28].
وصفات ليس لها سبب معلوم كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (1).
ومن الصفات ما هو صفة ذاتية وفعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيءته، يتكلم متى شاء، بما شاء كما قال سبحانه:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: 82].
وكل صفة تعلقت بمشيءته فإنها تابعة لحكمته، سواء أدركنا الحكمة أو جهلناها، لكننا نعلم علم اليقين أن الله عز وجل لا يشاء شيءاً إلا وهو موافق للحكمة كما يشير إليه قوله سبحانه:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)}
…
[الإنسان: 30].
وأسماء الله عز وجل وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها، فلا نثبت لله تعالى من الأسماء والصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، فنثبت لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، إثباتاً يليق بجلاله بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل.
فأسماء الله وصفاته لا يماثلها شيء من أسماء المخلوقين وصفاتهم، وكما لا نعلم كيفية ذاته عز وجل، فكذلك لا نعلم كيفية أسمائه وصفاته:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}
…
[الشورى: 11].
ولا علم لأحد بكيفية صفات الله عز وجل، لأنه عز وجل أخبرنا بها، ولم يخبرنا عن كيفيتها.
فيجب الكف عن التكييف تقديراً بالجنان، أو كلاماً باللسان، أو تحريراً بالبنان
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1145)، واللفظ له، ومسلم برقم (758).
كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4].
والله عز وجل هو الملك الذي له ملك السموات والأرض، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلا، وأسماؤه وصفاته لا تحصى أنواعها فضلاً عن أفرادها.
وأسماء الله وصفاته وأفعاله مطلقة في الكمال والحسن، لا تتناهى ولا تنقطع بآخر، ولا تحد بأول، كعلمه ورحمته وقدرته وسائر صفاته.
فسبحان الملك الحق، ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة:{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)} [الجاثية: 36، 37].
وكيفية الشيء لا تدرك إلا بمشاهدته .. أو مشاهدة نظيره .. أو خبر الصادق عنه.
فالله أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا كيف استوى، وأخبرنا أنه ينزل إلى السماء الدنيا، ولم يخبرنا كيف ينزل، وأخبرنا أنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ولم يخبرنا كيف يجيء، وأسماء الله وصفاته ثابتة ومعلومة، ولها كيفية، ولكننا لا نعلم كيفيتها، فما من موجود إلا وله كيفية، وكما لا نعلم ذاته سبحانه، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.
فيجب الحذر من القول على الله بلا علم كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].
وما يجري صفةً أو خبراً على الرب تبارك وتعالى أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولنا: ذات وموجود وشيء.
الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله سبحانه نحو الخالق والرازق.
الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتاً
كالقدوس والسلام.
الخامس: الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة نحو المجيد، والعظيم والصمد والرب، فهذه الأسماء تدل على من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين أو الوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، أو العزيز الحكيم، أو العفو الغفور ونحو ذلك.
فالغنى صفة كمال، والحمد صفة كمال، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله سبحانه ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وهكذا في باقي الأسماء.
ولا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيداً، أن يشتق له منه اسم مطلق كما ورد في القرآن لفظ (يضل ويمكر وفتنا) ونحوها.
فهذه أفعال مخصوصة لا يجوز أن يطلق منها أسماء على الرب كالمضل والماكر والفاتن، فأسماء الله توقيفية وصفاته كذلك.
أما الاسم إذا أطلق عليه كالسميع والبصير، فيجوز أن يشتق منه المصدر كالسمع والبصر، والفعل نحو سمع، ويسمع.
وأفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم.
فالرب سبحانه وتعالى فعاله عن كماله، والمخلوق كماله عن فعاله، فاشتقت الأسماء للمخلوق بعد أن كمل بالفعل.
أما الرب فهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته، ولم يزل كاملاً، فحصلت أفعاله عن كماله، لأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته.
فأفعاله كلها صادرة عن كماله، كمل سبحانه ففعل كل شيء، والمخلوق فعل فكمل الكمال اللائق به.
وما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم، فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلا.
وأسماء الله عز وجل منها ما يطلق عليه مفرداً، أومقترناً بغيره، وهو غالب الأسماء كالعزيز والحكيم، والسميع والبصير، والعفو والغفور، فتقول مثلاً سبحان العزيز، أو سبحان العزيز الحكيم.
ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقروناً بمقابله كالمعطي المانع، والنافع الضار، والمعز المذل ونحوها.
فهذه أسماء مزدوجة يجري الاسمان منها مجرى الاسم الواحد، لأنه يراد بها المتفرد بالربوبية، وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعاً، نفعاً وضراً، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة.
وقد تجلى الله تبارك وتعالى في كتابه لعباده بأسمائه الحسنى وصفاته العلا:
فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة، والجلال والجبروت، فتخضع الأعناق، وتنكسر كبرياء النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء.
وتارة يتجلى سبحانه بصفات الجمال والكمال، وهو جمال الأسماء، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، الدال على كمال الذات، فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، بحسب ما عرفه من ذلك، فيصبح فؤاده فارغاً إلا من محبة الله، وتصير المحبة له طبعاً لا تكلفاً.
وإذا تجلى سبحانه بصفات البر والرحمة، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله، وانشرح صدره، وقوي طمعه، وكلما قوي الرجاء جد في العمل، وتلذذ به، وأكثر منه.
وإذا تجلى عز وجل بصفات السمع والبصر، انبعثت من العبد قوة الحياء،
فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في نفسه ما يمقته عليه ربه.
فتبقى أقواله وأفعاله، وحركاته وخواطره، موزونة بميزان الشرع، غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
وإذا تجلى جل جلاله بصفات العدل والانتقام، والغضب والسخط، والعقوبة والتدمير، انقمعت النفس الأمارة، وبطلت أو ضعفت قواها، من الشهوة والغضب، واللهو واللعب، والحرص على المحرمات، وأخذت حظها من الخوف والخشية والحذر.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الكفاية والحسب، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم إليهم، ودفع المصائب عنهم، ونصره لأوليائه، وحمايته لهم، انبعثت من الصدر قوة التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، والرضى به، والتسليم له.
وإذا تجلى الجبار بصفات العز والكبرياء، ذلت النفس لعظمته، وانكسرت لعزته، وخضعت لكبريائه، وخشع القلب له، وانقادت الجوارح لطاعته، فتعلوه السكينة والوقار والطمأنينة، ويذهب طيشه وحدته.
والله حكيم عليم، يتعرف إلى العباد بصفات الربوبية تارة، وبصفات الإلهية تارة.
فيوجب للعبد شهود صفات الإلهية محبة الله، والأنس والفرح به، والشوق إلى لقائه، والمنافسة في قربه، والسرور بخدمته، والتودد إليه بطاعته، واللهج بذكره، والفرار من الخلق إليه.
ويوجب له شهود صفات الربوبية تعظيم الرب، وحسن التوكل عليه، والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل والخضوع له، والانكسار له.
وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في قضائه وقدره .. ونعمته في بلائه .. وعطاءه في منعه .. وعدله في انتقامه .. وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه .. وبره ولطفه .. وإحسانه ورحمته في قيوميته .. ويشهد حكمته في تدبيره .. ونعمته في
أمره ونهيه .. وعزه في رضاه وغضبه .. وحلمه في إمهاله.
فما أعظم الخالق الذي خلق المخلوقات، الحكيم الذي يدبر الكون حسب مشيءته، العظيم الذي خلق هذا الكون العظيم، وله ما في السموات وما في الأرض، وهو العزيز الحكيم:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)} [الزمر: 67].
وإذا تأملت القرآن وتدبرته أشهدك ملكاً قيوماً، علياً عظيماً، قوياً عزيزاً، له العزة والكبرياء، وله الجبروت والملكوت، فوق سماواته على عرشه، يدبر أمر الخلائق كلها في العالم العلوي، وفي العالم السفلي:
يأمر وينهى .. ويقضي ويحكم .. ويرسل الرسل .. وينزل الكتب .. ويرضى ويغضب .. ويثيب ويعاقب .. ويعز ويذل .. ويخفض ويرفع .. ويعطي ويمنع .. ويرى ويسمع .. فعال لما يريد .. موصوف بكل كمال .. لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه .. ولا تسقط ورقة إلا بعلمه .. ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه .. بيده الملك وهو على كل شيء قدير:
يخلق ويرزق .. ويحيي ويميت .. ويكرم ويهين .. الخلق والأمر له .. والكون كله له .. والأمور كلها بيده .. ومصدرها منه .. ومردها إليه .. يثني على نفسه .. ويمجد نفسه .. ويحمد نفسه .. ويثني على عباده .. ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم .. ويرغبهم فيه .. ويحذرهم مما فيه هلاكهم .. ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته .. ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه .. ويذكرهم بنعمه .. ويحذرهم من نقمه .. ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه .. وما أعده من العقوبة إن عصوه .. ويخبرهم بما فعله بأوليائه وأعدائه، وعاقبة هؤلاء وهؤلاء.
وإذا شهدت القلوب ملكاً هذا شأنه، وهذه عظمته، وهذه آلاؤه ونعمه، وهذا إحسانه، وهذا جماله، فكيف لا تحبه، ولا تنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه؟.
وكيف لا تلهج بذكره، ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
وقد خلق الله الإنسان في ظاهره وباطنه في أحسن تقويم، وجعله كالمرآة العاكسة لتجليات الأسماء الحسنى، فهو مرآة لها.
ويظهر ذلك كما يلي:
أولاً: كما أن الظلام سبب لرؤية النور، فكذلك الإنسان يعرف بجهله وضعفه، وعجزه وفقره، وحاجته وقصوره، يعرف بذلك قدرة القدير وقوته، وعلمه وغناه، ورحمته سبحانه.
ثانياً: أن ما وهب الله الإنسان من العلم والقدرة، والسمع والبصر، والملك والحكمة، وغيرها من الصفات الجزئية، يعرف منها الصفات المطلقة الكلية لله سبحانه، ويعلم أن لهذا الكون العظيم ملكاً عظيماً، يعلم ما فيه، ويدبره، ويسمع كل صوت فيه، ويبصر كل صغيرة فيه.
ثالثاً: وكذلك الإنسان مرآة عاكسة للأسماء الحسنى، من حيث ظهور نقوشها الظاهرة عليه، فيعرف من كونه مخلوقاً اسم الخالق، ويظهر من حسن تقويمه اسم الرحمن الرحيم، ومن حيث تربيته اسم اللطيف الكريم. وهكذا في بقية الأسماء.
والله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فصفاته سبحانه كاملة، وصفاتنا ناقصة، وهو منزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فعلمه سبحانه ليس كعلم المخلوق، لأن علم المخلوق كله نقص، نقص في ابتدائه، لأنه مسبوق بجهل، ونقص في غايته، لأنه يلحقه النسيان، ونقص في شموله، لأنه قاصر لا يعلم كل شيء، وهكذا في بقية الصفات الذاتية.
وهو سبحانه منزه أن تكون صفاته الفعلية كصفات المخلوقين كالاستواء على
العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء لفصل القضاء، والرضى والغضب وغيرها.
فتشبيه الخالق بالمخلوق نقص، لأن تسوية الكامل بالناقص تجعله ناقصاً، والله منزه عن ذلك:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}
…
[الشورى: 11].
وإذا أظهر الله صفات الجلال كالجبار والقهار مع عبد أو أَمَة، فذلك لتربيته، فالله أرحم بنا من أنفسنا.
وإذا أظهر المولى الكريم صفات الجمال كالكريم والرحيم واللطيف على عبد أو أَمة فذلك لتربيته كذلك.
والإيمان بأسماء الله وصفاته ليس له حد ولا نهاية، فلو أعطي الرجل أعمار المخلوقات كلها من الجن والإنس والملائكة، والسموات والأرض ومن فيهن، وصرف ذلك في معرفة الله وأسمائه وصفاته والإيمان به، لانتهت تلك الأعمار، وما انتهى بحر الإيمان بالله وأسمائه وصفاته.
وإذا كانت الأشجار والبحار تفنى وتنتهي ولما تحيط بكلمات الله، وهي صفة واحدة من صفاته، فكيف ببقية الصفات الأخرى؟:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)} [لقمان: 27].
والله جل جلاله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فالسلام من أسماء الله الحسنى، فهو السلام الحق بكل اعتبار، فهو سبحانه سلام في ذاته من كل عيب ونقص.
وسلام في صفاته من كل عيب ونقص.
وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص، وشر وظلم.
فهو السلام من الصاحب والولد، وهو السلام من النظير والكفء والسمي والمماثل والشريك.
وكل صفة من صفاته سلام مما يضاد كمالها.
فحياته سبحانه سلام من السنة والنوم والموت.
وقيوميته سلام من التعب واللغوب.
وقدرته سلام من العجز والتعب.
وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان له.
وغناه سلام من الحاجة إلى غيره، فكل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه.
وملكه سلام من منازع فيه، أو مشارك له، أو معاون له.
وحلمه وعفوه، ومغفرته وصفحه سلام من أن يكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه.
وعذابه وانتقامه وبطشه سلام من أن يكون ظلماً أو تشفياً، أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ورحمته.
وقضاؤه وقدره سبحانه سلام من العبث والجور والظلم.
ودينه وشرعه سلام من العبث والنقص، والجور والظلم.
وهكذا في باقي الأسماء والصفات.
والسلام لله وصفاً وملكاً .. فهو السلام في ذاته .. وبيده السلام .. يسلم من شاء .. ويهلك من يشاء.
والحمد لله وصفاً وملكاً .. فهو المحمود في ذاته .. وهو الذي يجعل من يشاء محموداً .. ومن يشاء مذموماً.
والعزة لله وصفاً وملكاً .. فهو العزيز في ذاته .. وهو الرب الذي يعز من يشاء من عباده .. ويذل من يشاء.
والرحمة كلها له سبحانه وصفاً وملكاً .. فهو الرحيم في ذاته .. وهو الذي يرحم من يشاء .. ويعذب من يشاء.
والبركة كلها لله وصفاً وملكاً .. فهو المتبارك في ذاته .. وهو الذي يبارك فيمن
يشاء من خلقه .. وينزع البركة ممن يشاء من خلقه.
والبركة نوعان:
الأولى: بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، تارة يتعدى بنفسه، وتارة بعلى، وتارة بفي، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك، فكان مباركاً بجعله تعالى كما قال سبحانه عن المسيح:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31].
وقال عن كتابه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29].
الثانية: بركة تضاف إليه سبحانه كإضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المبارك، وعبده ورسوله المبارك.
وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أخبر بها عن نفسه بقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان: 1].
وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [الملك: 1].
وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)} [الفرقان: 61].
فالبركة كلها لله تعالى، والبركة منه، فهو المبارك جل جلاله، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا هو الذي جعل كتابه مباركاً، ورسوله مباركاً، وبيته مباركاً، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها مباركة، فليلة القدر مباركة، والمسجد الأقصى مبارك، وأرض الشام مباركة.
ومعنى تبارك تعاظم، الدال على العظمة، كتعالى الدال على العلو، فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها، فمنه تأتي البركات كلها، وباسمه يتبارك كل شيء، وبيده الخير والرحمة والإحسان:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: 54].
ويجب على المسلم الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله به من أسماء الله وصفاته، سواء عرفنا معناه أم لم نعرفه، وهي صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته كذلك لا تشبه صفات المخلوقين، فالله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله.
فعلى المسلم أن يثبت لله من الأسماء والصفات، ما أثبته الله ورسوله، وينفي عنه ما نفاه الله ورسوله.
وفي الأحكام يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلق الله لكل شيء، المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيءته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وأمره في التصريف والتدبير لهذا الكون العظيم.
فيثبت العبد جميع أسماء الله وصفاته إثباتاً يتبعه اليقين على الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعدم الالتفات إلى ما سواه.
فالإنسان إذا شفي بالدواء، قال: شفاني الدواء، وإذا شفي بدون الدواء، قال شفاني الله، وهذا ليس بصحيح، فالشافي في الحالين واحد لا شريك له وهو الله.
ولكن الله عز وجل ابتلاءً وامتحاناً للعباد: تارة يشفي بالأسباب .. وتارة بدون الأسباب .. وتارة بضد الأسباب .. إظهاراً لقدرته .. أو إنفاذاً لسنته .. فالله له قدرة، وله سنة هي الأسباب .. والأسباب مخلوقة مدبرة من القادر الذي لا يعجزه شيء.
والأسباب يبتلى بها المؤمن، ويطمئن بها الكافر كما قال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)} [يونس: 7، 8].
ولا بد من النفي في أسماء الله وصفاته، فنثبت لله الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وننفي ذلك عما سواه.
فالله سبحانه قوي وغيره ضعيف .. والله قوته كاملة فلا يعجزه شيء وغيره قوته
ناقصة .. والله قوته مطلقة وغيره قوته محدودة .. والله قوته أبدية لا تزول وغيره قوته حادثة تزول.
والله غني وغيره فقير مهما ملك .. والله غناه كامل وغيره غناه ناقص .. والله غناه مطلق وغيره غناه محدود .. والله غناه أبدي لا يزول وغيره غناه يزول .. وهكذا في بقية الأسماء والصفات.
وبهذا النفي والإثبات يقوى الإيمان، ويزيد اليقين على الله وأسمائه وصفاته، والتوكل عليه وحده، والتوجه إليه وحده، ويضعف اليقين على المخلوق العاجز المقهور.
والله تبارك وتعالى واحد لا شريك له، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله.
والله سبحانه موصوف في القرآن بالنفي والإثبات، إثبات ما يليق به من الأسماء والصفات، ونفي ما لا يليق به سبحانه، ووصفه بالإثبات أكثر.
فالإثبات: كإخباره بأنه سبحانه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء محيط، وأنه سميع بصير، وأنه رؤوف رحيم، ونحو ذلك.
والنفي: كإخباره سبحانه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعزب عنه شيء، ولا يعجزه شيء، وليس كمثله شيء، وأنه لا تدركه الأبصار، وأنه لا يمسه لغوب ونحو ذلك.
وصفات الله أوسع من أسمائه، وأفعاله أوسع من صفاته، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسمّ منها باسم الفاعل كأراد وشاء وأحدث، ولم يسم نفسه بالمريد والشائي والمحدث، كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، وقد أخطأ من اشتق له من كل فعل اسماً له، فسماه الماكر والمخادع والفاتن والكائد.
وكل اسم منقسم إلى كامل وناقص لا يدخل اسمه في أسمائه الحسنى كالشائي والمريد والمتكلم، فهو وإن كانت له الإرادة والمشيءة والكلام، لكنه لا يسمى
بالمريد ولا بالمتكلم ولا بالشائي، لانقسام تلك الأسماء.
والخلق غير المخلوق، فالخلق فعل الخالق عز وجل، والمخلوق مفعوله.
وأفعال الله عز وجل نوعان: متعد .. ولازم.
فالفعل المتعدي: كالخلق والرزق والإعطاء.
واللازم: مثل الاستواء والنزول والمجيء.
كما قال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)} [السجدة: 4].
فذكر سبحانه الفعلين المتعدي واللازم وهما الخلق والاستواء، وكلاهما حاصل بمشيءته وقدرته، وهو متصف به.
والمضاف إلى الله نوعان:
أحدها: صفات لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها كقولنا: قدرة الله، كلام الله.
الثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة، والعبد والرسول ونحوها، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكنها إضافة تقتضي التخصيص والتشريف كقولنا: رسول الله، بيت الله، ناقة الله.
وأسماء الله عز وجل كلها حسنى، وهي لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما يوجب دخول الجنة منها فقال: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلا وَاحِداً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» متفق عليه (1).
ومعنى إحصاء أسماء الله، هو الإحاطة بها لفظاً، وفهمها معنىً، والتعبد لله بمقتضاها.
ولا يتم الإيمان بأسماء الله إلا بثلاثة أمور:
الإيمان بالاسم اسماً لله .. والإيمان بما تضمنه من صفة .. والإيمان بما تضمنه
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7392)، ومسلم برقم (2677).
من أثر وحكم.
فالعليم مثلاً من أسماء الله، فنؤمن بالعليم اسماً لله، ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم، ونؤمن بالحكم المترتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء.
ومن أسماء الله عز وجل ما يختص به وحده مثل الله، الرحمن، رب العالمين ونحوها.
ومنها ما لا يختص به وحده فيسمى به هو، ويسمى به غيره كما قال سبحانه:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: 2].
وقال سبحانه عن النبي صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}
…
[التوبة: 128].
وأسماء الله عز وجل ثلاثة أقسام:
الأول: ما سمى الله به نفسه، وأنزله في كتابه، فتعرف به إلى عباده.
الثاني: ما سمى الله به نفسه، وأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه.
الثالث: ما استأثر الله به وانفرد بعلمه من أسمائه وصفاته، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة:«ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شيءاً لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي» متفق عليه (1).
والله تبارك وتعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3].
فهو سبحانه الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه.
أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بالمكان كله،
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (4712)، ومسلم برقم (194) واللفظ له.
فهو سبحانه محيط بكل ظاهر وباطن، كما أنه محيط بالأوائل والأواخر.
وأسماء الله الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها.
فاسم (السميع والبصير) يقتضي مسموعاً ومبصراً.
واسم (الرزاق والرحمن) يقتضي مرزوقاً ومرحوماً.
واسم (التواب والغفور) يقتضي وجود عاص يتوب عليه، ومسيء يغفر له، وهكذا في بقية الأسماء.
ولا بدَّ من ظهور أثر الأسماء في العالم:
فإذا فرضنا أن الحيوان بجملته معدوماً، فمن يرزق الرازق سبحانه؟
وإذا كانت المعصية والخطيئة منتفية من العالم، فلمن يغفر الغفور؟ وعمن يعفو العفو؟ وعلى من يتوب التواب؟.
وإذا فرضنا الفاقات كلها قد سدت، والعبيد أغنياء معافون، فأين السؤال والتضرع؟، وأين الإجابة وشهود الفضل والمنة؟
والله عز وجل أجود الأجودين .. وأكرم الأكرمين .. وأرحم الراحمين .. سبقت رحمته غضبه .. وكتب على نفسه الرحمة .. يحب الإحسان والجود، والعطاء والبر.
فالفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده، ويوسعهم فضلاً، ويغمرهم إحساناً وجوداً، ويتم عليهم نعمته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، فهو سبحانه الجواد لذاته، وجود كل جواد من جوده.
ومحبته سبحانه للجود والإعطاء والإحسان فوق ما يدور ببال الخلق .. وفرحه سبحانه بعطائه وجوده أشد من فرح الآخذ بما يعطاه .. ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وسروره وابتهاجه.
والله تبارك وتعالى جميل في ذاته، وجميل في أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو جل جلاله الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، وجوده العالي من لوازم ذاته.
والعفو أحب إليه من الانتقام .. والرحمة أحب إليه من العقوبة .. والفضل أحب
إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع.
خلق الإنسان ومن عليه بالنعم، وفضله على غيره، وأنزل إليه كتبه، وأرسل إليه رسله، واعتنى به ولم يهمله، فهو يتقلب في نعمه في جميع أحواله.
فإذا تعرض العبد لغضب ربه، وارتكب مساخطه وما يكرهه، وأبعد منه، ووالى عدوه وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، فقد استدعى من الجواد الكريم الرحيم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإسخاطه وإغضابه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه.
وبينما هو كذلك آبق شارد عن سيده ومولاه، منهمك في موافقة عدوه، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وإن لم يقدم عليه بنفسه، قدم به عليه على أسوإِ الأحوال.
ففر إلى سيده من بلد عدوه، ووقف ببابه خاشعاً متضرعاً يتملق سيده، ويسترحمه ويستعطفه، ويعتذر إليه، فعلم سيده ما في قلبه فرضي عنه ورحمه، وأبدله بالعقوبة عفواً، وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلماً، وبالبطش رحمة.
فلا تسأل عن فرح ربه به، وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، ففتح له طريق البر والإحسان والجود، والتي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة:{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 27، 28].
والإيمان بأسماء الله وصفاته معناه فهمها، والاعتراف بها، والتعبد لله بها، والعمل بمقتضاها، وهذا توحيد الأنبياء والمرسلين:
فأوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال تملأ القلب هيبة لله وتعظيماً له.
وأوصاف العزة والقدرة والجبروت تجعل القلوب تخضع وتذل وتنكسر بين
يدي ربها.
ومعرفة أوصاف البر والرحمة، والجود والكرم تملأ القلب رغبةً وطمعاً في فضل الله وإحسانه وجوده.
ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة الله في حركاته وسكناته، والحذر من معصيته، والحياء منه.
ومعرفة مجموع هذه الصفات تملأ القلب محبة لله، وشوقاً إليه، وتعظيماً له، والتعبد والتقرب إلى الله بالأقوال والأفعال.
وصفات الكمال ترجع إلى ثلاث صفات:
العلم .. والقدرة .. والغنى.
وهذه الثلاث لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فهو الذي أحاط بكل شيء علماً .. وهو على كل شيء قدير .. وهوالغني عن العالمين.
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} [الأنعام: 50].
وينال الناس من هذه الثلاث بقدر ما يعطيهم الله منها، والله سبحانه أعلم بمن يصلح لهذا أو ذاك أو ذلك، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو بعباده خبير بصير، حكيم يضع كل شئ في موضعه اللائق به.
ومفعولات الرب المتنوعة دالة على إرادة الفاعل وقدرته، وعلمه وحكمته.
وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى.
وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته سبحانه.
وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه.
وما فيها من التقريب والإكرام والعناية دال على محبته.
وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته.
وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف، ثم سوقه إلى تمامه
ونهايته، ثم موته، ثم حياته مرة أخرى دال على وقوع المعاد.
وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات.
وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة، دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها.
فمفعولاته ومخلوقاته سبحانه من أدل شيء على صفاته، وصدق ما أخبرت به رسله عنه كما قال سبحانه:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)}
…
[فصلت: 53].
والله تبارك وتعالى لكمال عظمته وكبريائه، وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه واسع عليم، يُرى في الآخرة ولا يحاط به إدراكاً، فالمخلوق لا يحيط بالخالق وإن كان يراه كما قال سبحانه:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: 102، 103].
فسبحان الحي الذي ليس كمثله شيء في حياته.
وسبحان القوي الذي ليس كمثله شيء في قوته.
«سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» أخرجه أبو داود والنسائي (1).
ومخلوقات الله عز وجل دالة على ذاته وأسمائه وصفاته .. وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به .. وما لا يفعله ولا يأمر به.
فاسمه القوي يدل على أنه على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء.
واسمه الغني يدل على كمال غناه، وأنه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً.
واسمه الحميد يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر.
واسمه الحكيم يدل على أنه لم يخلق شيئاً عبثاً.
واسمه الملك يدل على ما يستلزم حقيقة الملك من قدرته، وحسن تدبيره
(1) صحيح: أخرجه أبو داود برقم (873)، صحيح سنن أبي داود رقم (776).
وأخرجه النسائي برقم (1049)، صحيح سنن النسائي رقم (1004).
وعطائه ومنعه، وثوابه وعقابه، وبث رسله في أقطار مملكته، وإعلام عبيده بأوامره ومراسيمه، واستوائه على سرير مملكته، الذي هو عرشه المجيد.
فسبحانه من ملك ما أعظمه .. ومن كريم ما أجوده .. ومن لطيف ما أرحمه.
وله الحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله .. وعلى قضائه وقدره .. وعلى خلقه وأمره .. وعلى دينه وشرعه .. وعلى آلائه ونعمه .. وعلى ثوابه وعقابه .. وعلى عدله وإحسانه: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)} [الجاثية: 36، 37].