المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولفقه أسماء الله وصفاته

- ‌1 - فقه العلم بالله وأسمائه وصفاته

- ‌2 - فقه عظمة الرب

- ‌3 - فقه قدرة الرب

- ‌4 - فقه رحمة الرب

- ‌5 - فقه علم الرب

- ‌6 - فقه جمال الرب

- ‌7 - فقه أسماء الله الحسنى

- ‌الله…جل جلاله

- ‌الرحمن

- ‌الملك

- ‌القدوس

- ‌السلام

- ‌المؤمن

- ‌المهيمن

- ‌العزيز

- ‌الجبار

- ‌الكبير

- ‌الخالق

- ‌البارئ

- ‌المصور

- ‌الغفور

- ‌القاهر

- ‌الوهاب

- ‌الرزاق

- ‌الفتاح

- ‌العليم

- ‌السميع

- ‌البصير

- ‌الحكيم

- ‌اللطيف

- ‌الخبير

- ‌الحليم

- ‌العظيم

- ‌الشكور

- ‌العلي

- ‌الحفيظ

- ‌الرقيب

- ‌المقيت

- ‌الشهيد

- ‌الحاسب

- ‌الكريم

- ‌الواسع

- ‌المجيد

- ‌الرب

- ‌الودود

- ‌الحق

- ‌المبين

- ‌الوكيل

- ‌الكفيل

- ‌القوي

- ‌المتين

- ‌الولي

- ‌الحميد

- ‌الحي

- ‌القيوم

- ‌الواحد

- ‌الصّمد

- ‌القادر

- ‌الأول

- ‌الآخر

- ‌الظاهر

- ‌الباطن

- ‌البر

- ‌التواب

- ‌العفو

- ‌الرؤوف

- ‌الغني

- ‌الهادي

- ‌النور

- ‌البديع

- ‌الفاطر

- ‌المحيط

- ‌القريب

- ‌المستعان

- ‌المجيب

- ‌الناصر

- ‌الوارث

- ‌الغالب

- ‌الكافي

- ‌ذو الجلال والإكرام

- ‌ذو العرش

- ‌ذو المعارج

- ‌ذو الطول

- ‌ذو الفضل

- ‌الرفيق

- ‌الشافي

- ‌الطيب

- ‌السبوح

- ‌الجميل

- ‌الوِتر

- ‌المنان

- ‌الحيي

- ‌الستير

- ‌الديان

- ‌المحسن

- ‌السيد

- ‌المقدم والمؤخر

- ‌القابض والباسط

- ‌8 - فقه صفات الله وأفعاله

- ‌9 - فقه أحكام الأسماء والصفات

- ‌10 - فقه التعبد بأسماء الله وصفاته

- ‌الباب الثانيفقه الخلق والأمر

- ‌1 - فقه الخلق والأمر

- ‌2 - فقه أوامر الله الكونية والشرعية

- ‌3 - خلق الله للكون

- ‌4 - فقه الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به

- ‌5 - فقه خَلق المخلوقات

- ‌1 - خلق العرش والكرسي

- ‌2 - خلق السموات

- ‌3 - خَلق الأرض

- ‌4 - خلق الشمس والقمر

- ‌5 - خلق النجوم

- ‌6 - خلق الليل والنهار

- ‌7 - خلق الملائكة

- ‌8 - خلق المياه والبحار

- ‌9 - خلق النبات

- ‌10 - خلق الحيوانات

- ‌11 - خلق الجبال

- ‌12 - خلق الرياح

- ‌13 - خلق النار

- ‌14 - خلق الجن

- ‌15 - خلق آدم

- ‌16 - خلق الإنسان

- ‌17 - خلق الروح

- ‌18 - خلق الدنيا والآخرة

- ‌البَابُ الثّالثفقه الفكر والاعتبار

- ‌1 - فقه الفكر والاعتبار

- ‌2 - فقه الفكر في أسماء الله وصفاته

- ‌1 - الفكر والاعتبار في عظمة الله

- ‌2 - الفكر والاعتبار في قدرة الله

- ‌3 - الفكر والاعتبار في علم الله

- ‌3 - فقه الفكر والاعتبار في الآيات الكونية

- ‌4 - فقه الفكر في نعم الله

- ‌5 - فقه الفكر والاعتبار في الآيات القرآنية

- ‌1 - فقه التأمل والتفكر

- ‌2 - فقه التصريف والتدبير

- ‌3 - فقه الترغيب والترهيب

- ‌4 - فقه التوجيه والإرشاد

- ‌5 - فقه الوعد والوعيد

- ‌6 - فقه الفكر والاعتبار في الخلق والأمر

- ‌البَابُ الرَّابعكتاب الإيمان

- ‌1 - فقه الإيمان بالله

- ‌1 - فقه الإحسان

- ‌2 - فقه اليقين

- ‌3 - فقه الإيمان بالغيب

- ‌4 - فقه الاستفادة من الإيمان

- ‌2 - فقه الإيمان بالملائكة

- ‌3 - فقه الإيمان بالكتب

- ‌4 - فقه الإيمان بالرسل

- ‌5 - فقه الإيمان باليوم الآخر

- ‌6 - الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌1 - فقه الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌2 - فقه المشيئة والإرادة

- ‌3 - فقه خلق الأسباب

- ‌4 - فقه خلق الخير والشر

- ‌5 - فقه النعم والمصائب

- ‌6 - فقه الشهوات واللذات

- ‌7 - فقه السعادة والشقاوة

- ‌8 - فقه كون الحمد كله لله

- ‌9 - فقه الولاء والبراء

الفصل: ‌7 - فقه السعادة والشقاوة

‌7 - فقه السعادة والشقاوة

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)} [فصلت: 30 - 32].

وقال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} [طه: 123 - 126].

السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاث مراتب:

الأولى: سعادة خارجة عن ذات الإنسان، وهي مستعارة له من غيره تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والجاه والمنصب، وهي سعادة وهمية.

الثانية: سعادة في ذات الإنسان كالصحة، واعتدال المزاج، وحسن القامة، وصفاء اللون، وجماله، وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى، فالأولى تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية معرضة للزوال.

الثالثة: السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسية روحية قلبية، وهي سعادة الإيمان بالله، والعلم به، وبدينه وبشرعه، فهذه السعادة هي الباقية على تقلب الأحوال، وبها يترقى في معارج الفضل، ودرجات الكمال، وهذه كلما طال الأمد زادت قوةً وعلواً، ويظهر أثرها بعد مفارقة الروح للبدن إذا انقطعت السعادتان الأولتان.

وأهل هذه السعادة هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة.

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)} [يونس: 58].

ص: 1040

وهذه السعادة لا يعرف قدرها، ويبعث على طلبها، إلا العلم بها، وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها وتعب تحصيلها، والجهل بقيمتها.

ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه السعادة، وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

وسعادة العبد تتم بثلاثة أشياء:

التوحيد .. وضده الشرك.

السنة .. وضدها البدعة.

الطاعة .. وضدها المعصية.

ولهذه الثلاثة ضد واحد، وهو خلو القلب من الرغبة إلى الله، وفيما عند الله، ومن الرهبة من الله، ومما عنده.

والإنسان لجهله يعتقد أن العزة في الدنيا بثلاثة أشياء:

بالمال .. والمنصب .. والجاه.

لكن الصحيح أن العزة في الدنيا والآخرة تحصل للإنسان بالإيمان والأعمال الصالحة، وطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 71].

ومن استقام على أوامر الله، وقام بالدعوة إلى الله، وصبر على ذلك أعزه الله في الدنيا، وأكرمه بخمس كرامات:

الأولى: أن الله يعزه وإن لم تكن عنده أسباب العزة كبلال.

الثانية: أن الله يجعل جميع أعمال الدين محبوبة لديه.

الثالثة: أن الله يجعل له محبة في قلوب الناس.

الرابعة: أن الله يطوي بساط الباطل من حوله.

ص: 1041

الخامسة: أن الله يؤيده بنصرة من عنده، فإذا دعا الله استجاب له.

وأما في الآخرة فهو من المقربين في جنات النعيم.

وتتحقق السعادة في الدنيا والآخرة بالدين الكامل، والطاعة التامة لله ورسوله في جميع الأحوال.

والاستقامة تتحقق للعبد بأربعة أمور:

الأول: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لكل مسلم في كل مكان .. وفي كل زمان .. في فكره .. وفي عمله .. وفي عبادته .. وفي معاملته .. وفي معاشرته .. وفي أخلاقه .. وفي جهاده .. وفي دعوته .. وفي سلوكه .. وفي سائر أحواله، وأن تكون نساؤه قدوة لنساء العالم.

الثاني: أن يكون مسجده صلى الله عليه وسلم أسوة لجميع المساجد في العالم في شكله وأعماله، وفي عمارته بألوان العبادة.

الثالث: أن يكون بيت النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لجميع البيوت في العالم من حيث بناؤه وسعته وشكله، والأعمال التي تقام فيه، وما يجري فيه من حسن المعاشرة، وتطبيق السنن والآداب في جميع الأمور.

الرابع: أن تكون مدينته صلى الله عليه وسلم أسوة لجميع المدن في العالم، من حيث محبة أهلها بعضهم لبعض، وإيثارهم وصدقهم، وحسن أخلاقهم ومعاملاتهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتعاطفهم وتراحمهم وتناصحهم.

فبالاستقامة تتحقق السعادة في الدنيا والآخرة للأفراد والشعوب والأمم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)} [فصلت: 30 - 32].

ومدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا

ص: 1042

نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.

فالاعتصام بحبله يعصم من الضلالة .. والاعتصام به سبحانه يعصم من الهلكة.

فالاعتصام نوعان:

اعتصام بالله كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 78].

واعتصام بحبل الله كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} [آل عمران: 103].

والاعتصام هو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف.

فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل.

والاعتصام بالله مما هو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه مما يضره، ويعصمه مما يؤذيه أو يهلكه.

ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد، فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خراباً لا يرجى معه فلاح البتة.

والله تبارك وتعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)} [هود: 103].

وقال سبحانه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق: 45].

ومن كملت عظمة الخالق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته، وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي توقعه فيه.

ولا مناص للإنسان الذي يبتغي السعادة والراحة .. وطمأنينة القلب .. وصلاح الحال في الدنيا والآخرة .. من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه .. وفي نظام

ص: 1043

حياته .. وفي منهج مجتمعه.

وذلك ليتناسق مع النظام الكوني كله، الطائع لربه المنقاد لأمره.

فلا يحل للإنسان أن ينفرد بمنهج من صنع نفسه لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه.

وبتحكيم منهج الله في الأرض يحقق الإنسان وظيفة الخلافة في الأرض، كما وهبها الله له، وشرفه بها، واختاره لها.

وحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن منهج الله لا يصطدم مع الكون فحسب، بل يصطدم أولاً بفطرته التي بين جنبيه فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية الضالة التائهة اليوم.

فهي في عذاب يأكلها ويلعب بأحشائها من الداخل، وينخر في أجسادها من الخارج، خوف دائم، وقلق مستمر، ورعب وإرهاب، وجرائم تفتك بالأفراد والأمم والدول، فهي في عذاب دائم، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية الباهرة .. وجميع التسهيلات الحضارية المادية .. والإنتاج الوفير .. والفراغ الكثير .. والرخاء المادي.

إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير، خواء الروح من الإيمان التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليه.

وخواء حياتها من المنهج الإلهي الذي ينظم حياتها، وينسق بين حركتها، وحركة الكون الذي تعيش فيه.

ولذا تجد في هذه الأمة التائهة الشقاء والقلق، والحيرة والاضطراب، وتحس الخواء والجوع والحرمان، فتهرب من واقعها النكد المشين، إلى المسكرات والمخدرات، والشذوذ في الحركة واللباس والأخلاق، وكلما زاد الرخاء والإنتاج زادت الحيرة والمشاكل والاضطراب:{فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)} [الانشقاق: 20، 21].

ص: 1044

وكل إنسان .. وكل بيت .. وكل مجتمع .. وكل دولة .. وكل أمة .. وكل أهل الأرض .. غرقى في المشاكل والظلم والحروب والفقر .. وكل يفتش في حل مشاكله في أنحاء الأرض.

فطلبوا حل المشاكل في المناصب والأموال والأشياء، وفروا لتحصيل ذلك ليحلوا مشاكلهم، وكلما اجتهدوا زادت المشاكل، وتضاعفت المحن والمصائب والأمراض.

فكانت المعاصي والفقر والخوف، والفرقة والتمزق، وتحول المجتمع إلى مجموعة من الوحوش المتناحرة، وتمرغ كثير من الناس في المحرمات والرذائل والفواحش، فزاد البؤس واليأس والفقر.

فقالوا: نجتهد حتى نكسب الأموال .. وإذا جاءت الأموال نشتري الأشياء من مسكن ومركب، ومطعم ومشرب .. وإذا توفرت الأموال والأشياء تحل مشاكلنا.

ثم توفر المال بيد المسلمين وغيرهم، وما زاد الأمر إلا اضطراباً وشدة فما السبب؟.

السبب أن المسلمين يبحثون عن العلاج من غير الكتاب والسنة.

فالله أرسل الرسل، وأنزل الكتب لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة.

وإذا أخذ المسلمون بذلك تغيرت حياتهم .. ورضي الله عنهم .. كما تبدلت حياة أهل الجاهلية لما آمنوا .. فسعدوا بالأمن بعد الخوف .. وبالعلم بعد الجهل، وبالعدل بعد الظلم، وبالإيمان بعد الكفر، وبالعزة بعد الذلة.

وفي الحياة طريقان:

طريق الملك والمال والأشياء .. وطريق الإيمان والأعمال الصالحة.

وطريق الملك والمال والأشياء فيه طريقان:

إما أن يحصل به الفلاح والسعادة كما حصل لسليمان صلى الله عليه وسلم.

ص: 1045

وإما الخسران كما حصل لفرعون مع وجود الملك والمال، بسبب عدم امثتال أوامر الله.

وكذلك الزراعة كانت عند قوم سبأ فخسروا، لعدم امتثالهم أوامر الله.

وكانت الزراعة عند الأنصار، ولكنهم ربحوا لامتثالهم أوامر الله.

وكذلك التجارة كانت عند قوم شعيب فخسروا لعدم امتثالهم أوامر الله.

وكانت التجارة عند المهاجرين فربحوا في الدنيا والآخرة لامتثالهم أوامر الله عز وجل.

أما طريق الإيمان والأعمال الصالحة ففيه وجه واحد فقط، وهو الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل: 97].

وسعادة الإنسان مبنية على صلاح بدنه وروحه، وصلاح البدن والروح متوقف على مدى معرفة الواضع للتشريع بالذي يصلح العباد، وبقدر معرفة الواضع له بأحوال الخلق وظروفهم وما يصلحهم ظاهراً وباطناً، تكون الثمرة، وتحصل السعادة.

ولا أعلم بالخلق من خالقهم، فلا يكون التشريع إلا لله، لأنه أعلم بالخلق وما يصلح أجسامهم وأرواحهم وحياتهم.

والتشريع الذي وضعه الله لإصلاح البدن يدور على الأكل من الطيبات، وعلى تحريم ما حرم الله من المطعومات والمشروبات التي تضر البدن.

وعلى تحريم المفاسد والمضار التي تضر بالإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه أو عقله أو دينه، وهي الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على صيانتها والمحافظة عليها وهي:

حفظ الدين .. والنفس .. والعرض .. والعقل .. والمال.

ص: 1046

أما التشريع المتعلق بإصلاح الروح فإنه يدور على الوظائف والأعمال التعبدية التي شرعها الله، وأذن بفعلها كالصلاة والزكاة، والصيام والحج ونحوها.

فهذه العبادات تزكي الروح وتطهرها.

ومن علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه، زاد في تواضعه وخشيته .. وكلما زيد في عمله زاد خوفه وحذره .. وكلما زيد في عمره نقص من حرصه .. وكلما زيد في ماله زاد في سخائه وبذله .. وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في قربه من الناس، وقضاء حوائجهم، والتواضع لهم ..

وعلامات الشقاوة:

أنه كلما زيد في علمه زاد في كبره وتيهه .. وكلما زيد في عمله زاد في فخره واحتقاره للناس، وحسن الظن بنفسه .. وكلما زيد في عمره زاد في حرصه .. وكلما زيد في ماله زاد في بخله وإمساكه .. وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في كبره وتيهه.

والله عز وجل كلف هذه الأمة بأمرين:

الأول: إظهار الدين في حياة الإنسان في جميع الأحوال.

الثاني: أن ينقل هذا الدين بالجهد إلى العالم كله.

وجعل سبحانه سعادة القلوب بـ (لا إله إلا الله)، فكل قلب يخلو منها فهو أشعث مضطرب.

وجعل سعادة الأبدان بـ (محمد رسول الله)، فكل بدن يخلو من السنن والأحكام والآداب والمعاشرات والأخلاق التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فهو في شقاء وضلال:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115].

وأصل سعادة العبد وفلاحه بثلاثة أشياء:

العبادة .. والاستعانة .. الهداية.

ص: 1047

قال الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 5، 6].

فأسعد الخلق أهل العبادة، وأهل الاستعانة، وأهل الهداية.

وأشقاهم من عدم ذلك.

والهداية: معرفة الحق والعمل به، فمن لم يجعله الله عالماً بالحق عاملاً به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء.

فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريداً للهدى، محباً له مؤثراً له، عاملاً به.

فهذه الهداية بيد الله وحده، لا يملكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما.

وطلب هذه الهداية لا يكون إلا ممن هو قادر عليها وهي بيده، وهو الله سبحانه، إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها لكونه ليس لها بأهل، ولا تليق به، وكل ذلك يجري وفق العلم والحكمة.

وكل إنسان خلق الله فيه قوتين:

قوة علمية .. وقوة عملية.

وسعادته موقوفة على استكمال هاتين القوتين.

واستكمال القوة العلمية يتم بخمسة أمور:

الأول: معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.

الثاني: معرفة الطريق الموصل إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته با لله على عبادته.

الثالث: أن يعلم أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، ولا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته.

ص: 1048

الرابع: معرفة طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وهما انحراف إلى الضلال الذي سببه فساد العلم والاعتقاد، وانحراف إلى الغضب والمعاصي الذي سببه فساد القصد والعمل.

أما استكمال القوة العملية فلا تتم إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على عباده، والقيام بها إخلاصاً وصدقاً على أكمل الوجوه، مع شهود تقصيره في أداء حقه سبحانه.

فهو مستحٍ من مواجهة ربه الملك الجبار بتلك الخدمة، لعلمه أنها دون ما يستحقه سبحانه، لا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعرفته سبحانه.

وقد تضمنت ذلك كله سورة الفاتحة كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 2 - 7].

فأول السورة رحمة .. وأوسطها هداية .. وآخرها نعمة.

وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه من الهداية على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته سبحانه.

وهو سبحانه رب العالمين، فلا يليق به أن يترك عباده سدى وهملاً، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به.

والله عز وجل هو المألوه المعبود، ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله، وهو سبحانه الرحمن الرحيم، ورحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم.

واسم الرحمن الرحيم متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات النبات.

ص: 1049

فأسعد الناس المؤمن بربه، المطيع له، العابد له، وبسبب إيمانه وإخلاصه الله يحفظه من السوء والشرور، ويدفع عنه ما يضره، ويجلب له ما يسره ويسعده، ويغفر ذنوبه كما قال سبحانه:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)} [يوسف: 24].

وقد أجرى الله على عباده في الدنيا أحكامه الشرعية .. فمنه من آمن وهم السعداء .. ومنهم من كفر وهم الأشقياء.

فأهل الإيمان والتقوى لهم المثوبة والسعادة في الدنيا والآخرة.

وأهل الكفر والعناد لهم العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية.

ويوم القيامة تجري على العباد أحكام الله الجزائية على ما عملوا من خير أو شر، وذلك يوم عظيم مشهود، يوم تجمع فيه الخلائق كلها لتستوفي أجر أعمالها في الدنيا، يشهده الله والملائكة وجميع المخلوقين:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)} [هود: 105].

فالأشقياء: هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره.

والسعداء: هم اللذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وأطاعوا أمره.

فأما جزاء الأشقياء فهو الخلود في النار كما قال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)} [هود: 106، 107].

وأما جزاء السعداء فهو الخلود في الجنة كما قال سبحانه: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)} [هود: 108].

وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة مبنية على استقامتها على أوامر الله وتوحيده والإيمان به، وطاعته وطاعة رسوله، والسير على هديه في كل حال.

وإذا تركت الأمة ذلك أو بعضه فقد أحلت بنفسها عذاب الله وعقابه، والله قادر

ص: 1050

على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء، وكيف شاء، إذا عصوه وتركوا عبادته، فيستأصلهم ويدمرهم فوراً.

والله سبحانه قادر على أن يعذبهم بعذاب بطيء طويل، لا ينهي أمرهم كله في لحظة، ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار، فيلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد، الذي يذوقونه بأيديهم، ويجرعونه لأنفسهم، إذ يجعلهم شيعاً وأحزاباً متداخلة لا يتميز بعضها من بعض، ولا يفاصل بعضها بعضاً.

فهي أبداً في جدال وصراع وفي خصومة ونزاع، وفي بلاء يصيب هذا الفريق أو ذاك، والله على كل شيء قدير، وهو بالناس رؤوف رحيم، وما ربك بظلام للعبيد:{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)} [الأنعام: 65].

وقد عرفت البشرية في فترات كثيرة ذلك اللون من العذاب كلما انحرفت عن منهج الله، وتركت لأهواء البشر وشهواتهم ونزواتهم تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالات.

وقد جاء ذلك صريحاً في القرآن في قصص الأنبياء، فنزلت بالأمم السابقة عقوبات متنوعة على جرائم مختلفة، كلما انحرف الناس عن منهج الله.

والعالم اليوم يعيش في هذا العذاب البطيء المديد، بسبب إعراض أكثر المسلمين عن منهج الله، وكلما تخبط الناس وهم يصنعون أنظمة للحياة، وقوانين من عند أنفسهم يستعبد بها الناس بعضهم بعضاً، ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وقوانينه البعض الآخر.

والبعض الآخر يأبى ويعارض، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض، فيتصارعون فيما بينهم، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويحقد بعضهم على بعض، وينكر بعضهم بعضاً، لآنهم لا يفيئون إلى منهج واحد، وضعه لهم المعبود

ص: 1051

الذي يعنو له كل العبيد.

حيث لا يجد الإنسان في نفسه استكباراً عن الخضوع له، ولا يحس في نفسه صغاراً حين يخضع له لأنه حكم رب البشر:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].

وستظل الأمة شيعاً يذيق بعضها بأس بعض كما هو الواقع فما هو الحل؟.

الحل الذي يرفع الشقاء والعناء عن الأمة، ويأتي بالسعادة للبشرية في الدنيا والآخرة .. أن تتميز العصبة المؤمنة بما أكرمها الله به من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية .. وإقامة الشعائر والشرائع في حياتها .. وتستقيم على هذا متيقنة أن الله معها يؤيدها وينصرها .. وتتميز بذلك عن الجاهلية المحيطة بها.

والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها، وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها .. باعتبار نفسها أمة متميزة عن غيرها من الذين يؤثرون البقاء على الجاهلية.

ولا نجاة للعصبة المؤمنة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب، لا نجاةله إلا بأن تنفصل بإيمانها، ومنهج حياتها عن أهل الجاهلية، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخل فيما دخلت فيه جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج.

وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق، وهو خير الفاتحين:{اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: 89].

فإنه لم تفعل هذا حق عليها وعيدالله هذا .. وهو أن تظل مع غيرها شيعة من الشيع في المجتمع .. لا تتبين نفسها .. ولا يتبينها الناس مما حولها، وعند ذلك

ص: 1052

يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد.

وهذا التميز، وهذه المفاصلة .. قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات، غير أن ذلك لن يكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزها، ونتيجة اندماغها وتميعها في قومها .. والمجتمع الجاهلي من حولها.

ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله في القرآن على أيدي جميع الرسل والأنبياء، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره، وتحقيق وعد الله بغلبة رسله والذين آمنوا معهم، لم يقع مرة واحدة، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها، على العقيدة، وعلى منهج الحياة، وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها.

وطريق هذه الدعوة واحد، ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعاً الذين اختارهم الله ورباهم وأرسلهم.

فمتى تفقه الأمة كلام ربها، وتستجيب له، وتستقيم عليه؟.

{انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)} [الأنعام: 65].

إن هذا الدين كامل وشامل، له حكم في كل مناسبة .. ليس مجرد عقيدة تستكن في القلب فحسب .. وليس مجرد شعائر تؤدى في أوقاتها .. إنما هو الاتباع الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه .. وفيما يشرعه ويسنه.

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب .. ولم يأمرهم بالشعائر التعبدية فحسب .. ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله، ولا رجاء أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158].

ص: 1053

والتمسك بالكتاب في جد وقوة .. وأداء شعائر العبادة .. هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة وسعادة البشرية.

فتحكيم هذا الكتاب في حياة الناس، لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة، لإصلاح قلوب الناس، هما طرفا المنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)} [الأعراف: 170].

وما تفسد الحياة إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني، ترك الاستمساك الجاد بالكتاب، وتحكيمه في حياة الناس، وترك العبادة التي تصلح القلوب، فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص كالذي يصنعه أهل الكتاب حين تفتر القلوب عن العبادة، فتفتر عن تقوى الله كما حصل لأهل السبت حين احتالوا لأخذ الحيتان فقلبهم الله قردة خاسئين.

إن الإسلام منهج متكامل يقيم الحكم على أساس الكتاب، ويقيم القلب على أساس العبادة لله، ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب فتصلح القلوب، وتصلح الحياة.

إنه منهج الله، لا يعدل عنه، ولا يستبدل به منهجاً آخر إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب.

إن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البر ولا في البحر، والبشر وجميع المخلوقات كلهم في قبضة الله في كل لحظة، وفي كل بقعة.

إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، كما هم في قبضته في الجو.

فكيف يأمنون أن يخسف الله بهم إذا عصوه جانب البر، بزلزال أو بركان أو بغيرهما من الأسباب التي يأمرها الله فتفعل ما يشاء؟.

أو يرسل عليهم عاصفة بركانية، تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلاً يحميهم ويدفع عنهم؟.

ص: 1054

ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وبطشه، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)} [الإسراء: 67 - 69].

فإن أعرض الناس عن ربهم في الشدة والرخاء، فتلك الطامة الكبرى، والتي بعدها تتنزل العقوبة فوراً كما قال سبحانه:{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)} [الجن: 17].

إن السعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالتوحيد والإيمان .. واتباع السنة .. وطاعة الله ورسوله.

والله سبحانه لم يجعل السعادة في الملك والمال، وإلا لكان فرعون وقارون من أسعد الناس.

وإنما جعل السعادة في أمرين، يسعد بهما الناس جميعاً الأمراء والعامة، والأغنياء والفقراء، والرجال والنساء وهما:

الأول: (لا إله إلا الله) لإسعاد الروح.

الثاني: (محمد رسول الله) لإسعاد البدن.

فالروح لا يسعد إلا بالتوحيد والإيمان بالله.

فنعظم الله ونكبره .. ونحمده ونشكره .. ونحبه ونتوكل عليه .. ونخافه ونرجوه .. ونعبده ونستعين به وحده لا شريك له .. وبذلك غذاؤه وشفاؤه.

والبدن لا يسعد إلا بالأحكام والسنن والآداب الشرعية.

فنصلي ونصوم، ونأكل ونشرب، ونلبس ونتزوج، ونبيع ونشتري .. وهكذا على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، فكل عمل وحال له سنة.

ص: 1055

فمن استقام على هذا فهو السعيد حقاً في الدنيا والآخرة، وبذلك ينال محبة الله ورسوله والملائكة وأهل الأرض والسماء، لأنه حقق مراد الله عز وجل منه بالإيمان والطاعة والعبادة.

وكلما أكمل الإنسان السنن في حياته، جاءت السعادة والطمأنينة، وزاد نور القلب، وكلما فقدت سنة، جاء الشقاء والكدر، وأظلم القلب.

اللهم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 6، 7].

ص: 1056