الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأَثْرَم (1)(261 هـ)
الإمام الحافظ العلامة، أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ، الإِسْكَافِي الأثرم الطائي، وقيل الكلبي، أحد الأعلام، ومصنف 'السنن' وتلميذ الإمام أحمد، خراساني الأصل. كان من أهل إسكاف بني الجنيد وبها مات. ولد في دولة الرشيد، وسمع من أحمد بن إسحاق الحضرمي، وأبي نعيم، وعفان، والقعنبي، ومسدد بن مسرهد، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، وخلق. حدث عنه النسائي، وموسى بن هارون، ويحيى بن صاعد، وعلي بن أبي طاهر القزويني وغيرهم. وله مصنف في علل الحديث. قال أبو بكر الخلال: كان الأثرم جليل القدر، حافظا وكان عاصم بن علي لما قدم بغداد طلب رجلا يخرج له فوائد يمليها فلم يجد في ذلك الوقت غير أبي بكر الأثرم، فكأنه لما رآه لم يقع منه موقعا لحداثة سنه، فقال له أبو بكر: أخرج كتابك، فجعل يقول له: هذا الحديث خطأ وهذا غلط، وهذا كذا. قال: فسر عاصم بن علي به وأملى قريبا من خمسين مجلسا، وكان يعرف الحديث ويحفظ فلما صحب أحمد بن حنبل ترك ذلك، وأقبل على مذهب أحمد. وكان معه تيقظ عجيب. وكان عالما بتواليف ابن أبي شيبة، لازمه مدة. توفي رحمه الله سنة إحدى وستين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- قال الأثرم: كنت عند خلف البزاز يوم جمعة، فلما قمنا من المجلس
(1) الجرح والتعديل (2/ 72) وتهذيب الكمال (1/ 476 - 480) وتذكرة الحفاظ (2/ 570 - 572) وتهذيب التهذيب (1/ 78 - 79) وشذرات الذهب (2/ 141 - 142) والسير (12/ 623 - 628) وتاريخ بغداد (5/ 110 - 112).
صرت إلى قرن الصراة. فأردت أن أغتسل للجمعة. فغرقت. فلم أجد شيئا أتقرب به إلى الله جل ثناؤه أكثر عندي من أن قلت: اللهم إن تحيني لأتوبن من صحبة حارث -يعني المحاسبي. (1)
كتابه إلى الثغر:
- قال الأثرم في أثناء كتاب إلى الثغر: أعاذنا الله وإياكم من كل موبقة، وأنقذنا وإياكم من كل مهلكة. وسلمنا وإياكم من كل شبهة، ومسكنا وإياكم بصالح ما مضى عليه أسلافنا وأئمتنا.
كتابي إليكم -ونحن في نعم متواصلة. نسأل الله تمامها، ونرغب إليه في الزيادة من فضله، والعون على بلوغ رضاه- إن في كثير من الكلام فتنة، وبحسب الرجل ما بلغ به من الكلام حاجته. ولقد حكي لنا أن فضلا كان يتلاكن في كلامه، فإن في السكوت لسَعَة، وربما كان من الأمور ما يطيق عنه السكوت. وذلك لما أوجب الله من النصيحة، وندب العلماء من القيام بها للخاصة والعامة، ولولا ذلك كان ما دعا إليه من الخمول أصوب في دهر قل فيه من يستراح إليه، ونشأ فيه من يرغب عنه. ونحن في موضع انقطاع عن الأمصار، فربما انتهى إلينا الخبر الذي يزعجنا، فنحرص على الصبر. فنخاف وجوب الحجة من العلم.
ولقد تبين عند أهل العلم عظم المصيبة بما فقدنا من شيخنا رضي الله عنه، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمامنا ومعلمنا، ومعلم من كان قبلنا
(1) طبقات الحنابلة (1/ 68).
منذ أكثر من ستين سنة. وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد. وما عالم كعالم، إنهم يتفاضلون ويتباينون بونا بعيدا. فقد ظننت أن عدو الله وعدو المسلمين إبليس وجنوده قد أعدوا من الفتن أسبابا، انتظروا بها فقده، لأنه كان يقمع باطلهم، ويزهق أحزابهم.
وكانت أول بدعة علمتها فاشية من الفتن المضلة، ومن العماية بعد الهدى. وقد رأيت قوما في حياة أبي عبد الله كانوا لزموا البيت على أسباب من النسك، وقلة من العلم. فأكرمهم الناس ببعض ما ظهر لهم من حبهم للخير، فدخلهم العجب مع قلة العلم. فكان لا يزال أحدهم يتكلم بالأمر العجيب. فيدفع الله ذلك بقول الشيخ، جزاه الله أفضل ما جزى من تعلمنا منه، ولا يكون من أحد منهم من ذلك شيء إلا كان سبب فضيحته، وهتك ما مضى من ستره. فأنا حافظ من ذلك لأشياء كثيرة. وإنما هذا من مكايد إبليس مع جنوده. يقول لأحدهم: أنت أنت، ومن مثلك؟ فقل، قد قال غيرك، ثم يلقي في قلبه الشيء. وليس هناك سعة في علم، فيزين عنده: أن يبتدئه ليشمت به. وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وقد ظننت أن آخرين يلتمسون الشهرة، ويحبون أن يذكروا. وقد ذكر قبلهم قوم بألوان من البدع فافتضحوا، ولأن يكون الرجل تابعا في الخير خير من أن يكون رأسا في الشر. وقد قال ابن مسعود:(اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم كل بدعة ضلالة). وقال: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البركة مع
أكابركم" (1) وقال ابن مسعود: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم) وقال ابن عمر: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا هلك المتنطعون" (2) وقال الصديق رضي الله عنه: (أي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) وقال علي: (ما أبردها على الكبد إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: لا أعلم) وقال أبو موسى: (من علمه الله علما فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيصير من المتكلفين، ويمرق من الدين) وقال ابن مسعود: (إذا سئل أحدكم عما لا يعلم، فليقر، ولا يستحي) وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أنه قال: "من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (3)
…
وقال الشعبي: (ما حدثوك عن رأيهم فألقه في الحش).
وقال عمر بن عبد العزيز: إياك وما أحدث المحدثون. فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة. فإنها لك بإذن الله عصمة. وإن السنة إنما سنها من قد علم ما جاء في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. وارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم. فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل -لو كان فيها- أحرى. إنهم لهم السابقون. فلئن كان الهدى
(1) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (1/ 57/36 - 37) والطبراني في الأوسط (9/ 456 - 457/ 8986) وأبو نعيم في الحلية (8/ 171،172) وابن حبان (الإحسان 2/ 319/559) والحاكم (1/ 62) وقال: "صحيح على شرط البخاري" ووافقه الذهبي. كلهم عن ابن عباس.
(2)
أخرجه أحمد (1/ 386) ومسلم (4/ 2055/2670) وأبو داود (5/ 15/4608) من حديث عبد الله بن مسعود.
(3)
تقدم تخريجه. انظر مواقف علي رضي الله عنه سنة (40هـ).
ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم. ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر. لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا. وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم.
وقال القاسم بن محمد: (لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم). وقال ابن مسعود: (إن من العلم: إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: الله أعلم). وقال ابن عمر: (العلم ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية. ولا أدري). وقال الشعبي: (لا أدري: نصف العلم). وقال الربيع بن خثيم: (إياك أن يقول الرجل: حرم هذا، ونهى عن هذا. فيقول الله له: كذبت). وقال أحمد بن عبد الرحمن الحميري: (لأن أرده مغبة أحب إلي أن أتكلفه). وقال الشعبي: (والله ما أبالي سئلت عما أعلم، أو عما لا أعلم). يقول: إنه يسهل علَيّ أن أقول: لا أعلم. وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود: (إنك لن تخطئ الطريق ما دمت على الأثر). وقال ابن عباس: (عليك بالاستقامة، وإياك والبدع والتبدع). وقال معاذ بن جبل: (إياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق). وقال ابن عباس: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم). وقال إبراهيم: (ما جعل الله في هذه الأهواء مثقال ذرة من خير. وما هي إلا زينة من الشيطان. وما الأمر إلا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء، ويصرف به
شبهات الخطأ. وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله عز وجل: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (1) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله).
وإن أبا عبد الله، وإن كان قريبا موته: فقد تقدمت إمامته، ولم يخلف فيكم شبهة. وإنما أبقاه الله لينفع به. فعاش ما عاش حميدا. ومات بحمد الله مغبوطا. يشهد له خيار عباد الله الذين جعلهم الله شهداء في أرضه. ويعرفون له ورعه وتقواه، واجتهاده وزهده، وأمانته في المسلمين وفضل علمه.
ولقد انتهى إلينا أن الأئمة الذين لم ندركهم كان منهم من ينتهي إلى قوله، ويسأله. ومنهم من يقدمه ويصفه. ولقد أخبرت أن وكيع بن الجراح كان ربما سأله، وأن عبد الرحمن بن مهدي كان يحكي عنه ويحتج به. ويقدمه في العلم ويصفه. وذلك نحو ستين سنة. وأخبرت أن الشافعي كانت أكثر معرفته بالحديث مما تعلم منه. ولقد أخبرت أن إسماعيل بن علية كان يهابه. وقال لي شيخ مرة: ضحكنا من شيء، وثم أحمد بن حنبل، فجئنا بعد إلى إسماعيل فوجدناه غضبان. فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟ وأخبرت أن يزيد بن هارون ذكره فبكى. وأخبرت أن يزيد عاده في منزله. وأخبرت أن أبا عاصم قال: ما جاءنا مثله.
(1) الأنبياء الآية (18).