الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شحمة أذنه إلى عاتقه، مسيرة خمسمائة عام. فهل ما أنكر إلا بمنزلة ما عرف؟ وهل ما رأى إلا بمنزلة ما لم يره؟ فتعالى الله أحسن الخالقين؟. (1)
موقفه من الرافضة:
- جاء في تأويل مختلف الحديث: قال أبو محمد: ثم نصير إلى هشام بن الحكم فنجده رافضيا غاليا. ويقول في الله تعالى بالأقطار والحدود، والأشبار، وأشياء يتحرج من حكايتها وذكرها، لا خفاء على أهل الكلام بها. ويقول بالإجبار الشديد، الذي لا يبلغه القائلون بالسنة.
وسأله سائل فقال: أترى الله تعالى -مع رأفته ورحمته وحكمته وعدله- يكلفنا شيئا، ثم يحول بيننا وبينه، ويعذبنا؟ فقال: قد -والله- فعل، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم.
وقال له رجل: يا أبا محمد (2)، هل تعلم أن عليا خاصم العباس في فدك إلى أبي بكر؟ قال: نعم. قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: لم يكن فيهما ظالم. قال: سبحان الله، وكيف يكون هذا؟ قال: هما كالملكين المختصمين إلى داود عليه السلام، لم يكن فيهما ظالم، إنما أراد أن يعرفاه خطأه وظلمه. كذلك أراد هذان، أن يعرفا أبا بكر خطأه وظلمه. (3)
- قال أبو محمد في هارون بن سعد العجلي: وهو جلد جفر، ادعوا أنه كتب فيه لهم الإمام، كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم
(1) تأويل مختلف الحديث (127 - 128).
(2)
هو هشام بن الحكم.
(3)
تأويل مختلف الحديث (48).
القيامة. فمن ذلك قولهم في قول الله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} (1) أنه الإمام، وورث النبي صلى الله عليه وسلم علمه. وقولهم في قول الله عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (2) أنها عائشة رضي الله عنها. وفي قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} (3) أنه طلحة والزبير. وقولهم في الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص، مع عجائب أرغب عن ذكرها، ويرغب من بلغه كتابنا هذا، عن استماعه
…
قال أبو محمد: ولا نعلم في أهل البدع والأهواء أحدا ادعى الربوبية لبشر غيرهم. فإن عبد الله بن سبأ ادعى الربوبية لعلي، فأحرق علي أصحابه بالنار، وقال في ذلك:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا
…
أججت ناري ودعوت قنبرا
ولا نعلم أحدا ادعى النبوة لنفسه غيرهم. فإن المختار بن أبي عبيد، ادعى النبوة لنفسه وقال: إن جبريل وميكائيل، يأتيان إلى جهته، فصدقه قوم واتبعوه، وهم الكيسانية. (4)
(1) النمل الآية (16).
(2)
البقرة الآية (67).
(3)
البقرة الآية (73).
(4)
تأويل مختلف الحديث (71 - 73).
ذكر بعض طعون النظام على الصحابة رضي الله عنهم ورد ابن قتيبة عليه:
- قال أبو محمد: وذكر -أي النظام- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو كان هذا الدين بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) فقال كان الواجب على عمر، العمل بمثل ما قال في الأحكام كلها. وليس ذلك بأعجب من قوله أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار ثم قضى في الجد بمائة قضية مختلفة.
وذكر قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حين سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، أم أين أذهب؟ أم كيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله تعالى، بغير ما أراد الله. ثم سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا، فمن الله، وإن كان خطأ فمني، هي ما دون الولد والوالد. قال: وهذا خلاف القول الأول ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام، لم يقدم على القول بالرأي هذا الإقدام حتى ينفذ عليه الأحكام. وذكر قول علي كرم الله وجهه، حين سئل عن بقرة قتلت حمارا، فقال: أقول فيها برأيي، فإن وافق رأيي قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك، وإلا فقضائي رذل فسل. قال: وقال: من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد. ثم قضى فيه بقضايا مختلفة.
وذكر قول ابن مسعود في حديث، بِرَوْع بنت واشق، أقول فيها برأيي، فإن كان خطأ فمني، وإن كان صوابا، فمن الله تعالى. قال: وهذا هو الحكم بالظن، والقضاء بالشبهة، وإذا كانت الشهادة بالظن حراما، فالقضاء
بالظن أعظم.
قال: ولو كان ابن مسعود بدل نظره في الفتيا، نظر في الشقي كيف يشقى، والسعيد كيف يسعد، حتى لا يفحش قوله على الله تعالى، ولا يشتد غلطه، لقد كان أولى به. قال: وزعم أن القمر انشق، وأنه رآه. وهذا من الكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين، ومزجرة للعباد، وبرهانا في جميع البلاد. فكيف لم تعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام -ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟ قال: ثم جحد من كتاب الله تعالى سورتين، فهبه لم يشهد قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بهما، فهلا استدل بعجيب تأليفهما، وأنهما على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه، وأن يحسنوا مثل تأليفه. قال: وما زال يطبق في الركوع إلى أن مات، كأنه لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان غائبا. وشتم زيد ابن ثابت بأقبح الشتم، لما اختار المسلمون قراءته لأنها آخر العرض. وعاب عثمان رضي الله عنه، حين بلغه أنه صلى بـ "منى" أربعا، ثم تقدم، فكان أول من صلى أربعا فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر والفرقة شر، وقد عمل بالفرقة في أمور كثيرة ولم يزل يقول في عثمان القول القبيح، منذ اختار قراءة زيد. ورأى قوما من الزط، فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن، ليلة الجن، ذكر ذلك سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي. وذكر داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد، وذكر حذيفة بن اليمان فقال: جعل يحلف لعثمان
على أشياء بالله تعالى ما قالها، وقد سمعوه قالها. فقيل له في ذلك فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله رواه مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة. وذكر أبا هريرة، فقال أكذبه عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة رضوان الله عليهم.
وروى حديثا في المشي في الخف الواحد، فبلغ عائشة، فمشت في خف واحد وقالت: لأخالفن أبا هريرة. وروى أن الكلب والمرأة والحمار، تقطع الصلاة. فقالت عائشة رضي الله عنها: ربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وسط السرير، وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة. قال: وبلغ عليا أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس. فدعا بماء فتوضأ، فبدأ بمياسره، وقال: لأخالفن أبا هريرة. وكان من قوله حدثني خليلي، وقال خليلي ورأيت خليلي. فقال له علي: متى كان النبي خليلك، يا أبا هريرة؟ قال: وقد روى "من أصبح جنبا، فلا صيام له" فأرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة، يسألهما، فقالتا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير احتلام، ثم يصوم. فقال للرسول: اذهب إلى أبي هريرة، حتى تعلمه. فقال أبو هريرة: إنما حدثني بذلك الفضل بن العباس. فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسمعه.
قال أبو محمد: هذا قوله في جِلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم: {محمد رسول الله
وَالَّذِينَ مَعَهُ} (1) إلى آخر السورة. ولم يسمع بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} (2) ولو كان ما ذكرهم به حقا، لا مخرج منه ولا عذر فيه، ولا تأويل له، إلا ما ذهب إليه، لكان حقيقا بترك ذكره والإعراض عنه، إذ كان قليلا يسيرا، مغمورا في جنب محاسنهم، وكثير مناقبهم، وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلهم مهجهم وأموالهم، في ذات الله تعالى.
قال أبو محمد: ولا شيء أعجب عندي من ادعائه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قضى في الجد بمائة قضية مختلفة، وهو من أهل النظر وأهل القياس. فهلا اعتبر هذا ونظر فيه، ليعلم أنه يستحيل أن يقضي عمر في أمر واحد بمائة قضية مختلفة. فأين هذه القضايا؟ وأين عشرها ونصف عشرها؟ أما كان في حملة الحديث من يحفظ منها خمسا أو ستا؟ ولو اجتهد مجتهد أن يأتي من القضاء في الجد بجميع ما يمكن فيه، من قول ومن حيلة، ما كان يتيسر له أن يأتي فيه بعشرين قضية. وكيف لم يجعل هذا الحديث، إذ كان مستحيلا، مما ينكر من الحديث ويدفع مما قد أتى به الثقات، وما ذاك إلا لضغن يحتمله على عمر رضي الله عنه وعداوة.
قال أبو محمد: وأما طعنه على أبي بكر رضي الله عنه بأنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فاستعظم أن يقول فيها شيئا، ثم قال في الكلالة برأيه.
(1) الفتح الآية (29).
(2)
الفتح الآية (18).
فإن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن شيء من متشابه القرآن العظيم، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فأحجم عن القول فيه، مخافة أن يفسره بغير مراد الله تعالى. وأفتى في الكلالة برأيه، لأنه أمر ناب المسلمين، واحتاجوا إليه في مواريثهم، وقد أبيح له اجتهاد الرأي فيما لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ولم يأت له في الكتاب شيء كاشف، وهو إمام المسلمين ومفزعهم فيما ينوبهم، فلم يجد بدا من أن يقول. وكذلك قال عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم، حين سئلوا، وهم الأئمة والمفزع إليهم عند النوازل. فماذا كان ينبغي له أن يفعلوا عنده، أيدعون النظر في الكلالة وفي الجد، إلى أن يأتي هو وأشباهه، فيتكلموا فيهما.
ثم طعنه على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: إن القمر انشق، وأنه رأى ذلك، ثم نسبه فيه إلى الكذب. وهذا ليس بإكذاب لابن مسعود، ولكنه بخس لعلم النبوة وإكذاب للقرآن العظيم، لأن الله تعالى يقول:{اقتربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} (1). فإن كان القمر لم ينشق في ذلك الوقت، وكان مراده: سينشق القمر فيما بعد، فما معنى قوله:{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} (2) بعقب هذا الكلام؟ أليس فيه دليل على أن قوما رأوه منشقا فقالوا: "هذا سحر مستمر" من سحره، وحيلة من حيله كما قد كانوا يقولون في غير ذلك من أعلامه وكيف صارت الآية
(1) القمر الآية (1).
(2)
القمر الآية (2).
من آيات النبي صلى الله عليه وسلم والعلم من أعلامه لا يجوز عنده أن يراها الواحد والاثنان والنفر دون الجميع. أو ليس قد يجوز أن يخبر الواحد والاثنان والنفر والجميع، كما أخبر مكلم الذئب، بأن ذئبا كلمه، وأخبر آخر بأن بعيرا شكا إليه، وأخبر آخر أن مقبورا لفظته الأرض. وطعنه عليه لجحده سورتين من القرآن العظيم، يعني "المعوذتين" فإن لابن مسعود في ذلك سببا، والناس قد يظنون ويزلون، وإذا كان هذا جائزا على النبيين والمرسلين، فهو على غيرهم أجوز. وسببه في تركه، إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين، ويعوذ غيرهما، كما كان يعوذهما بـ "أعوذ بكلمات الله التامة" فظن أنهما ليستا من القرآن، فلم يثبتهما في مصحفه.
وبنحو هذا السبب أثبت أبي بن كعب في مصحفه، افتتاح دعاء القنوت، وجعله سورتين لأنه كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدعو بهما في الصلاة، دعاء دائما، فظن أنه من القرآن. وأما التطبيق فليس من فرض الصلاة، وإنما الفرض، الركوع والسجود، لقول الله عز وجل:{اركعوا واسجدوا} (1). فمن طبق فقد ركع، ومن وضع يديه على ركبتيه، فقد ركع. وإنما وضع اليدين على الركبتين، أو التطبيق من آداب الركوع. وقد كان الاختلاف في آداب الصلاة. فكان منهم من يقعي، ومنهم من يفترش، ومنهم من يتورك. وكل ذلك لا يفسد الصلاة وإن اختلف. وأما نسبته إياه إلى الكذب في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد
(1) الحج الآية (77).
من سعد في بطن أمه" (1).
فكيف يجوز أن يكذب ابن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الحديث الجليل المشهور، ويقول حدثني الصادق المصدوق، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، ولا ينكره أحد منهم؟ ولأي معنى يكذب مثله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر لا يجتذب به إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنه ضرا، ولا يدنيه من سلطان ولا رعية، ولا يزداد به مالا إلى ماله؟ وكيف يكذب في شيء، قد وافقه على روايته، عدد منهم أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبق العلم، وجف القلم، وقضي القضاء، وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاء لمن كذب وكفر". وقال عز وجل: "ابن آدم بمشيئتي كنت. أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت. أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضلي ورحمتي أديت إلى فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي". وهذا الفضل بن عباس بن عبد المطلب يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، وتوكل عليه تجده أمامك، وتعرف إليه في الرخاء، يعرفك في
(1) أخرجه: ابن أبن عاصم في السنة (1/ 79/178) والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 79 - 80/ 76) بلفظ: "ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره". قال الشيخ الألباني رحمه الله: "ضعيف مرفوعا، وإسناده كلهم ثقات رجال مسلم غير أن أبا إسحاق وهو عمرو بن عبد الله السبيعي كان اختلط ثم هو إلى ذلك مدلس، وقد عنعنه. والمحفوظ أنه موقوف على ابن مسعود. قلت: الموقوف أخرجه: مسلم (4/ 2037/2645) وابن حبان: الإحسان (14/ 52 - 53/ 6177).
والحديث أخرجه بلفظ الباب من حديث أبي هريرة مرفوعا: البزار (مختصر زوائد البزار (2/ 151/1600))، والطبراني في الصغير (ص 289/ح 760)، والآجري (2/ 368 - 369/ 405) واللالكائي (4/ 658/1057)، قال الهيثمي في المجمع (7/ 193):"رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح"، وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار: صحيح. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. أخرجه ابن أبي عاصم (1/ 83/188).
الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة" (1). وكيف يكذب ابن مسعود في أمر يوافقه عليه الكتاب. يقول الله تعالى:{أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} (2).
أي جعل في قلوبهم الإيمان كما قال في الرحمة: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (3) الآية: أي سأجعلها. ومن جعل الله تعالى في قلبه الإيمان، فقد قضى له بالسعادة. وقال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (4). ولا يجوز أن يكون: إنك لا تسمي من أحببت هاديا، ولكن الله يسمي من يشاء هاديا. وقال:{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (5) كما قال: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى} (6) ولا يجوز أن يكون سمى فرعون قومه ضالين، وما سماهم مهتدين. وقال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
(1) رواه عبد بن حميد في مسنده (635) عن المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس به، وليس الفضل. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 460):"إسناده ضعيف". أما اللفظ الثابت عن ابن عباس فقد أخرجه: أحمد (1/ 293) والترمذي (4/ 275 - 276/ 2516) وقال: "حسن صحيح".
(2)
المجادلة الآية (22).
(3)
الأعراف الآية (156).
(4)
القصص الآية (56).
(5)
النحل الآية (93).
(6)
طه الآية (79).
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (1). وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (2) وأشباه هذا في القرآن والحديث، يكثر ويطول. ولم يكن قصدنا في هذا الموضع، الاحتجاج على القدرية، فنذكر ما جاء في الرد عليهم، ونذكر فساد تأويلاتهم واستحالتها، وقد ذكرت هذا في غير موضع، من كتبي في القرآن. وكيف يكذب ابن مسعود في أمر توافقه عليه العرب في الجاهلية والإسلام قال بعض الرجاز:
يا أيها المضمر هما لا تهم
…
إنك إن تقدر لك الحمى تحم
ولو علوت شاهقا من العلم
…
كيف توقيك وقد جف القلم
وقال آخر:
هي المقادير فلمني أو فذر
…
إن كنت أخطأت فما أخطا القدر
وقال لبيد:
إن تقوى ربنا خير نفل
…
وبأمر الله ريثي وعجل
من هداه سبل الخير اهتدى
…
ناعم البال ومن شاء أضل
وقال الفرزدق:
(1) الأنعام الآية (125).
السجدة الآية (13).
ندمت ندامة الكسعي لما
…
غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنة فخرجت منها
…
كآدم حين أخرجه الضرار
ولو ضنت يداي بها ونفسي
…
لكان علي للقدر الخيار
وقال النابغة:
وليس امرؤ نائلا من هوا
…
هـ شيئا إذا هو لم يكتب
وكيف يكذب ابن مسعود رضي الله عنه في أمر توافقه عليه كتب الله تعالى
…
(1)
قال أبو محمد: وأما حديثه الآخر الذي نسبه فيه إلى الكذب، فقال رأى قوما من الزط، فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ثم سئل عن ذلك فقيل له: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد. فادعى في الحديث الأول أنه شهدها، وأنكر ذلك في الحديث الآخر وتصحيحه الخبرين عنه فكيف يصح هذا عن ابن مسعود، مع ثاقب فهمه، وبارع علمه، وتقدمه في السنة، الذين انتهى إليهم العلم بها، واقتدت بهم الأمة مع خاصته برسول الله صلى الله عليه وسلم ولطف محله. وكيف يجوز عليه أن يقر بالكذب، هذا الإقرار، فيقول: اليوم شهدت ويقول غدا: لم أشهد؟ ولو جهد عدوه، أن يبلغ منه ما بلغه من نفسه، ما قدر ولو كان به خبل، أو عته، أو آفة، ما زاد على ما وسم به نفسه. وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط (2). وما ذكر من حضوره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح
(1) تأويل مختلف الحديث (20 - 29).
(2)
أخرجه الترمذي (5/ 134/2861) وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
الأخبار وسقيمها، لأنهم أهلها والمعتنون بها وكل ذي صناعة أولى بصناعته. غير أنا لا نشك في بطلان أحد الخبرين لأنه لا يجوز على عبد الله بن مسعود، أنه يخبر الناس عن نفسه بأنه قد كذب، ولا يسقط عندهم مرتبته. ولو فعل ذلك، لقيل له: فلم خبرتنا أمس بأنك شهدت. فإن كان الأمر على ما قال أصحاب الحديث، فقد سقط الخبر الأول، وإن كان الحديثان جميعا صحيحين، فلا أرى الناقل للخبر الثاني إلا وقد أسقط منه حرفا، وهو (غيري) يدلك على ذلك أنه قال: قيل له، أكنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها أحد منا غيري. فأغفل الراوي (غيري) إما بأنه لم يسمعه، أو بأنه سمعه فنسيه أو بأن الناقل عنه أسقطه.
وهذا وأشباهه قد يقع ولا يؤمن. ومما يدل على ذلك، أنه قال له: هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: "ما شهدها أحد منا". وليس هذا جوابا لقوله: "هل كنت"؟ وإنما هو جواب لقول السائل: "هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن". وإذا كان قول السائل: هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ حسن أن يكون الجواب: "ما شهدها أحد منا غيري" يؤكد ذلك ما كان من متقدم قوله.
وأما ما حكاه عن حذيفة أنه حلف على أشياء لعثمان، ما قالها، وقد سمعوه قالها، فقيل له في ذلك. فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله. فكيف حمل الحديث على أقبح وجوهه، ولم يتطلب له العذر والمخرج، وقد أخبر به وذلك قوله:"أشتري ديني بعضه ببعض". أفلا تفهم عنه معناه، وتدبر قوله؟ ولكن عداوته لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما احتمله
من الضغن عليهم، حال بينه وبين النظر، والعداوة والبغض، يعميان ويصمان، كما أن الهوى يعمي ويصم. واعلم رحمك الله أن الكذب والحنث في بعض الأحوال، أولى بالمرء، وأقرب إلى الله من الصدق في القول والبر في اليمين. ألا ترى أن رجلا لو رأى سلطانا ظالما وقادرا قاهرا، يريد سفك دم امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، أو استباحة حرمه، أو إحراق منزله، فتخرص قولا كاذبا ينجيه به، أو حلف يمينا فاجرة، كان مأجورا عند الله، مشكورا عند عباده؟. (1)
وقال أبو محمد: وليس يخلو حذيفة في قوله لعثمان رضي الله عنه، ما قال من تورية إلى شيء في يمينه، وقوله، ولم يحك لنا الكلام فنتناوله، وإنما جاء مجملا. وسنضرب له مثلا كأن حذيفة قال: والناس يقولون عند الغضب، أقبح ما يعلمون، وعند الرضا أحسن ما يعلمون. إن عثمان خالف صاحبيه، ووضع الأمور غير مواضعها، ولم يشاور أصحابه في أموره، ودفع المال إلى غير أهله، هذا وأشباهه. فوشى به إلى عثمان رضي الله عنه واش، فغلظ القول وقال: ذكر أنك تقول: إني ظالم خائن، هذا وما أشبهه. فحلف حذيفة، بالله تعالى ما قال ذلك، وصدق حذيفة أنه لم يقل: إن عثمان خائن ظالم وأراد بيمينه، استلال سخيمته، وإطفاء سورة غضبه وكره أن ينطوي على سخطه عليه. وسخط الإمام على رعيته، كسخط الوالد على ولده، والسيد على عبده، والبعل على زوجه. بل سخط الإمام أعظم من
(1) تأويل مختلف الحديث (31 - 34).
ذلك حوبا، فاشترى الأعظم من ذلك بالأصغر، وقال:"أشتري بعض ديني ببعض".
وأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له. فإن أبا هريرة صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوا من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه وعمر بعده نحوا من خمسين سنة. وكانت وفاته، سنة تسع وخمسين، وفيها توفيت أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت عائشة رضي الله عنها، قبلهما بسنة. فلما أتى من الرواية عنه، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين إليه، اتهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة رضي الله عنها، أشدهم إنكارا عليه، لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضا، شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم، لا شاهد له عليه. وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يزيد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب، من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه. بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا، كسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث، استحلفته، فإن حلف لي صدقته وأن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر. ثم ذكر الحديث. أفما ترى تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك، كراهية التحريف، أو الزيادة في الرواية، أو
النقصان، لأنهم سمعوه عليه السلام يقول:"من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"(1).
وهكذا روي عن الزبير أنه رواه وقال: أراهم يزيدون فيه "متعمدا" والله ما سمعته قال "متعمدا". وروى مطرف بن عبد الله، أن عمران بن حصين قال: والله، إن كنت لأرى لو شئت لحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومين متتابعين، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون. فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لخدمته وشبع بطنه، وكان فقيرا معدما، وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودى ولا الصفق بالأسواق، يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات، وهو ملازم له لا يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا، وحفظ ما لم يحفظوا -أمسكوا عنه وكان مع هذا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده، فحكاه. وكذلك كان ابن عباس يفعل، وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب -بحمد الله- ولا على قائله -إن لم يفهمه السامع- جناح، إن شاء الله. وأما قوله:"قال خليلي، وسمعت خليلي". يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وأن عليا رضي الله عنه، قال له:"متى كان خليلك؟ ". فإن الخلة بمعنى الصداقة والمصافاة، وهي درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. كما أن الصحبة درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. ألا ترى
(1) الحديث صحيح متواتر فاق رواته الستين راويا. أخرجه: أحمد (3/ 98) والبخاري (1/ 268/108) ومسلم في مقدمته (1/ 10/2) والترمذي (5/ 2661/35) وابن ماجه (1/ 32/13) من طرق عن أنس بن مالك.
أن القائل: أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يريد بهذا القول معنى صحبة أصحابه له، لأنهم جميعا صحابة، فأية فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه في هذا القول؟ وإنما يريد أنه أخص الناس به.
وكذلك الأخوة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، هي ألطف من الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (1) وهكذا الخلة. فمن الخلة التي هي أخص، قول الله تعالى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (2). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا"(3). يريد لاتخذته خليلا، كما اتخذ الله إبراهيم خليلا. وأما الخلة، التي تعم، فهي الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين فقال:{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (4). فلما سمع علي أبا هريرة يقول: "خليلي، وسمعت قال خليلي" وكان سيء الرأي فيه، قال:"متى كان خليلك؟ ". يذهب إلى الخلة التي لم يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتها- خليلا، وأنه لو فعل ذلك بأحد، لفعله بأبي بكر رضي الله عنه. وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين، والولاية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه
(1) الحجرات الآية (10).
(2)
النساء الآية (125).
(3)
مسلم (1/ 377/532) من حديث جندب بن عبد الله، وفي الباب حديث ابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم.
(4)
الزخرف الآية (67).
الجهة- خليل كل مؤمن، وولي كل مسلم. وإلى مثل هذا، يذهب في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كنت مولاه، فعلي مولاه"(1) يريد أن الولاية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين، ألطف من الولاية التي بين المؤمنين بعضهم مع بعض، فجعلها لعلي رضي الله عنه. ولو لم يرد ذلك، ما كان لعلي في هذا القول فضل، ولا كان في القول دليل على شيء، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي كل مسلم ولا فرق بين ولي ومولي. وكذلك قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} (2) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أية امرأة نكحت، بغير أمر مولاها، فنكاحها باطل باطل"(3). فهذه أقاويل النظام، قد بيناها، وأجبناه عنها. وله أقاويل في أحاديث يدعي عليها، أنها مناقضة للكتاب، وأحاديث يستبشعها من جهة حجة العقل. وذكر أن جهة حجة العقل، قد تنسخ الأخبار، وأحاديث ينقض بعضها بعضا. وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله. (4)
قال أبو محمد: قالوا حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تسليما: قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليردن علي الحوض أقوام، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب، أصيحابي أصيحابي. فيقال لي: إنك لا
(1) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي سنة (145هـ).
(2)
محمد الآية (11).
(3)
أحمد (6/ 47و165 - 166) وأبو داود (2/ 566/2083) والترمذي (3/ 407 - 408/ 1102) والنسائي في الكبرى (3/ 285/5394) وابن ماجه (1/ 605/1879) وابن حبان (9/ 384/4074 الإحسان) قال الترمذي: "هذا حديث حسن". من طرق عن عائشة رضي الله عنها.
(4)
تأويل مختلف الحديث (37 - 43).
تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (1). قالوا: وهذه حجة للروافض في إكفارهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عليا وأبا ذر، والمقداد، وسلمان وعمار بن ياسر، وحذيفة.
قال أبو محمد ونحن نقول: إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل. يدلك على ذلك قوله:"ليردن علي الحوض أقوام". ولو كان أرادهم جميعا إلا من ذكروا لقال: "لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني". ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرا يسيرا قال: "أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة" ولم يجز أن يقول قوم لأن القوم، هم الذين تخلفوا. ويدلك أيضا قوله:"يارب، أصيحابي" بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول:"مررت بأبيات متفرقة"، و"مررت بجميعة". ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك. وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خوليد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة، هرب، فأسره خالد ابن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر رضي الله عنه في وثاق، فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد، ويضربونه ويقولون:"أي عدو الله، كفرت بالله بعد إيمانك؟ ". فيقول عدو الله: والله ماكنت آمنت. فلما كلمه
(1) أحمد (1/ 235و253) والبخاري (8/ 363/4625) ومسلم (4/ 2194/2860) واللفظ لمسلم. والترمذي (4/ 532/2423) والنسائي (4/ 423/2086) من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أبو بكر رضي الله عنه رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له أمانا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات. وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا صلى الله عليه وسلم، أسمنت في بلاده، ثم غزوته؟ فقال: هو ما ترى. وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا الأحمق المطاع". ولعيينة بن حصن أشباه، ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه.
ومنهم من ثبت على النفاق وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (1) الآية. فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه. وأما جميع أصحابه -إلا الستة الذين ذكروا- فكيف يختلجون؟ وقد تقدم قول الله تبارك وتعالى فيهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (2) إلى آخر السورة. وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (3).
قال أبو محمد: وحدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: أنا أبو داود، قال: نا قرة بن خالد، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قال قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال أوهم رحمه الله -هو الذي حدثني، أنهم كانوا خمس
(1) التوبة الآية (101).
(2)
الفتح الآية (29).
(3)
الفتح الآية (18).