الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَا فَاعْبُدْنِي} (1) فقد جعل هذا الزاعم إلها لموسى غير الله. وقال في آية أخرى لموسى في تكليمه إياه: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (2)
فمن لم يشهد أن هذا كلام الله وقوله تكلم به والله قاله وزعم أنه خلق فقد عظم شركه وافتراؤه على الله لأنه زعم أن خلقا قال لموسى: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فقد جعل هذا الزاعم للعالمين ربا غير الله فأي شرك أعظم من هذا؟ فتبقى الجهمية في هذه القصة بين كفرين اثنين إن زعموا أن الله لم يكلم موسى فقد ردوا كتاب الله وكفروا به، وإن زعموا أن هذا الكلام {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} خلق فقد أشركوا بالله، ففي هؤلاء الآيات بيان أن القرآن كلام الله تعالى، وفيها بيان شرك من زعم أن كلام الله خلق، وقول الله خلق، وما أوحى الله إلى أنبيائه خلق. (3)
- آثاره السلفية: له كتاب الرد على الجهمية: نظر فيه أحمد بن حنبل فتعجب منه، كذا في الحلية. (4)
موقفه من المرجئة:
- جاء في ترجمته في حلية الأولياء: قال أبو نعيم: وأما نقضه رحمه الله
(1) طه الآيتان (13و14).
(2)
القصص الآية (30) ..
(3)
حلية الأولياء (9/ 244 - 245) وفي السير (12/ 202).
(4)
(9/ 239).
على المرجئة الكرامية التي زعمت أن الإيمان هو القول باللسان من دون عقد القلب الذي هو التصديق، فقد صنف في الايمان وفي الأعمال الدالة على تصديق القلب وأمارته كتابا جامعا كبيرا.
حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني المقري ثنا محمد ابن زهير الطوسي ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر أن جبرائيل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإيمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره"(1). الحديث وهذا أول حديث ذكره واستفتح به كتابه وبنى عليه كلامه. قال محمد بن أسلم: فبدء الإيمان من قبل الله فضل منه ورحمة ومن يمن به على من يشاء من عباده، فيقذف في قلبه نورا ينور به قلبه ويشرح به صدره ويزيد في قلبه الإيمان ويحببه إليه، فإذا نور قلبه وزين فيه الإيمان وحببه إليه آمن قلبه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره وآمن بالبعث والحساب والجنة والنار حتى كأنه ينظر إلى ذلك، وذلك من النور الذي قذفه الله في قلبه، فإذا آمن قلبه نطق لسانه مصدقا لما آمن به القلب وأقر بذلك وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن هذه الأشياء التي آمن بها القلب فهي حق. فإذا آمن القلب وشهد اللسان عملت الجوارح، فأطاعت أمر الله عملت بعمل الإيمان وأدت حق الله عليها في فرائضه، وانتهت عن
(1) أحمد (1/ 27) ومسلم (1/ 36 - 38/ 8) وأبو داود (5/ 69 - 73/ 4695) والترمذي (5/ 8 - 9/ 2610) والنسائي (8/ 472 - 475/ 5005) وابن ماجه (1/ 24 - 25/ 63) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
محارم الله إيمانا وتصديقا بما في القلب ونطق به اللسان، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا. وقد بين الله ذلك في كتابه، وأن بدء الإيمان من قبله فقال تعالى:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إليكم الإيمان وزينه في قُلُوبِكُمْ} (1)
وقال: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} (2) أفلا يرون أن هذا التزيين وهذا النور من عطية الله ورزقه، يعطي من يشاء كما يشاء أترى أن الناس يمرون؟ وقال في كتابه:{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإيمان} (3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحارث بن مالك: "عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإيمان في قلبه"(4) وقال: "نور يقذف في القلب فينشرح وينفسح"(5)
ثم بين الرسول أنه يتبين على المؤمن إيمانه بالعمل حين قيل له هل له علامة يعرف بها قال: "نعم الإنابة إلى
(1) الحجرات الآية (7) ..
(2)
الزمر الآية (22).
(3)
الروم الآية (56).
(4)
أخرجه من حديث أنس: البزار (كشف الأستار 1/ 26/32) مطولا، وذكر له قصة. وقال عقبه:"تفرد به يوسف -أي ابن عطية- وهو لين الحديث". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 57) وقال: رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1/ 303 - 304/ 299)، وعبد الرزاق (11/ 129/20114) كلاهما عن معمر عن صالح ابن مسمار (زاد عبد الرزاق: وجعفر بن برقان)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارث بن مالك، فذكره مطولا. وهو معضل. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (115) عن ابن نمير نا مالك بن مغول عن زبيد، معضلا. وقد رويت هذه القصة موصولة عن الحارث نفسه، أخرجها: عبد بن حميد (المنتخب445)، والطبراني (3/ 302/3367) دون ذكر محمل الشاهد. وذكرها الهيثمي في المجمع (1/ 57) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (5/ 2272/3608): رواه البزار من حديث أنس والطبراني من حديث الحارث بن مالك وكلا الحديثين ضعيف". وانظر كلام الزبيدي عقبه.
(5)
انظر الحديث الآتي بعده ..
دار الخلود والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (1) ألا ترون أنه قد بين أن إيمانه يعرف بالعمل لا بالقول.
وقد بين أن الإيمان الذي في القلب ينفعه إذا عمل بعمل الإيمان، فإذا عمل بعمل الإيمان تتبين علامة إيمانه أنه مؤمن. فهذا كلامه الذي عليه ابتناء الكتاب وأنه جعل الأعمال علامة للإيمان، وأن الإيمان هو تصديق القلب، وأن اللسان شاهد يشهد ومعبر يعبر عما في القلب، لا أن الشاهد المعبر نفس الإيمان من دون تصديق القلب على ما زعمت الكرامية. وضمن هذا الكتاب من الآثار المسندة وقول الصحابة والتابعين أحاديث كثيرة.
قال محمد بن أسلم: وقال المرجئ: ويتفاضل الناس في الأعمال، خطأ لأنه زعم أن من كان أكثر عملا فهو أفضل من الذي كان أقل عملا، فعلى
(1) أخرجه من حديث ابن مسعود: الحاكم (4/ 311) وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله:"عدي بن الفضل ساقط".
وقال في الميزان (3/ 62): "قال ابن معين وأبو حاتم متروك الحديث". وقال يحيى لا يكتب حديثه، وقال غير واحد: ضعيف. انظر كلام أبي حاتم ويحيى بن معين في الجرح والتعديل (7/ 4). وأخرجه: ابن جرير (8/ 27)، وفي سنده سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني. قال أبو حاتم (4/ 45):"يتكلمون فيه، يقال إنه أخذ كتبا لمحمد بن سلمة فحدث بها، ورأيت فيها حدث أحاديث كذب" هذا أولا. والثاني الانقطاع بين أبي عبيد وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه. ورواه ابن جرير (8/ 27) أيضا بسند آخر وفيه محبوب بن الحسن الهاشمي واسمه محمد. قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعا، والحسن البصري وأبي جعفر المدائني كلاهما مرسلا. وقد فصل القول فيها الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (2/ 383 - 387) ثم قال:"وجملة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة الضعف الذي في جميع طرقه، وبعضها أشد ضعفا من بعض، فليس فيها ما ضعفه يسير يمكن أن ينجبر، خلافا لما ذهب إليه ابن كثير، وإن قلده في ذلك جماعة ممن ألفوا في التفسير، كالشوكاني في فتح القدير (2/ 154) وصديق حسن خان في فتح البيان (2/ 217)، وجزم الآلوسي في روح المعاني بنسبته إليه صلى الله عليه وسلم، ومن قبله ابن القيم في الفوائد (ص.27 ط. دار مصر) وعزاه للترمذي فجاء بوهم آخر. والعصمة لله وحده".
زعمه أن من الذي كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم عملوا بعده أعمالا كثيرة من الحج والعمرة والغزو والصلاة والصيام والصدقة والأعمال الجسمية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بالاتفاق، ثم من كان بعد أبي بكر الصديق وعمر قد عملوا الأعمال الكثيرة التي لم يعملها عمر ولم يبلغها، وعمر أفضل منهم. ثم من بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين قد عملوا أعمالا كثيرة أكثر مما عملته الصحابة، والصحابة أفضل منهم. فأي خطأ أعظم من خطأ هذا المرجئ الذي زعم أن الناس يتفاضلون بالأعمال وإنما الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، يفضل من يشاء من عباده على من يشاء عدلا منه ورحمة، فكل من فضله الله فهو أعظم إيمانا من الذي دونه، لأن الإيمان قسم من الله قسمه بين عباده كيف شاء، كما قسم الأرزاق فاعطى منها كل عبد ما شاء، ألا ترى إلى قول عبد الله بن مسعود (إذا أحب الله تعالى عبدا أعطاه الإيمان) فالإيمان عطية الله يعطيه من يشاء ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو قوله تعالى:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} (1) وقال: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} (2) أفلا ترون أن هذا التزيين وهو النور من عطية الله ورزقه، يعطي من يشاء كما يشاء، ألا ترى أن الناس يمرون يوم القيامة على الصراط على قدر نورهم فواحد نوره مثل الجبل، وواحد نوره
(1) الحجرات الآية (7).
(2)
الزمر الآية (22) ..
مثل البيت فكم بين الجبل والبيت من الزيادة والنقصان؟ فإذا كان نور من خارج مثل الجبل وآخر مثل البيت، فكذلك نورهما من داخل القلب على قدر ذلك، فالمرجئة والجهمية قياسهما قياس واحد؛ فإن الجهمية زعمت أن الإيمان المعرفة فحسب، بلا إقرار ولا عمل، والمرجئة زعمت أنه قول بلا تصديق قلب ولا عمل. فكلاهما شيعة إبليس وعلى زعمهم إبليس مؤمن، لأنه عرف ربه ووحده حين قال:{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (1) وحين قال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (2) وحين قَالَ {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} (3) فأي قوم أبين ضلالة وأظهر جهلا وأعظم بدعة من قوم يزعمون أن إبليس مؤمن؟ فضلوا عن جهة قياسهم يقيسون على الله دينه، والله لا يقاس عليه دينه، فما عبدت الأوثان والأصنام إلا بالقايسين، فاحذروا يا أمة محمد القياس على الله في دينه واتبعوا ولا تبتدعوا فإن دين الله استنان واقتداء واتباع لا قياس وابتداع.
قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله: اقتصرت من تفاصيله ومعارضته على المرجئة على ما ذكرت، وكتابه يشتمل على أكثر من جزءين مشحونا بالآثار المسندة وقول الصحابة والتابعين. (4)
(1) ص الآية (82).
(2)
الحشر الآية (16).
(3)
الحجر الآية (39).
(4)
الحلية (9/ 245 - 248).