الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقويا في طلب الخبر الواحد، أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها، حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي. فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيا، وبسق بعد أن كان دارسا، واجتمع بعد أن كان متفرقا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا، وتنبه عليها من كان عنها غافلا، وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغرائب وفي الغريب الداء. ولم يحملوا الضعيف والغريب، لأنهم رأوهما حقا، بل جمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، ليميزوا بينهما، ويدلوا عليهما، وقد فعلوا ذلك. (1)
موقفه من المشركين:
- قال رحمه الله: ولم يأت أهل التكذيب بهذا وأشباهه، إلا لردهم الغائب عنهم، إلى الحاضر عندهم، وحملهم الأشياء على ما يعرفون من أنفسهم، ومن الحيوان والموات، واستعمالهم حكم ذوي الجثث في الروحانيين. فإذا سمعوا بملائكة، على كواهلها العرش، وأقدامها في الأرض السفلى، استوحشوا من ذلك، لمخالفة ما شاهدوا -وقالوا: كيف تخرق جثث هؤلاء، السموات وما بينهما، والأرضين وما فوقها، من غير أن نرى لذلك أثرا؟ وكيف يكون خلق، له هذه العظمة؟ وكيف تكون أرواحا ولها
(1) تأويل مختلف الحديث (73 - 74).
كواهل وأقدار. وإذا سمعوا بأن جبريل عليه السلام، مرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي، ومرة في صورة دحية الكلبي، ومرة في صورة شاب، ومرة سد بجناحيه ما بين المشرق والمغرب. قالوا: كيف يتحول من صورة إلى صورة. وكيف يكون مرة، في غاية الصغر، ومرة في غاية الكبر: من غير أن يزاد في جسمه ولا جثته، وأعراضه؟ لأنهم لا يعاينون إلا ما كان كذلك. وإذا سمعوا بأن الشيطان يصل إلى قلب ابن آدم، حتى يوسوس له ويخنس. قالوا: من أين يدخل؟ وهل يجتمع روحان في جسم؟ وكيف يجري مجرى الدم؟ قال أبو محمد: ولو اعتبروا ما غاب عنهم، بما رأوه من قدرة الله جل وعز، لعلموا أن الذي قدر على أن يفجر مياه الأرض كلها إلى البحر، منذ خلق الله الأرض وما عليها، فهي تفضي إليه من غير أن يزيد فيه أو ينقص منه. ولو جعل لنهر منها مثل "دجلة" أو "الفرات" أو "النيل" سبيل إلى ما على وجه الأرض من المدائن والقرى والعمارات والخراب، شهرا، لم يبق على ظهرها شيء إلا هلك، هو الذي قدر على ما أنكروا. -وأن الذي قدر أن يحرك هذه الأرض، على عظمها وكثافتها، وبحارها، وأطوادها، وأنهارها حتى تتصدع الجبال، وحتى تغيض المياه، وحتى ينتقل جبل من مكان إلى مكان، هو الذي لطف لما قدر.
وأن الذي وسع إنسان العين، مع صغره وضعفه، لإدراك نصف الفلك، على عظمه، حتى رأى النجم من المشرق، ورقيبه من المغرب، وما بينهما، وحتى خرق من الجو، مسيرة خمسمائة عام هو الذي خلق ملكا، ما بين