الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية من كتاب مصر والإسلام
*
تمهيد:
عند ما خطا عمرو بن العاص خطواته الأولى على أرض مصر فاتحا في نهاية (عام 18 هـ/ 639 م) كانت مصر آنذاك مستعمرة بيزنطية، وكان الاستعمار البيزنطي لمصر هو الحلقة الأخيرة من سلسلة الاستعمار الأجنبي لها، الذي دام نحو اثني عشر قرنا من الزمان؛ فقد احتلها الفرس في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، ودام احتلالهم لها زهاء قرنين؛ أي: إلى الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد، حيث غزاها الإسكندر المقدوني في (سنة 332 قبل الميلاد) إلى (سنة 30 قبل الميلاد) ، وبعد وفاة الإسكندر حكمها البطالمة من (سنة 322 قبل الميلاد) ، ثم خلفهم الرومان ثم البيزنطيون إلى أن جاء عمرو بن العاص وفتحها وخلصها من ظلم البيزنطيين وجبروتهم.
ولا يتسع المقام هنا للحديث عن مظالم الحكم الروماني البيزنطي لمصر، وسيجد القارئ الكثير من الحديث عن هذا الحكم ومساوئه في غير هذا البحث من هذا الكتاب التذكاري الذي ينشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على الفتح الإسلامي لمصر.
فعمرو بن العاص إذن قد خلّص مصر وحرّر أهلها من حكم بيزنطي بغيض كانوا هم يكرهونه أشد الكره، ولذلك رحّبوا بالفتح الإسلامي لبلادهم، كما تؤكد ذلك المصادر والمراجع قديمها وحديثها «1» ، ونظروا إلى العرب الفاتحين على أنهم محررون لهم، وهذا هو الذي جعل مهمة عمرو بن العاص سهلة إلى حد كبير؛ لأن معاركه في مصر وعلى أرضها لم تكن مع شعب مصر ذاته، وإنما مع قوة احتلال بيزنطي مكروه إلى أبعد حدود الكره من ذلك الشعب، وكان عمرو بن العاص يعرف ذلك حق المعرفة، ولذلك جاء إلى مصر على رأس قوة صغيرة نسبيّا- أربعة آلاف جندي في البداية، ثم تزايد العدد إلى أن وصل إلى اثني عشر ألفا-
(1) ابن عبد الحكم- فتوح مصر وأخبارها. تحقيق محمد صبيح (ص 49) . وانظر كتاب الدعوة إلى الإسلام تأليف توماس آرنولد، ترجمة د. حسن إبراهيم حسن وآخرين (ص 123) .
قابل بهذا الجيش الصغير جيوش البيزنطيين التي كانت مرابطة في مصر وقوامها مائة ألف جندي «1» . عدا الفلول التي انهزمت في الشام ولجأت إلى مصر، وانتصر على كل هذه الأعداد الكبيرة؛ لأنها فقدت روح القتال، وهبطت معنوياتها إلى الحضيض، ولم تستطع الصمود في أية معركة أمام الجيش الإسلامي، بدا من حصار الفرما وسقوطها، ومرورا بمعارك بلبيس وأم دنين وعين شمس، وحصن بابليون، ثم معاركه في الدلتا حتى فتح الإسكندرية (سنة 21 هـ/ 642 م) واستغرق هذا الفتح نحو ثلاث سنوات «2» .
وكان أسهل فتح حققه العرب في بلد من البلاد، بسبب ترحيب المصريين بهم ومساعدتهم لهم، وقد كانوا عند حسن ظن المصريين بهم، فأحسنوا معاملتهم واحترموا عقيدتهم، ووفروا لهم حرية الدين التي افتقدوها في العهد البيزنطي، وأعادوا لهم رأس كنيستهم؛ البطريرك بنيامين، الذي كان مطاردا ومحكوما عليه بالإعدام من السلطات البيزنطية، لكن عمرو بن العاص لم يعده إلى كنيسته معززا مكرّما فقط؛ وإنما جعله من أقرب المقربين إليه، بل مستشاره في شؤون مصر الإدارية والمالية.
كيف نشأت فكرة فتح مصر في ذهن عمرو بن العاص، وما هي البواعث والدوافع الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي جعلته يقتنع بضرورة فتحها وضمها للدولة الإسلامية وطرد البيزنطيين منها، وكيف نجح في إقناع الخليفة عمر بن الخطاب بفكرته حتى وافقه عليها، وكيف كانت وقائع ذلك الفتح العظيم ونتائجه؟ كل ذلك تجيب عنه أبحاث أخرى في هذا الكتاب.
أما هذا البحث فقد خصص لموضوع محدد؛ وهو دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية وبناء الأساطيل الحربية، لا لمصر وحدها، بل لبلاد الشام وبلاد المغرب العربي الإسلامي؛ لأن مصر أصبحت منذ الفتح الإسلامي هي حصن الإسلام ورباطه في جناحه الغربي، أي حارسة أرضه والذائدة عن حياضه؛ وهذا أمر قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح بسنوات؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر؛ فاتخذوا فيها جندا كثيفا. فذلك
(1) ابن عبد الحكم- المصدر السابق (ص 56) .
(2)
انظر عن هذه المعارك تاريخ الطبري (4/ 104) وما بعدها. وانظر حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول للدكتور شكري فيصل (ص 118) وما بعدها.
الجند خير أجناد الأرض» فقال أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى اليوم القيامة» «1» .
فكلما ألمّ بالإسلام خطر داهم كانت مصر هي المنقذ، قد تكرر ذلك كثيرا، فمصر هي التي تصدّت للصليبيين، وضربتهم ضربتها القاضية في حطين، على أرض فلسطين، على أيدي البطل العظيم؛ صلاح الدين الأيوبي (سنة 583 هـ/ 1187 م)«2» ثم تابع حكام مصر بعده، سواء من أسرته أو من المماليك محاصرة الصليبيين ومطاردتهم، حتى طهّروا منهم أرض المشرق الإسلامي في نهاية المطاف.
ومصر هي التي تصدّت للهجمة المغولية المتوحشة، التي داهمت العالم الإسلامي من المشرق، واكتسحته اكتساحا، وأحدثت فيه من المجازر الوحشية ما لم يعرفه العالم قبل ذلك قط، وأعملت التخريب والتدمير في مدنه العامرة، بدا من سمرقند وبخارى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وبعدها مدن الشام العامرة، ولم يستطع أحد أن يوقف هذا السيل الوحشي المدمر إلا جيش مصر، في عين جالوت، على أرض فلسطين أيضا بقيادة السلطان قطز والقائد الفذ الظاهر بيبرس (سنة 658 هـ/ 1260 م)«3» .
ومصر هي التي تصدّت وتتصدّى للهجمة الصهيونية المعاصرة، المدعومة بكل جبروت أمريكا وأوروبا العسكري والسياسي، ورغم ذلك فقد قطع جيش مصر البطل الذراع الصهيونية وقهر جيشها الذي قيل عنه: إنه لا يقهر. فمصر إذا بموقعها الاستراتيجي الفريد، ورصيدها الحضاري العظيم، وشعبها الحي المكافح والمتسامح في نفس الوقت، مصر بهذا كله لها دور ومكانة لا تستطيع أبدا أن تتخلى عن هذا الدور في الدفاع عن الإسلام؛ لأن هذا هو ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم عند ما أوصى أصحابه أن يتخذوا فيها جندا كثيفا بعد الفتح، ليرابط فيها حارسا للإسلام ومدافعا عنه ضد كل من يحاول الاعتداء على مشرقه أو مغربه، وقول الرسول هذا عن مصر يدل على أنه كان واثقا كل الثقة من ذلك الفتح قبل وقوعه بسنوات؛ حتى المقوقس نفسه الذي كان يحكم مصر، والذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، مع أنه لم يسلم وضنّ بملكه، وهذا تعبيره هو نفسه، حيث قال لحاطب بن أبي بلتعة-
(1) السيوطي- حسن المحاضرة (1/ 14، 15) طبعة الحلبي، القاهرة.
(2)
د. سعيد عبد الفتاح عاشور- الحركة الصليبية (2/ 625) وما بعدها.
(3)
ابن كثير- البداية والنهاية (13/ 220) وما بعدها.