الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس
ملخص البحث
المعنون: «الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى أسبانيا» الذي سيقدم إلى المؤتمر الدولي الذي تنظمه رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع معهد الفتح الإسلامي بدمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة، والذي سيعقد في أسبانيا في صيف سنة (2003 م) تحت عنوان:«أثر الحضارة العربية الإسلامية في الغرب ودور أسبانيا في نقلها» .
قبل أن أقدم ملخصا لبحثي الذي سأتقدم به إلى ذلك المؤتمر أود أن أعبر عن إحساس بالسعادة الغامرة حين دعيت للإسهام في ذلك المؤتمر العلمي المهم لأسباب كثيرة، أهمها أن انعقاد هذا المؤتمر يجيء في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى أن نبعث من جديد صفحات طيبة من قصة العلاقات الطويلة والمتشابكة والمعقدة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولقد عرفت تلك العلاقات كثيرا من المواجهات العنيفة، وعرفت كذلك كثيرا من أوجه التعاون بصفة خاصة في الميدان العلمي، ومن مصلحة الطرفين الآن بعث وتزكية أوجه التعاون، وعلى الأخص صفحات إسهامات الحضارة العربية الإسلامية في إخراج أوربا من عصورها الوسطى المظلمة وتهيئتها لعصر النهضة، ولقد كانت «الأندلس» - أسبانيا والبرتغال- بلا جدال أهم حلقات الوصل والمعابر التي سلكتها الحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا.
ومما يزيد من أهمية ذلك المؤتمر أنه يجيء في وقت يمر فيه العالم بظروف صعبة للغاية بل لا أبالغ إذا قلت: إن العالم لم يمر طوال تاريخه بظروف أقسى وأصعب من تلك الظروف التي يمر بها الآن ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين حيث تسيطر الأنانية والكراهية والأحقاد واستقواء الأقوياء على الضعفاء، وحيث تشن الحروب غير المشروعة وغير المبررة تارة بحجة تحرير الشعوب من حكامها الطغاة الظلمة، وتارة أخرى بحجة المحافظة على حقوق الإنسان، غير أن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء تلك الحروب، وهي السيطرة على ثروات الشعوب والهيمنة وبسط النفوذ أظهر من أن تخفى على أحد.
في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العالم ترتفع صيحات عجيبة وغريبة بنظريات أعجب وأغرب، مثل نظرية أو مقولة «صراع الحضارات» وليس في أدبيات التاريخ
البشري أكذب من هذه المقولة، لسبب بسيط، وهو أن كلمتي صراع وحضارة تتناقضان تمام التناقض، والمسافة بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ لأن الحضارة تسامح وحب وعطاء، وكلها مفردات بعيدة كل البعد عن الصراع، فالإنسان المتحضر حضارة حقيقية لا يعرف إلا الحب والتسامح فإذا كان قويّا أخذ بيد الضعيف ورفع عنه الظلم، وإذا كان غنيّا عطف على الفقير وأعانه على أمره، وكذلك تفعل الدول القوية إذا كانت متحضرة حضارة حقيقية.
أما الصراع فلا يمكن أن يكون بين حضارات، وإنما يحدث الصراع من أجل السيطرة والهيمنة وفرض الإرادة ومن أجل المطامع الاقتصادية
…
إلخ. ولقد شهد التاريخ صراعات ومصادمات عنيفة بين مسلمين ومسلمين، وهم أبناء حضارة واحدة، وحدث الشيء نفسه بين مسيحيين ومسيحيين وهم أبناء حضارة واحدة. فالحربان العالميتان الأولى (1914- 1918 م) والثانية (1939- 1945 م) اشتعلتا على الأرض الأوربية في أقل من ربع قرن والذين أشعلوها أبناء حضارة واحدة. بل إن المصالح الاقتصادية والأهداف السياسية كانت تتغلب حتى على الدين فرأينا تحالفا وتعاونا يقوم بين دولة مسيحية ودولة مسلمة ضد دولة مسيحية ودولة مسلمة أخرى، كما حدث بين الأمويين في الأندلس والبيزنطيين في القسطنطينية ضد العباسيين في بغداد ودولة الفرنجة في الغرب وما حدث بين الأخيرتين من تحالف وتعاون ضد الأمويين والعباسيين وكل هذه التحالفات وراءها مصالح اقتصادية وسياسية، لا أريد أن أطيل أكثر من هذا بين يدي ملخص البحث، لأني لم أرد إلا التنويه بأهمية ذلك المؤتمر الذي يعد من وجهة نظري- تحية واجبة للحضارة العربية الإسلامية- وهي تستحقها لدورها العظيم في خدمة الحضارة الإنسانية بصفة عامة، والحضارة الأوربية بصفة خاصة. كما أحب أن أنوه بأن أعظم هدية قدمتها الحضارة العربية الإسلامية للبشرية هي التسامح، فالتسامح الذي تحلى به المسلمون الفاتحون الأقوياء مع الشعوب المغلوبة لا نظير له باعتراف كثير من الباحثين المنصفين من الأوربيين أنفسهم، الذين نذكر منهم على سبيل المثال السير «توماس أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» ، والعلامة «جوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب» ، والدكتورة «سيجريد هونكه» في كتابتها «شمس العرب تسطع على الغرب» .
فقد أظهر هؤلاء العلماء كيف كان تسامح المسلمين الفاتحين مع المغلوبين وتركوا لهم الحرية الكاملة في مجال العقيدة وحافظوا على أرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم،
والتسامح من جانب المسلمين مع غير المسلمين ليس منحة وامتنانا وإنما هي أوامر إلهية؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إيمان، أي: تؤمن بالله ورسله وكتبه ولا يتسع المجال في هذه العجالة لإيراد الآيات والأحاديث النبوية التي تأمر المسلمين أمرا جازما بالإحسان والتسامح مع غير المسلمين.
هذا المؤتمر جاء في وقته عساه أن يذكرنا بجوانب العطاء الحضاري ويعلمنا أن الحضارة حب وتسامح واحترام وتبادل منافع في كل مجالات الحياة وليست صراعا وقهرا.
أعتذر عن الإطالة وأقدم نبذة عن أهم الموضوعات التي تناولتها في بحثي وهي كالآتي:
أولا: أعطيت فكرة عن الدور الذي قام به «بنو أمية» في التاريخ العالمي، وكيف كونوا دولتهم ووطدوا أركانها وطوروا أجهزتها السياسية والإدارية وأشاعوا جوّا من التسامح مع أبناء البلاد التي فتحوها، وأشركوهم في إدارة بلادهم، مما جعل الكثيرين منهم يعتنقون الإسلام عن طواعية واختيار، وكان الحديث عن دور «بني أمية» في التاريخ ضروريّا- من وجهة نظري- لمعرفة الشجرة التي انبثق منها الفرع الذي أقام الدولة الأموية الأندلسية، وهو «عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان» ، الذي قام بمغامرة شبه أسطورية- غير مسبوقة في التاريخ- وتخطى الأهوال والصعاب وحط على أرض الأندلس ليقيم دولة عظيمة استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون (138- 422 هـ/ 756- 1031 م) . ولقد كانت تلك القرون باعتراف معظم الباحثين من أعظم عصور التاريخ الأندلسي.
ثانيا: نوهت عن دور الأمويين في المحافظة على التراث الحضاري الإنساني الذي وجدوه في البلاد التي فتحوها، فكما هو معروف فتح الأمويون مناطق شاسعة من العالم القديم في آسيا وإفريقيا وأوربا، وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقا إلى الأندلس- شبه جزيرة أيبريا- غربا، ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا. وهذه المناطق كانت تحتوي على التراث الحضاري للأمم القديمة، مثل الصينيين والهنود والفرس وأهل العراق وأهل الشام ومصر، فضلا عن التراث العظيم للحضارتين الإغريقية والرومانية، فلقد حافظ الأمويون على هذا التراث الإنساني العظيم محافظة المحب العارف بقيمته، واستمرت مراكز العلم والفكر تؤدي دورها
تحت الحكم الأموي وبتشجيع من الخلفاء والأمراء، فبقيت مدارس الإسكندرية وأنطاكية ودمشق والرها ونصيبين وحران وجنديسابور
…
إلخ، تعمل كما كانت بل أكثر، وكان الأمويون يدخرون ذلك التراث ليوم يجيء بحيث يكونون فيه قادرين على ترجمته إلى اللغة العربية، ولكن سقوط دولتهم مبكرا ودون توقع حال دون ذلك، وكان شرف ترجمة ذلك التراث كما هو معروف من نصيب العباسيين، ورغم قصر مدة حكم الدولة الأموية فقد كانت لهم محاولات في الترجمة مبكرة ومبشرة وواعدة أشرت إليها في ثنايا البحث.
ثالثا: اقتضى هذا البحث حديثا موجزا عن الفتح الإسلامي للأندلس لبيان المسرح الذي أدى عليه الأمويون دورهم الحضاري العظيم، ونوهت بسياستهم التي خلقت الجو المناسب لنمو وازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس.
رابعا: تحدثت- بإيجاز- عن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وكيف تألقت علوم كثيرة عربية إسلامية كالفقه والتفسير والحديث واللغة العربية وآدابها والتاريخ والجغرافيا، وهذه علوم أسسها العرب المسلمون منذ بداية الفتح، فقد كانت جيوش الفتح تضم كثيرا من التابعين وهم فقهاء في الشريعة الإسلامية وعلومها، ثم تألقت علوم الطب والرياضيات
…
إلخ. وفي خلال ثلاثة القرون التي حكم فيها الأمويون الأندلس كانت هي البقعة الوحيدة المضيئة في غرب أوربا، وعاشت عصرها الذهبي، وكانت المدن الأندلسية أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها فكثير من الباحثين يقولون: إن سكان قرطبة- عاصمة الأمويين- كانوا يفوقون المليون مواطن، وهذا في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي- لم يتأت لمدينة في العالم ولا حتى بغداد نفسها. وكانت شوارع قرطبة وغيرها من كبريات المدن الأندلسية مبلطة وتضاء بالمصابيح ليلا وترش بالمياه نهارا، وكان بها سبعون مكتبة عامة؛ لأن الولع باقتناء الكتب لم يكن وقفا على العلماء، بل كان ولعا عامّا، ويتحدث المؤرخون عن أن محلّا واحدا من محلات نسخ الكتب كان يعمل به مائة وسبعون فتاة في نسخ الكتب، وهذا شيء مذهل حقّا ويعني أن التعليم كان للجنسين، الرجال والنساء، وكانت مكتبة الخليفة الحكم المستنصر (350- 366 هـ/ 961- 976 م) تضم ستمائة ألف كتاب، وأنه قرأ
كثيرا من هذه الكتب وعلق عليها بخط يده، تتواتر المصادر في أخبارها أنه إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ومالقة وغيرها من المدن الأندلسية في عصر بني أمية كانت تتجه وفود طلاب العلم من بعض البلاد الأوربية للتزود بالعلوم، وتتجه وفود العواهل الأوربيين في طلب الأدوية أو أدوات الترف والزينة، وحتى أدوات الموسيقى والغناء. وكان الأغنياء في البلاد الأوربية المجاورة يفاخرون بما يقتنونه من المنسوجات والمصنوعات المعدنية الأندلسية التي لا يجدون مثلها في بلادهم. والحديث في ذلك الميدان يطول وسيجد القارئ تفصيلات أكثر في البحث.
خامسا: كان من الضروري التنويه بالدور الخطير الذي قام به الأمويون في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس ونقلها إلى بقية دول أوربا. فالمصادر التي أرخت للأمراء والخلفاء الأمويين الأندلسيين أجمعت على أن معظمهم كانوا واسعي الثقافة محبين للعلم والعلماء، والناس على دين ملوكهم، فلولا تشجيع الأمويين للحركة العلمية في الأندلس لما بلغت ما بلغته من ازدهار وتوهج، ومما هو جدير بالذكر أن الأمويين في الأندلس رغم انفصالهم السياسي عن الدولة العباسية في المشرق بل رغم العداء الذي استمر بينهم إلى النهاية إلا أنهم لم ينفصلوا عن المشرق حضاريّا، بل كانوا يعدون أنفسهم لمنافسة خلفاء بغداد في مجال الاحتفاء بالعلم والعلماء ولقد اجتهدوا في أن يجعلوا عاصمتهم قرطبة ندّا لبغداد في النظافة والمرافق العامة.
ولقد كان الأمويون في الأندلس متابعين جيدين للحركة العلمية في المشرق بصفة عامة وفي بغداد بصفة خاصة، وكان لهم وكلاء مقيمون إقامة دائمة في المشرق للاطلاع على كل جديد وإرساله إلى قرطبة وكثير من مؤلفات المشرقيين كانت تعرف طريقها إلى قرطبة قبل أن تقرأ في بغداد نفسها، ومشهورة قصة كتاب «الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني» الذي وصل إلى الخليفة الحكم المستنصر في قرطبة ودفع فيه ألف دينار ذهبا قبل أن يطلع عليه أحد في موطنه الأصلي في بغداد. وهذا العاهل الأندلسي كان مولعا بجمع الكتب حتى من قبل أن يلي الخلافة، وتروي المصادر أنه جمع من الكتب وحده ما يضاهي ما جمعه خلفاء بني العباس مجتمعين. ولقد حذت الطبقة الأرستقراطية في قرطبة وغيرها حذو عاهلها العالم في جمع الكتب في قصورها، بل يقال: لا يكاد يخلو بيت في قرطبة من مكتبة