المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ بنو أمية في التاريخ: - السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

[عبد الشافى محمد عبد اللطيف]

فهرس الكتاب

- ‌[بحوث في السيرة النبوية والتأريخ الإسلامي]

- ‌مقدّمة

- ‌[البحث الأول] أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

- ‌ مقدمة

- ‌ دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ بداية التأليف في السيرة النبوية:

- ‌طبقات كتّاب السيرة

- ‌ رجال الطبقة الأولى من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- أبان بن عثمان:

- ‌2- عروة بن الزبير:

- ‌3- شرحبيل بن سعد:

- ‌4- وهب بن منبه:

- ‌ رجال الطبقة الثانية من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري

- ‌2- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري

- ‌3- عاصم بن عمر بن قتادة:

- ‌ رجال الطبقة الثالثة من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- موسى بن عقبة:

- ‌2- معمر بن راشد:

- ‌3- محمد بن إسحاق المطلبي

- ‌ رحلته إلى العراق:

- ‌ مكانة ابن إسحاق العلمية:

- ‌ متى ألف ابن إسحاق

- ‌أ- التاريخ الجاهلي:

- ‌ب- المبعث:

- ‌ج- المغازي:

- ‌ عمرو بن حزم الأنصاري:

- ‌ الواقدي

- ‌ محمد بن سعد:

- ‌[البحث الثاني] صدى الدعوة في مدن الحجاز غير مكة- كالطائف والمدينة

- ‌ الحالة الدينية في الحجاز قبيل ظهور الإسلام:

- ‌ الحالة الدينية في المدينة قبيل البعثة:

- ‌ صدى الدعوة في يثرب:

- ‌ صدى الدعوة لدى اليهود في يثرب:

- ‌ اثر اليهود في تطور موقف عرب يثرب من الدعوة:

- ‌ صدى الدعوة في يثرب بعد اتصالاتها المباشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌ التحول الكبير في موقف عرب يثرب:

- ‌ صدى رحلة مصعب بن عمير:

- ‌ اهل يثرب والتحدي الكبير:

- ‌ صدى الدعوة في خيبر:

- ‌[البحث الثالث] العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر

- ‌العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر

- ‌ قريش تستمر في إلحاق الأذى بالمهاجرين:

- ‌ قريش تصادر ديار المهاجرين واموالهم:

- ‌ المهاجرون في سجون مكّة:

- ‌ الدولة الإسلامية تقوم في المدينة لتحمي الدعوة:

- ‌ التحديات الكبرى أمام الدولة الوليدة:

- ‌ النشاط العسكري الإسلامي قبل بدر:

- ‌ أهداف السرايا والغزوات الأولى:

- ‌ سرية عبد الله بن جحش

- ‌[البحث الرابع] العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك

- ‌ تمهيد:

- ‌ المسلمون قبل اتصالهم بالروم:

- ‌ اتصال المسلمين بالروم:

- ‌ المقدمات التي أدّت إلى غزوة مؤتة:

- ‌ تدخل الروم في مؤتة إعلان حرب على الإسلام:

- ‌ من مؤتة إلى تبوك:

- ‌ الأسباب المباشرة لغزوة تبوك:

- ‌ ماذا صنع النبي في تبوك

- ‌ نتائج غزوة تبوك:

- ‌[البحث الخامس] الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ المقصود بالإدارة هنا:

- ‌ طبيعة الدعوة الإسلامية:

- ‌ قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ أول رئيس للدولة الإسلامية:

- ‌ هيئة الحكومة النبوية:

- ‌ صاحب السر:

- ‌ صاحب الشرطة:

- ‌ حراس الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حراس المدينة أو شرطة المدينة:

- ‌ المنفذون للحدود بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حجّاب الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حاملوا خاتم الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ بيت الضيافة:

- ‌ مراقبة الأسواق:

- ‌ جهاز جمع المعلومات «المخابرات» :

- ‌ كتّاب الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ جهاز الإعلام:

- ‌ خلفاء الرسول على المدينة أثناء غيابه عنها في غزو أو غيره:

- ‌ اتساع نفوذ الدولة الإسلامية:

- ‌ اليمن أول إقليم عربي يدخل تحت سيادة الدولة الإسلامية:

- ‌ ولاية مكة:

- ‌ ولاية الطائف:

- ‌ إسلام البحرين:

- ‌ إسلام اهل عمان:

- ‌[البحث لسادس] دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ قيام دولة الإسلام: * في عهد النبي:

- ‌ الإسلام دين عالمي:

- ‌ السلام أساس العلاقات الدولية في الإسلام:

- ‌ الحرب المشروعة في الإسلام:

- ‌الحالة الأولى: الدفاع عن النفس

- ‌الحالة الثانية: الدفاع عن المظلومين

- ‌الحالة الثالثة: الدفاع عن حرية نشر العقيدة

- ‌ آداب الحرب في الإسلام

- ‌ مبادئ القانون الدولي في الإسلام:

- ‌ الإسلام يحترم مبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم:

- ‌ معاهدة الحديبية في ميزان العلاقات الدولية:

- ‌ الإسلام والعالم:

- ‌ خاتمة البحث:

- ‌[البحث السابع] قراءة تاريخية جديدة في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفتوحات الإسلامية

- ‌ موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات

- ‌[البحث الثامن] دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية من كتاب «مصر والإسلام»

- ‌ تمهيد:

- ‌ بداية التفكير في إنشاء قوة بحرية إسلامية:

- ‌ معارضة عمر بن الخطاب لمشروع معاوية:

- ‌ التجربة الأولى:

- ‌ التجربة الفاشلة الثانية:

- ‌ معاوية ينجح في أخذ موافقة عثمان بن عفان:

- ‌ الارتباط الأمني بين مصر والشام:

- ‌ دور الصناعة في مصر وأثرها في إنشاء الأساطيل الإسلامية

- ‌ دار الصناعة في الإسكندرية:

- ‌ دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس:

- ‌ دار صناعة السفن بالقلزم- السويس

- ‌ دار صناعة السفن بجزيرة الروضة:

- ‌ المصريون يبنون أساطيل الشام:

- ‌ دور المصريين في إنشاء أسطول المغرب العربي:

- ‌[البحث التاسع] الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك

- ‌ تمهيد:

- ‌ المسلمون والفرس:

- ‌ ردة الفرس بعد وفاة عمر بن الخطاب:

- ‌ سياسة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما تجاه البلاد المفتوحة:

- ‌ بلاد ما وراء النهر قبيل الفتح الإسلامي:

- ‌ المراحل التمهيدية لفتح بلاد ما وراء النهر:

- ‌ فتوحات قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر:

- ‌ خطوات الفتح ومراحله:

- ‌المرحلة الأولى: استغرقت عاما واحدا تقريبا (86- 87 ه

- ‌المرحلة الثانية (87- 90 ه

- ‌المرحلة الثالثة (90- 93 ه

- ‌المرحلة الرابعة (93- 96 ه

- ‌ موقف الخليفة الوليد من قتيبة:

- ‌ بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة:

- ‌ العباسيون وبلاد ما وراء النهر:

- ‌ انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر:

- ‌تمهيد:

- ‌ العباسيون وانتشار الإسلام فيما وراء النهر:

- ‌[البحث العاشر] تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين

- ‌ مقدمة:

- ‌ العلاقات الإسلامية البيزنطية في عهد النبي والخلفاء الراشدين:

- ‌ العلاقات الإسلامية البيزنطية في العهدين الأموي والعباسي:

- ‌ تبادل الوفود لعقد معاهدات الصلح:

- ‌ الوفود والبعثات العلمية:

- ‌ التعاون بين الدولتين في المجالات العمرانية:

- ‌ تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة:

- ‌[البحث الحادي عشر] الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس

- ‌ملخص البحث

- ‌ بنو أمية في التاريخ:

- ‌ الأمويون والحضارة الإنسانية:

- ‌ الأمويون والترجمة:

- ‌ الفتح الإسلامي للأندلس:

- ‌ الدولة الأموية في الأندلس:

- ‌ مجمل الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في الأندلس الأموية:

- ‌ الجيش:

- ‌ الأوضاع الاقتصادية في الأندلس الأموية:

- ‌ ازدهار الصناعة:

- ‌ دور الأمويين في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس:

- ‌[البحث الثاني عشر] واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة

- ‌ جر العالم الإسلامي إلى أحلاف تخدم الأهداف الاستعمارية:

- ‌ الأحلاف الغربية الإسلامية:

- ‌ حربا الخليج الأولى والثانية وتدمير العراق:

- ‌ حرب الخليج الأولى (1980- 1988 م) :

- ‌ حرب الخليج الثانية:

- ‌ الإسلام العدو الأول للغرب:

- ‌ أهم المشكلات التي يعانيها المسلم المعاصر:

- ‌1- الظاهرة الأولى: العلاقات الإسلامية

- ‌2- الظاهرة الثانية: [غياب الديمقراطية]

- ‌[البحث الثالث عشر] نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية

- ‌ الخلفية التاريخية للاستشراق:

- ‌ دور المستشرقين المتعصبين في تشويه صورة الإسلام في الغرب:

- ‌ بداية الاستشراق:

- ‌ تطور الحركة الاستشراقية:

- ‌ الاستشراق والحروب الصليبية:

- ‌الفهرس

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌ بنو أمية في التاريخ:

خاصة، ومما يلفت النظر أيضا في هذا المجال أن قنوات الأمويين الثقافية لم تكن مفتوحة على الشرق الإسلامي فقط. بل فتحوا قنوات مع الدولة البيزنطية التي عرف أباطرتها ولع الأمويين بالمخطوطات اليونانية القديمة فكانت أعظم هدية يقدمها العاهل البيزنطي في القسطنطينية إلى العاهل الأموي في قرطبة هي صناديق الكتب والمخطوطات اليونانية القديمة، ومن الأمثلة على ذلك الهدية الثمينة التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي «قسطنطين السابع» إلى الخليفة الأموي «عبد الرحمن الثالث» وكان منها كتابان، أحدهما كتاب «الأدوية المفردة» ل «ديسقوريدس» وكان باللغة اليونانية، والثاني الكتاب المعروف ب «التواريخ السبعة» ل «أورسيوس» وهو باللغة اللاتينية. أظن أن هذا القدر يكفي في هذا الملخص وسيجد القارئ الكريم كثيرا من التفصيلات عن هذه الموضوعات في ثنايا البحث كاملا إن شاء الله تعالى.

ولا يسعني في ختام هذا الموجز إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم التقدير لرابطة الجامعات الإسلامية ومعهد الفتح الإسلامي في دمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة على التكرم بدعوتي للإسهام في هذا المؤتمر الهام، والله ولي التوفيق.

*‌

‌ بنو أمية في التاريخ:

ينتسب الأمويون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهم أبناء عمومة بني هاشم، الجد الثاني للنبي محمد- عليه الصلاة والسلام فهم جميعا يلتقون في عبد مناف، فهم عرب أقحاح، ومن أصرح العرب نسبا وأعلاهم شرفا في الجاهلية والإسلام.

ولقد قامت الدولة الأموية على يد مؤسسها معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عام (41 هـ/ 661 م) وهو العام الذي أطلق عليه المؤرخون عام الجماعة؛ لأنه جاء بعد ما يقرب من عقد من الزمان من الفتن والمحن والحروب الأهلية الطاحنة في الجمل وصفين، فكأن هذا الوصف جاء يحمل استبشارا بالمستقبل وتعلقت الآمال بالخليفة الجديد ليضمد جراح الأمة ويعيد لها وحدتها وانسجامها، وقد كان عند حسن الظن به، فالمؤرخون يكادون يجمعون على أن معاوية كان رجلا عظيما، سياسيّا من الطراز الأول ومن بناة الدول الكبار، يتحلى بكل الصفات اللازمة لرجل الدولة، من حسن السياسة وتأليف القلوب

ص: 326

والتسامح والكرم «1»

إلخ وكانت النتيجة أنه جلس على سدة الحكم ما يقرب من عشرين عاما أشاع خلالها الأمن والاطمئنان في ربوع الدولة، وجعلها دولة قوية متماسكة يهابها الأعداء ويرجو نفعها الأصدقاء.

استمرت الدولة الأموية في الحكم في الشرق إحدى وتسعين سنة هجرية (41- 132 هـ/ 661 م- 750 م) تولى الحكم خلال هذه المدة من بني أمية أربعة عشر خليفة، أولهم معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة، وآخرهم مروان بن محمد بن مروان (127- 132 هـ/ 745- 750 م) .

وكان من هؤلاء الخلفاء رجال عظاماء، سهروا على رعاية شؤون الدولة ومد حدودها وحماية تلك الحدود، وكان لديهم إحساس عميق بالمسؤولية، مثل معاوية بن أبي سفيان (41- 60 هـ/ 661- 680 م) وعبد الملك بن مروان (65- 86 هـ/ 685- 705 م) والوليد بن عبد الملك (86- 96 هـ/ 705- 715 م) وسليمان ابن عبد الملك (96- 99 هـ/ 715- 718 م) وعمر بن عبد العزيز (99- 101 هـ/ 718- 720 م) وهشام بن عبد الملك (105- 125 هـ/ 724- 743 م) .

وكان منهم رجال صغار- في الحقيقة لا يستحقون وصف الرجال- لأنهم لم يكونوا أكفاء لإدارة دولة اتسعت رقعتها وامتدت حدودها من الصين شرقا إلى جنوب غرب أوربا غربا، ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا، ومن هؤلاء يزيد بن عبد الملك (101- 105 هـ/ 720- 724 م) وابنه الوليد بن يزيد (125- 126 هـ/ 743- 744 م) وابنا عمه يزيد بن الوليد (126- 127 هـ/ 744- 745 م) وإبراهيم بن الوليد (127 هـ/ 745 م) فقد أسهم هؤلاء بعجزهم السياسي والإداري في سقوط الدولة إلى جانب المشكلات الكثيرة والخطيرة التي تكالبت عليها، وعلى الرغم من أن الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد بن مروان (127- 132 هـ/ 745- 750 م) كان رجلا يعد من الكبار إلا أنه لم يستطع أن يوقف التدهور الذي أدى بالدولة إلى السقوط؛ لأن المشكلات كانت أكبر منه، وليس هنا مجال شرح الأسباب.

(1) انظر ترجمة معاوية في المصادر الآتية: ابن سعد- الطبقات الكبرى طبعة دار صارت بيروت (3/ 32) ، مصعب الزبيري- نسب قريش، دار المعارف، القاهرة، (1976 م)(ص 134) ، ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق د. محمد إبراهيم البنا وآخرين، دار الشعب، القاهرة (1970 م) ، (5/ 209) .

ص: 327

ومع أن هذا البحث ليس معنيّا بالتأريخ للدولة الأموية الأم في المشرق، إلا أنني رأيت أنه من الضروري أن تقال كلمة عن تلك الدولة، لنتعرف على أصل الشجرة التي انبثق منها الفرع الذي شاد الدولة الأموية في الأندلس، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ولنتعرف على الدور العظيم الذي قام به الأمويون في الشرق في الحفاظ على التراث الحضاري العالمي وصيانته، وهو التراث الذي نهلت منه الحضارة العربية الإسلامية في الشرق والغرب على السواء.

عند ما أسس معاوية الدولة الأموية سنة (41 هـ/ 661 م) . واتخذ من دمشق عاصمة لها، كانت تتكون من شبه جزيرة العرب بكاملها، والعراق وكل أراضي الدولة الساسانية القديمة والشام ومصر، بل امتد نفوذها إلى تونس الحالية، وقبل نهاية القرن الهجري الأول أوصل الأمويون حدودها إلى الصين شرقا وإلى شبه جزيرة إيبيريا غربا. فقد أكملوا فتح الشمال الأفريقي كله حتى المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- بل فتحوا جزآ لا بأس به من جنوب فرنسا، ثم فتحوا آسيا الوسطى، أو ما سماه المسلمون بلاد ما وراء النهر، ثم فتحوا إقليم السند في شبه القارة الهندية، وهو فتح لا يزال بعض المؤرخين في حيرة من أمره وفي ارتباك شديد في تفسير أسبابه وسرعته.

ولكن الأمر الذي يكاد يجمع عليه المؤرخون المنصفون في الشرق والغرب أن هذا الفتح لم يكن فتحا عسكريّا للسيطرة على الشعوب ونهب خيراتها وتدمير منشاتها بل كان فتحا دينيّا ولغويّا وثقافيّا، حيث بدأ الإسلام واللغة العربية ينتشران في البلاد المفتوحة بخطى حثيثة، والذي يدرس تاريخ البلاد التي فتحها المسلمون في قارات العالم القديم- آسيا وإفريقيا وأوربا- بحياد وإنصاف ونبذ للتعصب والحقد، يدرك الفرق بين ما كانت عليه تلك البلاد قبل الفتح من تخلف وما أصبحت فيه بعد الفتح من تقدم وازدهار ورقي حضاري غير مسبوق، ويدرك أن مجمل الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد المفتوحة قد تغيرت إلى الأحسن والأفضل وأن شعوب تلك البلاد شعرت بالأمن والاطمئنان، والكرامة الإنسانية.

ولا بأس من التذكير هنا بشهادة بعض أبناء البلاد التي فتحها المسلمون في العصر الأموي لمعرفة الفرق بين ما كانت عليه وما صارت إليه تحت الحكم العربي الإسلامي.

ص: 328

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي عن السند قبل أن يدخلها الإسلام «1» : «كانت هذه البقعة من الأرض وما جاورها من البلدان تعيش في عزلة عن العالم يحكمها ولاة يعتبرون أنفسهم آلهة على الأرض، والناس كانوا يكفرون بين أيديهم ويقدسونهم كتقديس العبد لربه، وكانت الأرض وخيراتها ملكا لهم، والناس عبيد عندهم يفعلون ما شاؤوا ويحكمون بما أرادوا، الرقاب تحت سيوفهم، والأعراض رهينة شهواتهم، الضعيف المكافح كان أذل من الحيوان، ولم يكن الشرف إلا بالوراثة، أما من ناحية العقيدة فلم تكن هناك ديانة واحدة، بل ديانات متفرقة، ليس فيما بينها رابط جامع، وكل ما في الأمر أنهم كانوا يعتزون بطقوس وتقاليد ورثوها من آبائهم، وتمسكوا بها جهلا وغرورا. إن دخول الإسلام بلاد السند وبلاد الهند كان فاتحة عصر جديد، عصر علم ونور، وحضارة وثقافة

» ثم يقول:

«لم يكن العرب المسلمون من طراز أولئك الغزاة، الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها، واعتبروها بقرة حلوبا، أو ناقة ركوبا، يحلبون ضرعها، ويركبون ظهرها ويجزون صوفها، ثم يتركونها هزيلة عجفاء. ولا يعتبرون أنفسهم إلا كالإسفنج يتشرب الثروة من مكان ويصبها في مكان آخر، كما كان شأن الإنجليز في الهند، وفرنسا في الجزائر والمغرب الأقصى، وإيطاليا في طرابلس وبرقة، وهولندا في أندونيسيا. بل وهب العرب البلاد التي فتحوها أفضل ما عندهم، من عقيدة ورسالة وأخلاق وسجايا، ومقدرة وكفاية، وتنظيم وإدارة، أقبلوا عليها بالعقل النابغ والشعور الرقيق، والذوق الرفيع، والقلب الولوع، واليد الحاذقة الصنّاع، فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة، ومن عهد الطفولة إلى عهد الشباب الغض؛ فأمنت بعد خوف، واستقرت بعد اضطراب، وأخذت الأرض زخرفها، وبلغت المدنية أوجها، وتحولت الصحاري الموحشة والأرض القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة، وتحولت الغابات إلى حدائق ذات بهجة، والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة مدنية، ونشأت علوم لا علم بها للأولين، وفنون وأساليب في الحضارة لا عهد لهم بها في الماضي، وانتشرت التجارة وازدهرت الزراعة، فكأنما ولدت هذه البلاد في العهد الإسلامي ميلادا جديدا ولبست ثوبا قشيبا..» ا. هـ.

هذه شهادة واحد من أبناء الطرف الشرقي للدولة الإسلامية، وإليك شهادة

(1) من تقديمه لكتاب الدكتور عبد الله الطرازي- موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لبلاد السند والبنجاب- عالم المعرفة، جدة (1403 هـ)(1/ 6، 7) .

ص: 329

واحد من أبناء الطرف الغربي وهو العلامة المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون الذي يوضح الفرق بين الأندلس- أسبانيا- قبل وبعد الفتح الإسلامي فيقول «1» : «كانت أسبانيا النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملوك القوط، ولم يكد العرب يتمّون فتح أسبانيا حتى بدؤوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين، ويعمروا خراب المدن، ويقيموا أفخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الآخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين وينشؤون الجامعات، التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمنا طويلا، وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن الداخل- (138- 172 هـ/ 756- 788 م) - إلى العرش على الخصوص، أي منذ انفصال أسبانيا

في سنة (138- 756 م) فغدت قرطبة بالحقيقة أرقى مدن العالم القديم مدة ثلاثة قرون

وكانت دارا للعلوم والفنون والصناعة والتجارة، وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوربة العظمى الحديثة» ا. هـ.

هناك عشرات الشهادات لباحثين غربيين يعترفون بفضل العرب والإسلام وحضارته لا على أوربا وحدها، بل على العالم بأسره ويكفي أن يقرأ الإنسان كتاب جوستاف لوبون «حضارة العرب» أو كتاب آدم متز «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» ، أو كتاب توماس أرنولد «الدعوة إلى السلام» أو كتاب سيجريد هونكه «شمس العرب تسطع على الغرب» ليعرف الحقيقة الساطعة، والخلاصة أن الأمويين لم يكونوا فاتحين ورجال إدارة وسياسة بارعين فحسب، بل كانوا صناع حضارة بكل ما تعني الكلمة، كما أن عصرهم هو العصر الوحيد في التاريخ الإسلامي كله الذي كانت كلمة الدولة الإسلامية والعالم الإسلامي تؤدي معنى واحدا، أو بمعنى آخر كان العالم الإسلامي كله من حدود الصين إلى أسبانيا دولة واحدة يرأسها رجل واحد يحكمها من عاصمة واحدة- هي دمشق- جيش واحد وسياسة واحدة. وقانون واحد- مع مراعاة خصوصيات الشعوب المفتوحة مراعاة كاملة- بل على الرغم من قصر مدة حكم الدولة الأموية نسبيّا- أقل من قرن- إلا أن التسامح وحسن السياسة، والمعاملة الطيبة لأبناء الشعوب المفتوحة، وإشراكهم في حكم بلادهم ورعاية العهود والمواثيق معهم رعاية كاملة، والوفاء بها، كل ذلك

(1) حضارة العرب- ترجمة عادل زعيتر- نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة سنة (2000 م) ، (ص 273- 275) .

ص: 330