الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقيدتهم بشرط أن يدفعوا الجزية كدليل على الخضوع وعدم المقاومة للإسلام: فقبلوا ووافقوا على دفع الجزية، وعاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمنهم على عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم، وهذا هو نص المعاهدة التي أعطاها لأهل أيلة:«بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله، ومحمد رسول الله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» «1» .
وحذا أهل أذرح والجرباء حذو أهل أيلة، فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم نفس المعاملة وكتب أمان مماثلة لأمان أهل أيلة «2» .
أما دومة الجندل، فاستسلم أميرها أكيدر بن الملك الكندي بعد غارة خاطفة شنها عليه خالد بن الوليد، وقدم به على النبي صلى الله عليه وسلم «فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله» «3» .
رتب النبي صلى الله عليه وسلم إذن أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية.
ومهد الطريق الذي سوف يسلكه المسلمون في خلافة الصديق لقهر الروم، وطردهم نهائيّا وإلى الأبد من المنطقة. وبسط عليها هيبة الإسلام، ومكن لنفوذ المسلمين فيها، كما أجهز على هيبة الروم عند سكان المنطقة، وعاد إلى المدينة بجيشه العظيم تحفّه رعاية الله وتحرسه عنايته، ليواصل مسيرته من أجل تثبيت دعائم الإسلام.
*
نتائج غزوة تبوك:
لقد كانت غزوة تبوك ذات أثر كبير في حياة الأمة الإسلامية ومستقبلها، ولم تكن نتائجها محدودة بزمانها ومكانها، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن غزوة تبوك التي حدثت في شهر رجب من العام التاسع الهجري، كانت نقطة البداية في علاقات الأمة الإسلامية بأوربا المسيحية تلك العلاقات التي لا زالت قائمة ومستمرة في صور متعددة، فمن تتبّع مقدماتها وسيرها وما وصلت إليه، نستطيع أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد منها أن يحدد للأمة الإسلامية عدوّا رئيسيّا من أعدائها، وهم الروم، ونحن
(1) ابن هشام (4/ 181) وابن الأثير (2/ 280) .
(2)
المصدر السابق الجزء والصفحة نفسيهما.
(3)
المصدر السابق الجزء والصفحة نفسيهما.
دائما نستخدم لفظ الروم الذي استخدمه القرآن الكريم للتعبير عما يسميه المؤرخون الدولة الرومانية الشرقية. تلك الدولة التي كانت تمثل أوربا كلها في تلك الأزمان، فبعد التجارب التي مر بها المسلمون مع الروم قبيل غزوة تبوك، والتي وضحت لهم أنهم لن يتركوا الإسلام يشق طريقه إلى العالم في أمن وسلام- كان واضحا أن الصدام العسكري معهم أمر لا مفر منه طال الزمن أم قصر، وعلى كل حال لم يطل الزمن كثيرا على بداية هذا الصدام، فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام بعد تبوك بدأ هذا الصدام في عهد الصديق رضي الله عنه، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، طرد الروم نهائيّا من الشام ومصر، ولم تنس أوربا مطلقا وطوال تاريخها وحتى الآن هذا الذي حدث في عهد الخلفاء الراشدين، واعتبرت أن هزيمة الروم أمام المسلمين هزيمة لها كلها، ولم تكن الحروب الصليبية- بعد ما يقرب من خمسة قرون من هذا التاريخ- والتي عبأت فيها أوربا كل قواها لغزو الشرق الإسلامي، لم تكن هذه الحروب إلا رد فعل أوربا للانتقام من المسلمين وهزيمتهم كما هزموا هم الروم قبل قرون. وإذا كانت الحروب الصليبية قد حققت أهدافها في البداية لأسباب تتعلق بالعالم الإسلامي نفسه، وما كان عليه من الضعف والتفكك. إلا أن الصليبيين طردوا في النهاية- بعد وجود استمر قرنين كاملين من نهاية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي- إلا أن عداء أوربا للإسلام والمسلمين لم ينته بانتهاء العدوان الصليبي على الشرق الإسلامي، بل إن أوربا عادت من الشرق الإسلامي مهزومة وخائبة، لتشن حربا صليبية أخرى ضد الوجود الإسلامي في أسبانيا، وصبت كل أحقادها وثاراتها على المسلمين هناك، وأجبرت بعضهم على التنصر، ومن رفض التنصر قتل. وأبيد بسبب ذلك ملايين المسلمين في شراسة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، ومن استطاع الهرب من المسلمين والنجاة من وحشية الصليبيين الأوربيين وعبر المضيق إلى شمال أفريقيا، لاحقه الأسبان والبرتغاليون، وبدأت أوربا عمليتها في تطويق العالم الإسلامي من الخلف في بداية عهد الاستعمار الأوربي الحديث للعالم. ووصل الأسبان والبرتغاليون إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية وتبعهم الإنجليز والفرنسيون، كل هذا بمباركة الكنيسة الكاثوليكية في روما بزعامة البابا، وإن الذي يدرس رسائل البابوات المتعاقبة، لرواد السطو الاستعماري الأوربي من الأسبان والبرتغاليين وغيرهم على الشرق الإسلامي، من يدرس هذه الرسائل يجدها تفيض بالحقد على الإسلام والمسلمين، فهي تنص في صراحة أن البابا يوصي
بل يأمر جنود المسيح بإبادة المسلمين أينما وحيثما كانوا؛ فالسطو الاستعماري الأوربي على الشرق الإسلامي الذي بدأ من عهد الكشوف الجغرافية كان بتأييد الكنيسة والبابا. ألست معي في أن العلاقات بين أوربا والإسلام بدأت في مؤتة وتبوك ولا زالت مستمرة؟ عداء وحقد من جانب أوربا على الإسلام والمسلمين وعلى كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، ألم تقرأ أن الجنرال اللنبي- القائد الإنجليزي- قال عند ما دخل فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى:«الآن انتهت الحروب الصليبية» .
وأن زميله الجنرال الفرنساوي غورو عند ما دخل دمشق زار قبر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وقال متشفيا: «ها قد عدنا يا صلاح الدين» هل يقرأ المسلمون تاريخهم جيدا؟ وهل يعرفون عدوهم من صديقهم؟ ليتهم يفعلون.
هذا ولم تقف نتائج غزوة تبوك عند هذا، لم تقف عند لفت النبي صلى الله عليه وسلم نظر المسلمين لفتا قويّا إلى عدو من أعدائهم الرئيسيين، بل هو عدوهم الرئيسي ولم تقف عند حد تمهيد الطريق الرئيسي الذي سوف يسلكونه في مواجهتهم للعالم، حاملين راية دينهم، بل إنها كانت ذات أثر عظيم في حياة المسلمين أنفسهم ونزلت من أجلها سورة القرآن الكريم، وهي سورة التوبة. تلك السورة التي حددت بشكل قاطع وأخير العلاقات بين الأمة الإسلامية وسائر الأمم في الأرض سواء من المشركين أو من أهل الكتب السماوية. «كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة، وكل طبقة من طبقاته ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وصفا دقيقا مصورا بليغا» «1» .
فكما كان في هذا المجتمع المسلم، الصفوة من المسلمين الذين باعوا أرواحهم لله، وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم. وقال الله تعالى عنهم: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 88، 89] .
كان هناك طائفة من المسلمين، الذين وإن لم يشك في إيمانهم، لكن قعدت بهم عزيمتهم عن الجهاد في سبيل الله، فأنبهم الله على هذا القعود، وحثهم على الجهاد في سبيله، وناداهم بوصف الإيمان، ليثير هممهم وعزائمهم. فقال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
(1) سيد قطب- في ظلال القرآن (10/ 81) .
أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: 38، 39] . إلى جانب هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وهم قادرون عليه، كان هناك بعض الصفوة الذين تاقت أنفسهم للجهاد وعز عليهم أن يجاهد الرسول والذين معه، ولا يشتركون في الجهاد، ولكنهم لا يجدون ما يحملون عليه فذهبوا إلى الرسول يستعينونه على الجهاد فاعتذر لهم بأنه لا يجد ما يعينهم به، هؤلاء هم الذين قال الله عنهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: 92] .
إلى جانب هذه النوعيات من المسلمين الذين وضحت السورة مواقفهم ومواقعهم، وأعطت لكل ذي حق حقه؛ كان المجتمع المسلم- عند غزوة تبوك- زاخرا بمجموعات من المنافقين، الذين كانوا يتسترون تحت إظهار الإسلام، ولكن نياتهم تنطوي على الحقد عليه، وكانوا يظنون أن أمرهم يخفى على الله ورسوله، فكشفتهم السورة، وفضحت مواقفهم. لذلك كان من الأسماء التي عرفت بها سورة التوبة اسم الفاضحة «1» . من هؤلاء المنافقين من اعتذر لرسول الله عن الجهاد بأعذار كاذبة، فضحها الله تعالى ولم يقبلها، وقال عنهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 94] .
ومن المنافقين من لم يكتف بالقعود عن الجهاد والتخلف عن رسول الله، بل أخذ يثبط الآخرين عن الجهاد، ويحرضهم على القعود والتخلف ويحببه إليهم ويبث الأكاذيب والأراجيف في صفوف المسلمين. وهؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: 81] .
وهكذا كما حددت سورة التوبة علاقات الأمة المسلمة بغيرها من الأمم تحديدا نهائيّا، حددت وبينت موقف وموقع كل مجموعة من المجموعات التي تنتسب إلى الإسلام، حتى يكون رسول الله على بينة من أمر الأمة على اختلاف اتجاهاتها ونواياها.
(1) د. كامل سلامة- العلاقات الدولية في الإسلام (ص 12) .
ولما كانت سورة التوبة- التي نزلت بمناسبة غزوة تبوك- هي آخر سور القرآن نزولا- كما يرى بعض المفسرين- ولما بينت وحددت العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب، كذلك حددت تحديدا نهائيّا العلاقات بين المجتمع المسلم والمشركين عامة في شبه جزيرة العرب وأعلنت في مطلعها البراءة منهم ومن عهودهم، وأجلتهم أربعة أشهر، يختارون خلالها لأنفسهم، إما أن يدخلوا في دين الله، وإما أن يقاتلوا، وهذا هو الشكل النهائي للعلاقات معهم.
وهذا الحكم خاص بمشركي العرب؛ فليس أمامهم سوى خيار من اثنين: إما الإسلام، وإما القتال.
ألست معي إذن في أن غزوة تبوك، ونزول سورة التوبة بسببها وما تضمنته من أحكام نهائية في علاقات المسلمين بغيرهم كانت ذات أثر كبير في علاقاتهم مع الروم ومع المشركين ومع غيرهم من أمم الأرض، كما كانت ذات أثر في حياة الأمة الإسلامية ذاتها؟
هذا اجتهاد شخصي ووجهة نظر ذاتية، فإن كان صوابا فالفضل والمنة لله تعالى، وإن كان خطأ فحسب المرء أن يجتهد وهو على كل حال مكفول الأجر عند من لا يضيع عنده شيء.
والحمد لله أولا وأخيرا، وبه التوفيق ومنه السداد.