الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[البحث الأول] أوائل المؤلفين في السيرة النبوية
*
مقدمة
النبي محمد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- هو صفوة الله من خلقه، بل هو صفوة الصفوة، فالأنبياء- عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام- هم المصطفون الأخيار، وهو إمامهم وخاتمهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم:«أنا سيد ولد آدم» » .
فهو حامل الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات، وهو اللبنة الأخيرة في صرح عقيدة التوحيد. فقد قال صلى الله عليه وسلم:«إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله. إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «2» وفي رواية أخرى: «وأنا خاتم النبيين» .
ولقد وصف الله تعالى عددا من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ببعض الصفات، فقد وصف أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم: 41] وقال عن إسماعيل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم: 54]، وفي سورة الأنبياء يصف إسحاق ويعقوب بالصلاح والخيرية فيقول سبحانه وتعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ (72) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء: 72: 73]، ويصف لوطا وداود وسليمان بالعلم والحكمة فيقول: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: 74]، ويقول سبحانه تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: 78، 79]، ويصف إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالصبر فيقول: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء: 85] .
وهكذا نرى الله تعالى يصف بعض أنبيائه ببعض الصفات النبيلة، لكنه في ختام السورة عندما يصف محمدا- عليه الصلاة والسلام فإنه لا يصفه بصفة جزئية وإنما يجعله كله هداية إلهية إلى العالم، ورحمة لهذه الإنسانية «3» .
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل (1/ 5) .
(2)
ابن حجر العسقلاني- فتح الباري شرح صحيح البخاري (6/ 158) .
(3)
انظر في ذلك البحث القيم الذي كتبه الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس بعنوان شخصية-
فيقول تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 107] .
وفي موضع آخر يصفه بالصفة الجامعة لكل خصال الخير وجميع الفضائل الإنسانية، فيقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] .
والخلق العظيم هو جوهر رسالته صلى الله عليه وسلم فهو القائل: «بعثت لأتمم حسن الأخلاق» «1» ولقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلاقيّا من طفولته إلى أن لقي ربه. فقد كان قوم ينادونه بصفة نادرة في ذلك الزمان وقبل أن يبعث: فقد نادوه وعرف بينهم «بالصادق الأمين» . وعظمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليست في أنه يمتاز بمجموعة من الأخلاق الإنسانية العالية فحسب، فهو الأمين إذا ذكرت الأمانة، وهو الصادق إذا ذكر الصدق، وهو الوفي، الكريم، الزاهد، الشجاع، المتواضع، الرحيم، البار، الحكيم، الفصيح، البليغ، العابد، كان الرسول هذا كله وكان فوق هذا، فكانت أخلاقه فوق الصعاب وفوق كل الظروف والتقلبات التي تأتي بها الأيام، لقد كان قادرا على أن يلتزم الموقف الأخلاقي المناسب، مهما تكن اللحظة التاريخية حرجة وحاسمة، إنه نبي يشرع بسلوكه وينطلق من منهج واضح وليس من ردّ فعل تمليه أو تفرضه أية ضغوط أو ظروف «2» .
«لقد تحدث بعض الكتاب معددا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمدية فقال:
إن من أعظم الخوارق التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أخلاقه؛ فكانت في ذاتها أمرا خارقا للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .. فمحمد بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانية الكاملة» «3» .
وقد كانت صفحة حياته- عليه الصلاة والسلام كما نقلت إلينا بكل دقة وتوثيق- أخلاقية إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه الله أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق العمل
- الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب: الجزيرة العربية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين (1/ 63- 93) . وهو مرجعنا الأساسي في تلك المقدمة.
(1)
مسند الإمام أحمد بن حنبل (2/ 281) .
(2)
د. عبد الحليم عويس- المرجع السابق (ص 73) .
(3)
الشيخ محمد أبو زهرة- خاتم النبيين (1/ 242) .
الصالح، وأي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها تضحية في سبيل الله وفي سبيل الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات، فلم يصده عنه أن أغراه قومه وهو في الذروة منهم حسبا ونسبا بالمال والملك وكل المغريات «1» .
والغريب أن هذه الإنسانية الأخلاقية قد طبقت على هذا النحو الخارق للعادة في أروع صور البساطة واليسر، فبدت- مع سموها- وكأن البساطة وعدم التقعر أو التكلف نسيجها الذي يجمع بين خيوطها المترابطة «2» . فعن عائشة رضى الله عنها قالت:
عن عائشة رضى الله عنها قالت: «ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه» «3» .
ولقد نجح محمد صلى الله عليه وسلم نجاحا باهرا في كل عمل اضطلع به من أكبر عمل وهو تبليغ الرسالة إلى أصغر عمل قام به «5» .
(1) محمد حسين هيكل- حياة محمد (ص 583) .
(2)
انظر د. عبد الحليم عويس- المرجع السابق (ص 74) .
(3)
صحيح البخاري (2/ 273) . طبعة دار إحياء التراث العربي.
(4)
د. عبد الحليم عويس- المرجع السابق (ص 74) .
(5)
نصري سهلب- في خطى محمد (ص 366، 367) .
فالتاريخ قد عرفنا برجال حملوا رسالات سماوية وأدوها بنجاح، ورجال بنوا أمما، ورجال آخرين أسسوا دولا، لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل جاء برسالة سماوية من عند الله تعالى، ثم بنى أمة، ثم أسس دولة، ونجح في كل ذلك وفي حياته وقبل موته سوى النبي العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا جعله مايكل هارت على رأس قائمة الخالدين المائة من أبناء آدم وعلل ذلك حسب منهجه العلمي ومقاييس العظمة عنده، بأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمي، وبرّز في كلا المستويين الديني والدنيوي، وأنه أسس ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظماء. «وأنه بعد مرور أربعة عشر قرنا لا زال تأثيره قويّا ومتجددا» «1» .
وبالقياس نفسه يشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم المؤرخ العالمي الشهير ول ديورانت فيقول:
بعد كل ما تقدم- وهو قليل من كثير- عن شخصية الرسول الخاتم محمد بن عبد الله- عليه الصلاة والسلام وليس عجبا أن تكون تلك الشخصية محور
(1) انظر: الخالدون مائة، تأليف مايكل هارت، ترجمة أنيس منصور (ص 13) .
(2)
د. عبد الحليم عويس- المرجع السابق (ص 89) نقلا عن قصة الحضارة (2/ 47) .