الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والموالاة، وفي النهاية تغلب العرب وأصبح زمام الأمر بأيديهم، غير أن نقطة الضعف الرئيسة في موقف عرب يثرب من الأوس والخزرج هي التنافس والعصبية فيما بينهم، وكانت تلك هي فرصة اليهود- غالبا- الذين كانوا يحرشون بينهم ويذكون روح العصبية والتنافس حتى يصل الأمر إلى الحروب وسفك الدماء بين الإخوة، وظهر الإسلام والأمر على تلك الحال، وكانت آخر الحروب بين الأوس والخزرج، هي حرب بعاث التي وقعت قبيل الهجرة بقليل.
*
صدى الدعوة في يثرب:
كان من الطبيعي أن ينتشر أمر الدعوة، وبصفة خاصة بعد أن جهر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العرب عامة؛ لأنه ما إن جهر بها حتى أصبحت حديث مكة كلها. وأمر خطير كهذا لا بد أن يتردد صداه في كل بلاد العرب؛ لأنه ما من قبيلة من قبائل العرب بعدت ديارها عن مكة أو قربت، إلا كان يأتي بعض رجالها إلى مكة في موسم الحج، ومكة بلد تجاري، لها ارتباطات تجارية كانت تتعدى حدود بلاد العرب نفسها، فإليها يفد الناس لشتى الأغراض، ومنها تخرج الوفود والقوافل التجارية ومن ثم يمكن القول: إن أخبار مكة تصل إلى جميع بلاد العرب، بل خارج بلاد العرب. وكان من عادة العرب أن يجتمعوا في الموسم، كما كانوا قبل الموسم وبعده يجتمعون في الأسواق العربية الشهيرة مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز- القريبة من مكة- والتي كانت تعتبر فوق غرضها التجاري منتديات أدبية وسياسية لتبادل المعلومات والأخبار عن أحوال العرب. وكان من الطبيعي أن يكون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته على رأس الموضوعات التي يدور حولها الجدل والنقاش وتبادل الأفكار والآراء، وتعود وفود العرب بعد الموسم إلى ديارها فيكون خبر الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة أهم الأخبار التي يعودون بها.
وكان من الطبيعي كذلك أن تكون يثرب من أوائل المدن العربية التي يتردد فيها صدى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون له دوي يختلف عن دويه في غيرها من المناطق؛ ذلك لأن لأهل يثرب علما مسبقا بها، مما كانوا يسمعونه من مواطنيهم اليهود الذين كانوا يعلمون ذلك من كتبهم المقدسة، يقول ابن إسحاق: «فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون
من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم» «1» .
ولكن رغم ذلك فإن ما توحي به لنا المصادر- التي بين أيدينا- أن موقف أهل يثرب من الدعوة في البداية، وقبل الاتصالات التي تمت بين بعضهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، تلك الاتصالات التي انتهت ببيعتي العقبة، اللتين مهدتا للهجرة، كان مشابها لموقف سائر العرب، وهو موقف الترقب والانتظار، واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها. وكان بين أهل يثرب وأهل مكة صلات طيبة ومصاهرات. «فقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء، كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقا لسعد ابن معاذ الأشهلي زعيم الأوس، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم، على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب» «2» . لذلك كان أهل يثرب حريصين على استمرار تلك الصلات الطيبة مع مكة، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في أمر كانوا يعتبرونه خاصّا بها، وكان يهمهم أن تحل مكة مشكلاتها مع المحافظة على وحدتها وصلاح ذات بينها؛ لذلك لما ترامت إليهم أخبار تصاعد موقف أهل مكة في عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له، أظهروا قلقهم وخوفهم من حدوث حرب أهلية بين أهل مكة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم، ودفع هذا القلق رجلا من أهل يثرب، هو أبو قيس بن الأسلت، إلى أن يحذر قريشا من مغبة التمادي في عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وينصحها بعدم اللجوء إلى الحرب. يقول ابن إسحاق: فلما وقع ذكره- أي: رسول الله- بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت- وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده، فقال:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن
…
مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم
…
على النّأي محزون بذلك ناصب
أعيذكم بالله من شر صنعكم
…
وشر تباغيكم ودس العقارب
(1) ابن هشام- المصدر نفسه (1/ 299، 300) .
(2)
أحمد إبراهيم الشريف- المرجع نفسه (ص 148) .