الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على كل حال فإن سجل تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية يزخر بأمثال تلك الرسائل التي كان الخلفاء والأباطرة يتبادلونها في شتى المناسبات، مما يدل على حيوية تلك العلاقات وتنوعها.
*
الوفود والبعثات العلمية:
لا أظن أننا في حاجة هنا إلى تأكيد اهتمام الإسلام بالعلم بشتى فروعه وأنواعه، وحث المسلمين على تعلمه من أي إنسان وفي أي مكان، ومن مأثوراتنا الإسلامية في ذلك المجال- وهي كثيرة-:«اطلبوا العلم ولو في الصين» وهو قول أريد به حث المسلم على طلب العلم مهما كلفه ذلك من جهد، ومهما بعدت المسافات، ومن مأثوراتنا كذلك:«الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ولا يضره من أي وعاء خرجت» ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على تعلم اللغات الأجنبية، مما يعدّ إشارة لها دلالة في توجيه المسلمين إلى الرحلة في طلب العلم غير المتيسر في بلادهم والبحث عنه في أي مكان، ومن ثم كانت الرحلة في طلب العلم من أبرز روافد الحضارة الإسلامية، ولقد شغف المسلمون بالعلم شغفا يدعو إلى الإعجاب، وبذلوا من أجله المال والوقت والجهد ومن حسن حظ المسلمين أنهم أصبحوا ورثة الحضارة العالمية التي خلفتها القرون والأجيال السابقة على ظهور الإسلام، حيث أصبحت كل مراكز تلك الحضارة المنتشرة في البلاد التي فتحها المسلمون؛ العراق وفارس والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وغيرها- أصبحت كل تلك المراكز في أيدي المسلمين. فصانوها وحفظوها وعربوها، أي ترجموها إلى لغتهم، واستفادوا منها استفادة عظيمة وأضافوا إليها من عبقريتهم وإبتكاراتهم ما جعل شعلة الحضارة العالمية متقدة وضاءة حتى تسلمتها منهم أوربا وصنعت الحضارة الحديثة.
ولقد أقبل المسلمون على هذا التراث الحضاري منذ وقت مبكر، ففي العصر الأموي ترجمت عدة كتب في الطب والكيمياء، في عهد عمر بن عبد العزيز (99- 101 هـ/ 718- 720 م) وهشام بن عبد الملك (105- 125 هـ/ 723- 743 م) . بل قبل ذلك كان الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية (ت نحو 85 هـ) قد وهب حياته للعلم، وأغرم بترجمة كتب الكيمياء إلى اللغة العربية، ترجمها له أحد علماء مدرسة الإسكندرية، ولم يستنكف ذلك الأمير الأموي التلمذة على أيدي الأساتذة غير المسلمين، وما فعله خالد بن يزيد، وما حدث بعده في العصر الأموي كان
البداية؛ فلما قامت الدولة العباسية زاد الاهتمام بالعلوم غير الإسلامية بحكم التطور، وحدثت وثبة علمية من أعظم الوثبات في تاريخ الأمم والحضارات، فأنشأ الخليفة هارون الرشيد بيت الحكمة في بغداد، وهي أول أكاديمية علمية- فيما نظن- تعنى بالعلوم والترجمة، وقد حشد لها الرشيد ومن أتى بعده من الخلفاء جمعا من أعظم العلماء النابهين في ترجمة الكتب، وكان جلهم من السريان المسيحيين «1» ، وجد الخلفاء العباسيون في البحث عن المخطوطات الإغريقية في شتى العلوم في كل مكان استطاعوا الوصول إليه، ومن أجل هذا أوفدوا الوفود والبعثات العلمية إلى الدولة البيزنطية للحصول على الكتب وإحضارها إلى بيت الحكمة وترجمتها، ولم يكتفوا بما حصلوا عليه من المراكز العلمية التي أصبحت تحت أيديهم، بل دأب الخلفاء على إيفاد البعثات لطلب الكتب من الأباطرة البيزنطيين، فقد أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور (136- 158 هـ/ 758- 774 م) إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب كتبا يونانية، فأجابه الإمبراطور إلى طلبه وأرسل إليه كتبا كان منها كتاب إقليدس «أصول الهندسة» «2» .
ومن أهم البعثات العلمية التي ذهبت من بغداد إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب تلك التي رأسها قسطا بن لوقا، الذي يقول عنه القفطي:«قسطا بن لوقا فيلسوف شامي نصراني في أيام العباسيين، دخل بلاد الروم، وحصل من تصانيفهم الكثير، وعاد إلى الشام، واستدعي إلى بغداد ليترجم كتبا يستخرجها من لسان يونان إلى لسان العرب، وعاصر يعقوب الكندي، وكان قسطا متحققا بعلم العدد والهندسة والنجوم والمنطق والعلوم الطبيعية، ماهرا في صناعة الطب» «3» .
ولقد بلغت حركة البحث عن الكتب اليونانية وإيفاد البعثات إلى الدولة البيزنطية من أجل الحصول عليها أوجها في عهد الخليفة المأمون، الذي كان نسيج وحده في حب العلم والثقافة بعامة، والثقافة اليونانية بخاصة، وإذا كان المثل الشائع يقول:
«الناس على دين ملوكهم» فلقد صدق هذا المثل على الخليفة المأمون حيث تأثر به الناس في تطلعه للعلم وسرت عدواه فيهم، أفرادا وجماعات، وانكبوا على العلم
(1) د. إبراهيم العدوي الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم، مكتبة الأنجلو المصرية- الطبعة الثانية- القاهرة 1958 م (ص 168) .
(2)
ابن خالدون- المقدمة (بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي)(ص 1124) .
(3)
ابن القفطي- تاريخ الحكماء (ص 262) .
يحصلونه ويدرسون مما أثمر حضارة إسلامية زاهرة، يقول صاعد الأندلسي:«ثم لمّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم- المأمون- تمم ما بدأه جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخرجه من معادنه، بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة، فاستخار لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها» «1» .
وإذا كانت الأمم التي تريد أن تنهض في وقتنا الحاضر وتلحق بركب الدول المتقدمة وتسعى في الوصول إلى تحصيل العلم والمعرفة بشتى الطرق، ومنها إيفاد البعثات من أبنائها إلى الدول الأكثر تقدما لتحصيل العلم، ومنها أيضا دعوة كبار الأساتذة الأجانب لإلقاء المحاضرات والدروس على أبنائها كأساتذة دائمين أو زائرين في جامعاتها، فإن هذا هو ما فعله المسلمون بالضبط في بناء نهضتهم العلمية، فقد أرسلوا البعثات والوفود للتعلم وجمع الكتب، ثم استقدموا كبار الأساتذة للتدريس في بغداد.
يقول ابن النديم في الفهرست: «إن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات يسأل الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما جاؤوا إليه أمرهم بنقله» «2» أي: ترجمته إلى اللغة العربية.
وتعددت وفود وبعثات المأمون إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب «3» ومن أعظم الأمثلة الدالة على التعاون في المجال العلمي بين المسلمين والبيزنطيين. وعلى تطلع المسلمين إلى المعرفة ما فعله المأمون من أجل استقدام العلماء البيزنطيين إلى بغداد، وذلك مثل محاولته استقدام أشهر عالم فلك ورياضيات بيزنطي في عهده
(1) أحمد بن صاعد الأندلسي- طبقات الأمم (ص 76) .
(2)
الفهرست (ص 243) .
(3)
انظر أحمد أمين- ضحى الإسلام (2/ 63) ، مطبعة الاعتماد بالقاهرة سنة (1933 م) .