الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأسرا كيف شاؤوا، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة- وهو قليل- فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليها رجلا من بني قتيبة «1» .
هذا هو تلخيص الطبري لمعركة الاستيلاء على مدينة بيكند، التي لم يلبث أهلها أن نقضوا الصلح، وقتيبة منهم على خمسة فراسخ، مما اضطره أن يرجع إليهم وأن يقتل من كان بها، وأن يغنم غنائم كثيرة، قوي بها أمر المسلمين واشتروا السلاح والخيل وتنافسوا في حسن الهيئة- على حد تعبير الطبري- «2» ثم عاد قتيبة إلى مرو ليستريح ليبدأ مرحلة جديدة من جهاده، فواصل حملاته على إقليم بخارى، ففي سنة (88 هـ) ترك أخاه بشارا على مرو، وعبر هو النهر ففتح نو مشكت ودامثنة- من أعمال بخارى- صلحا، بناء على طلب ورغبة أهلها «3» .
ولكنهم لم يكونوا صادقين في طلب الصلح، بل كانت قلوبهم تنطوي على الخديعة والمكر، فقد فاجؤوا قتيبة بتجمع هائل من الأمم المجاورة- فرغانة والصغد- يقوده ابن أخت ملك الصين، مما يدل على أن الأمم في تلك البلاد قد تداعت وتحالفت على المسلمين وأن الصين قد ألقت بثقلها في المعركة لكن الله نصر جنده- على حد تعبير الطبري- «4» .
وفي العام التالي (89 هـ) استأنف قتيبة غزوه، الذي كان يقوم به في فصل الصيف- لقسوة الشتاء في تلك البلاد- وهذه السنة قصد بخارى، بناء على تعليمات وأوامر من الحجاج، فلقيه في طريقه جمع من أهل كش ونسف فظفر بهم، ومضى إلى بخارى فتصدى له ملكها- وردان خداه- فلم يستطع الاستيلاء عليها، فرجع إلى مرو، وكتب إلى الحجاج بخبره، فطلب منه أن يصورها له، فبعث إليه بصورتها، فنصحه وأمره وعرّفه الموضع الذي يأتيها منه، فسار إليها ثانية سنة (90 هـ) ، وفتحها بعد معركة انتصر فيها على جمع كبير من الصغد والترك الذين كان ملكها قد استعان بهم، وبهذا توج قتيبة أعماله في هذه المرحلة بفتح بخاري التي سيكون لها في تاريخ الإسلام والمسلمين شأن عظيم.
المرحلة الثالثة (90- 93 ه
ـ) :
في هذه المرحلة التي استغرقت ثلاث سنوات كسابقتها استطاع قتيبة أن يبسط
(1) الطبري (6/ 430) وابن الأثير- الكامل في التاريخ (4/ 528) .
(2)
المصدر السابق (6/ 432) .
(3)
الطبري (6/ 436) .
(4)
المصدر السابق (6/ 436) .
السيادة الإسلامية على كل ما وراء نهر جيحون، وتوج ذلك بفتح مدينة سمرقند أعظم مدائن الإقليم، وكان طرخون ملك الصغد قد أرسل إلى قتيبة بعد انتصاره في معركة بخارى سنة (90 هـ) يطلب الصلح فأجابه وصالحه ورجع إلى مرو «1» .
لكن الملك نقض الصلح- الذي كان هو الداعي إليه- وامتنع عن دفع الجزية التي كان قد التزم بها، مما جعل قتيبة يغضب، ويقرر أن يضع حدّا لهذا العبث، وأن يلقّن هذا الملك الغادر درسا لن ينساه وليكون عبرة لغيره، فجهّز أخاه عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألف مقاتل وسيره أمامه، ثم تبعه هو في أهل خوارزم وبخارى، وضرب الحصار على المدينة وقال:«إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ؛ تيمّنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم عند ما حاصر خيبر.
فلما رأى أهل سمرقند عزمه على فتح المدينة بالقوة كتبوا إلى ملوك الشاش وفرغانة يستغيثون بهم، وقالوا لهم محرضين: إن العرب إذا ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم «2» ، فاستجاب هؤلاء الملوك، واختاروا عددا من أهل النجدة والبأس من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال، ووضعوا إليهم خطة لمفاجأة معسكر المسلمين- أثناء انشغالهم بحصار سمرقند- ولكن قتيبة لم يكن بالقائد الذي يؤخذ على غرة، ولم يغب عن فكره حدوث مثل هذه المفاجات، فعلم بخبر هذا التجمع، وفاجأهم قبل أن يفاجئوه، بفرقة من جيشه بقيادة أخيه صالح ابن مسلم، فهزمهم وبدد شملهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلا الشريد «3» ، وغنم المسلمون أمتعتهم وأسلحتهم، وتدهورت معنويات الصغد بعد أن رأوا هزيمة أهل فرغانة والشاش، وهذا النصر قوى من عزيمة المسلمين ورفع معنوياتهم، وقرر قتيبة تشديد الحصار على سمرقند، ونصب عليها المنجنيق، وأحدث بها ثلمة وصاح كالأسد الهصور: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان؟ إني والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فلما أصبح أمر الناس بالجد في القتال، فقاتلوهم واشتد القتال، ولما رأى أهلها أن هزيمتهم أصبحت حتمية طلبوا الصلح، فصالحهم قتيبة على ألفي ألف مثقال ومائتي ألف كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، وأن يخلوا المدينة فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيدخلها ويا بني فيها
(1) الطبري (6/ 445) .
(2)
المصدر السابق (6/ 473) .
(3)
الطبري المصدر السابق (6/ 474) .