المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفتح الإسلامي للأندلس: - السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

[عبد الشافى محمد عبد اللطيف]

فهرس الكتاب

- ‌[بحوث في السيرة النبوية والتأريخ الإسلامي]

- ‌مقدّمة

- ‌[البحث الأول] أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

- ‌ مقدمة

- ‌ دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ بداية التأليف في السيرة النبوية:

- ‌طبقات كتّاب السيرة

- ‌ رجال الطبقة الأولى من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- أبان بن عثمان:

- ‌2- عروة بن الزبير:

- ‌3- شرحبيل بن سعد:

- ‌4- وهب بن منبه:

- ‌ رجال الطبقة الثانية من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري

- ‌2- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري

- ‌3- عاصم بن عمر بن قتادة:

- ‌ رجال الطبقة الثالثة من كتّاب المغازي والسير:

- ‌1- موسى بن عقبة:

- ‌2- معمر بن راشد:

- ‌3- محمد بن إسحاق المطلبي

- ‌ رحلته إلى العراق:

- ‌ مكانة ابن إسحاق العلمية:

- ‌ متى ألف ابن إسحاق

- ‌أ- التاريخ الجاهلي:

- ‌ب- المبعث:

- ‌ج- المغازي:

- ‌ عمرو بن حزم الأنصاري:

- ‌ الواقدي

- ‌ محمد بن سعد:

- ‌[البحث الثاني] صدى الدعوة في مدن الحجاز غير مكة- كالطائف والمدينة

- ‌ الحالة الدينية في الحجاز قبيل ظهور الإسلام:

- ‌ الحالة الدينية في المدينة قبيل البعثة:

- ‌ صدى الدعوة في يثرب:

- ‌ صدى الدعوة لدى اليهود في يثرب:

- ‌ اثر اليهود في تطور موقف عرب يثرب من الدعوة:

- ‌ صدى الدعوة في يثرب بعد اتصالاتها المباشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌ التحول الكبير في موقف عرب يثرب:

- ‌ صدى رحلة مصعب بن عمير:

- ‌ اهل يثرب والتحدي الكبير:

- ‌ صدى الدعوة في خيبر:

- ‌[البحث الثالث] العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر

- ‌العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر

- ‌ قريش تستمر في إلحاق الأذى بالمهاجرين:

- ‌ قريش تصادر ديار المهاجرين واموالهم:

- ‌ المهاجرون في سجون مكّة:

- ‌ الدولة الإسلامية تقوم في المدينة لتحمي الدعوة:

- ‌ التحديات الكبرى أمام الدولة الوليدة:

- ‌ النشاط العسكري الإسلامي قبل بدر:

- ‌ أهداف السرايا والغزوات الأولى:

- ‌ سرية عبد الله بن جحش

- ‌[البحث الرابع] العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك

- ‌ تمهيد:

- ‌ المسلمون قبل اتصالهم بالروم:

- ‌ اتصال المسلمين بالروم:

- ‌ المقدمات التي أدّت إلى غزوة مؤتة:

- ‌ تدخل الروم في مؤتة إعلان حرب على الإسلام:

- ‌ من مؤتة إلى تبوك:

- ‌ الأسباب المباشرة لغزوة تبوك:

- ‌ ماذا صنع النبي في تبوك

- ‌ نتائج غزوة تبوك:

- ‌[البحث الخامس] الإدارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ المقصود بالإدارة هنا:

- ‌ طبيعة الدعوة الإسلامية:

- ‌ قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ أول رئيس للدولة الإسلامية:

- ‌ هيئة الحكومة النبوية:

- ‌ صاحب السر:

- ‌ صاحب الشرطة:

- ‌ حراس الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حراس المدينة أو شرطة المدينة:

- ‌ المنفذون للحدود بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حجّاب الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ حاملوا خاتم الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ بيت الضيافة:

- ‌ مراقبة الأسواق:

- ‌ جهاز جمع المعلومات «المخابرات» :

- ‌ كتّاب الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ جهاز الإعلام:

- ‌ خلفاء الرسول على المدينة أثناء غيابه عنها في غزو أو غيره:

- ‌ اتساع نفوذ الدولة الإسلامية:

- ‌ اليمن أول إقليم عربي يدخل تحت سيادة الدولة الإسلامية:

- ‌ ولاية مكة:

- ‌ ولاية الطائف:

- ‌ إسلام البحرين:

- ‌ إسلام اهل عمان:

- ‌[البحث لسادس] دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ قيام دولة الإسلام: * في عهد النبي:

- ‌ الإسلام دين عالمي:

- ‌ السلام أساس العلاقات الدولية في الإسلام:

- ‌ الحرب المشروعة في الإسلام:

- ‌الحالة الأولى: الدفاع عن النفس

- ‌الحالة الثانية: الدفاع عن المظلومين

- ‌الحالة الثالثة: الدفاع عن حرية نشر العقيدة

- ‌ آداب الحرب في الإسلام

- ‌ مبادئ القانون الدولي في الإسلام:

- ‌ الإسلام يحترم مبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم:

- ‌ معاهدة الحديبية في ميزان العلاقات الدولية:

- ‌ الإسلام والعالم:

- ‌ خاتمة البحث:

- ‌[البحث السابع] قراءة تاريخية جديدة في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الفتوحات الإسلامية

- ‌ موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات

- ‌[البحث الثامن] دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية من كتاب «مصر والإسلام»

- ‌ تمهيد:

- ‌ بداية التفكير في إنشاء قوة بحرية إسلامية:

- ‌ معارضة عمر بن الخطاب لمشروع معاوية:

- ‌ التجربة الأولى:

- ‌ التجربة الفاشلة الثانية:

- ‌ معاوية ينجح في أخذ موافقة عثمان بن عفان:

- ‌ الارتباط الأمني بين مصر والشام:

- ‌ دور الصناعة في مصر وأثرها في إنشاء الأساطيل الإسلامية

- ‌ دار الصناعة في الإسكندرية:

- ‌ دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس:

- ‌ دار صناعة السفن بالقلزم- السويس

- ‌ دار صناعة السفن بجزيرة الروضة:

- ‌ المصريون يبنون أساطيل الشام:

- ‌ دور المصريين في إنشاء أسطول المغرب العربي:

- ‌[البحث التاسع] الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك

- ‌ تمهيد:

- ‌ المسلمون والفرس:

- ‌ ردة الفرس بعد وفاة عمر بن الخطاب:

- ‌ سياسة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما تجاه البلاد المفتوحة:

- ‌ بلاد ما وراء النهر قبيل الفتح الإسلامي:

- ‌ المراحل التمهيدية لفتح بلاد ما وراء النهر:

- ‌ فتوحات قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر:

- ‌ خطوات الفتح ومراحله:

- ‌المرحلة الأولى: استغرقت عاما واحدا تقريبا (86- 87 ه

- ‌المرحلة الثانية (87- 90 ه

- ‌المرحلة الثالثة (90- 93 ه

- ‌المرحلة الرابعة (93- 96 ه

- ‌ موقف الخليفة الوليد من قتيبة:

- ‌ بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة:

- ‌ العباسيون وبلاد ما وراء النهر:

- ‌ انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر:

- ‌تمهيد:

- ‌ العباسيون وانتشار الإسلام فيما وراء النهر:

- ‌[البحث العاشر] تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين

- ‌ مقدمة:

- ‌ العلاقات الإسلامية البيزنطية في عهد النبي والخلفاء الراشدين:

- ‌ العلاقات الإسلامية البيزنطية في العهدين الأموي والعباسي:

- ‌ تبادل الوفود لعقد معاهدات الصلح:

- ‌ الوفود والبعثات العلمية:

- ‌ التعاون بين الدولتين في المجالات العمرانية:

- ‌ تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة:

- ‌[البحث الحادي عشر] الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس

- ‌ملخص البحث

- ‌ بنو أمية في التاريخ:

- ‌ الأمويون والحضارة الإنسانية:

- ‌ الأمويون والترجمة:

- ‌ الفتح الإسلامي للأندلس:

- ‌ الدولة الأموية في الأندلس:

- ‌ مجمل الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في الأندلس الأموية:

- ‌ الجيش:

- ‌ الأوضاع الاقتصادية في الأندلس الأموية:

- ‌ ازدهار الصناعة:

- ‌ دور الأمويين في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس:

- ‌[البحث الثاني عشر] واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة

- ‌ جر العالم الإسلامي إلى أحلاف تخدم الأهداف الاستعمارية:

- ‌ الأحلاف الغربية الإسلامية:

- ‌ حربا الخليج الأولى والثانية وتدمير العراق:

- ‌ حرب الخليج الأولى (1980- 1988 م) :

- ‌ حرب الخليج الثانية:

- ‌ الإسلام العدو الأول للغرب:

- ‌ أهم المشكلات التي يعانيها المسلم المعاصر:

- ‌1- الظاهرة الأولى: العلاقات الإسلامية

- ‌2- الظاهرة الثانية: [غياب الديمقراطية]

- ‌[البحث الثالث عشر] نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية

- ‌ الخلفية التاريخية للاستشراق:

- ‌ دور المستشرقين المتعصبين في تشويه صورة الإسلام في الغرب:

- ‌ بداية الاستشراق:

- ‌ تطور الحركة الاستشراقية:

- ‌ الاستشراق والحروب الصليبية:

- ‌الفهرس

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌ الفتح الإسلامي للأندلس:

وقت مبكر من الدولة الأموية في عهد مروان بن الحكم (64- 65 هـ/ 684- 685 م) أما أبرز رجال البيت الأموي والذي كرس حياته لترجمة العلوم الأجنبية إلى العربية فهو الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. وهو حفيد الخليفة معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية وكان من المفروض أن يصبح هو خليفة بعد مروان بن الحكم طبقا لما اتفق عليه الأمويون في مؤتمر الجابية في نهاية سنة (64 هـ- 667 م)«1» .

ولكن هذا لم يحدث وفاتت خالدا الخلافة فصرف همته للاشتغال بالعلم وبصفة خاصة ترجمة العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية وأنفق على ذلك بسخاء كبير، يقول ابن النديم «2» :«وكان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، وخطر بباله الصنعة- يقصد علم الكيمياء- فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مدينة مصر- يقصد الإسكندرية- وقد تفصح بالعربية وهذا كان أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة» ا. هـ.

هذه البدايات المتواضعة في مجال ترجمة العلوم الطبية وغيرها لو استمرت الدولة الأموية لرأيناها تزدهر وتؤتي ثمارها اليانعة ولكن ذلك كان من نصيب العباسيين.

*‌

‌ الفتح الإسلامي للأندلس:

ليس من شأن هذا البحث أن يؤرخ للفتح الإسلامي، ولا تقصي أسبابه ودوافعه وإنما هي إشارة موجزة لمعرفة المسرح الذي مثل عليه الأمويون دورهم- إن جاز هذا التعبير- في إيصال الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ومن ثم إلى بقية دول أوربة، والذي يطالع معظم المؤلفات التاريخية التي أرخت للفتح الإسلامي للأندلس قديما وحديثا، وسواء أكتبها عرب مسلمون أم غربيون نصارى- يجدها تكاد تجمع على أمور أساسية منها «3» :

(1) انظر ابن الأثير- الكامل في التاريخ، طبعة دار صادر بيروت (1385 هـ- 1965 م) ، (4/ 145) .

(2)

الفهرست (ص 338) .

(3)

انظر على سبيل المثال، أبو بكر بن القوطية- تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق إسماعيل العربي المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر (1989 م) ، رينهرت دوزي- المسلمون في الأندلس، (ج 1) ترجمة د. حسن حبشي الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة (1998 م) . وليفي بروفنسال، تاريخ أسبانيا الإسلامية من الفتح إلى سقوط الخلافة القرطبية (711- 1031 م) ، ترجمة علي عبد الرؤوف البمبي-

ص: 338

أولا: فساد الأحوال في مملكة القوط يكاد يكون عامّا في شتى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكانت المنازعات والمنافسات على الحكم تكاد تمزق تلك المملكة، بل تتحدث المصادر التاريخية عن دور لبعض الشخصيات القوطية المؤثرة في تسهيل عملية الفتح للمسلمين وبصفة خاصة الأمير يوليان- أمير سبتة- ورئيس أساقفة إشبيلية، بل تتحدث المصادر عن انضمام أولاد الملك المخلوع) Witiza الذي تسميه المصادر العربية غيطشة) إلى طارق بن زياد أثناء المعركة الرئيسية مع روذريق Rodrigo في وادي شذونة، وكان انضمامهم ذلك من أسباب سرعة الفتح وسهولته.

يقول أبو بكر بن القوطية «1» : «فلما دخل طارق بن زياد الأندلس أيام الوليد ابن عبد الملك كتب روذريق Rodrigo إلى أولاد الملك غيطشة Witiza وقد ترعرعوا وركبوا الخيل يدعوهم إلى مناصرته وأن تكون أيديهم واحدة على عدوهم، فحشدوا الثغر وقدموا فنزلوا شقندة، ولم يطمئنوا إلى روذريق بدخول قرطبة فخرج إليهم ثم نهض للقاء طارق فلما تقاتلت الفئتان أجمع المند- ابن غيطشة- وأخوه على الغدر بروذريق، وأوصلوا في ليلتهم تلك إلى طارق يعلمونه أن روذريق إنما كان كلبا من كلاب أبيهم وأتباعه. ويسألونه الأمان على أن يخرجوا إليه في الصباح وأن يمضي لهم ضياع أبيهم بالأندلس، وكانت ثلاثة آلاف ضيعة، سميت بعد ذلك صفايا الملوك. فلما أصبحوا تحاشوا بمن معهم إلى طارق فكان ذلك سبب الفتح» ا. هـ.

ويتحدث ابن القرطبة عن وصول أولاد الملك غيطشة إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق حيث أنفذ لهم الوعد الذي كان قد أعطاهم إياه طارق بن زياد. وهذا يدل على حجم المنازعات والأحقاد التي كانت بين الطبقة القوطية الحاكمة في الأندلس. والتي كانت بدون شك من أسباب سهولة وسرعة الفتح الإسلامي لتلك البلاد.

وعلي إبراهيم المنوفي والسيد عبد الظاهر عبد الله- طبع الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة (2000 م) ، د. عبد الرحمن علي الحجي- التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (92- 897 هـ/ 711- 1492 م) دار الاعتصام، (القاهرة 1403 هـ/ 1983 م) ، ومحمد عبد الله عنان- دولة الإسلام في الأندلس (ج 1) نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة (2001 م) .

(1)

تاريخ افتتاح الأندلس (ص 19، 20) .

ص: 339

ثانيا: الأمر الثاني الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس وهو ذو علاقة بالأمر الأول، سرعة الفتح وسهولته، فبينما أخذ فتح شمال إفريقيا نحو سبعين عاما من العرب لم يستغرق فتح الأندلس بكاملها تقريبا سوى ثلاث سنوات (92- 95 هـ/ 711- 714 م) وهذه عجيبة من عجائب التاريخ، ولم ينافس الأندلس في سرعة وسهولة فتحها سوى الفتح الإسلامي لمصر، فقد استغرق هو أيضا نحو ثلاث سنوات (18- 21 هـ/ 639- 642 م) والسبب في ذلك تشابه الظروف في كل من مصر والأندلس؛ فكما كانت الأندلس تعاني من مفاسد ومظالم الحكم القوطي، كذلك كانت مصر تعاني من مفاسد ومظالم الحكم البيزنطي؛ الأمر الذي سهل مهمة المسلمين في فتح مصر.

ثالثا: الأمر الثالث الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس أن الفاتحين كانوا رحماء مع أهل الأندلس وعاملوهم بكل احترام وتسامح، وطبقوا معهم نفس السياسة التي اتبعوها مع كل البلاد التي فتحوها، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم، وحق المقاضاة إلى قضاة منهم، ولم يفرضوا سوى جزية ضئيلة فرضي بذلك سكان أسبانيا طائعين وخضعوا للعرب دون مقاومة، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأرستقراطية المالكة للأرضين «1» .

ولا بأس أن نؤكد هذا بما ذكره السيرتوماس أرنولد حيث يقول «2» : «وإن سياسة التسامح الديني الذي سارت عليه الحكومة الإسلامية نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا، وحرية الاختلاط بين المتدينين قد أدت إلى شيء من التجانس والتماثل بين الجماعتين وقد كثر التصاهر بينهم، حتى أن أيذيدور الباجي قد دوّن مسألة زواج عبد العزيز بن موسى بن نصير من أرملة روذريق Rodrigo دون أن يذكر كلمة واحدة يستنكر فيها هذا الفعل، هذا إلى أن كثيرين من المسيحيين قد تسموا بأسماء عربية، وقلدوا جيرانهم المسلمين في إقامة بعض النظم الدينية، فاختتن كثير منهم، وساروا وفق المسلمين في أمور الطعام والشراب، وأن إطلاق لفظ مستعربين على الأسبان المسيحيين الذين عاشوا في ظل العرب ليدل دلالة ظاهرة على مدى الميول والاتجاهات التي كانت تعمل بنشاط وهمة في هذا السبيل، فسرعان ما أخذت دراسة اللغة العربية تحل محل اللاتينية في جميع أرجاء البلاد» ا. هـ.

(1) جوستاف لوبون- حضارة العرب (ص 266، 267) .

(2)

الدعوة إلى الإسلام (ص 159، 160) .

ص: 340

ويقول في موضع آخر «1» : «أما عن حمل الناس على الدخول في الإسلام أو اضطهادهم بأية وسيلة من وسائل الاضطهاد في الأيام الأولى التي أعقبت الفتح العربي، فإننا لا نسمع عن ذلك شيئا. وفي الحق أن سياسة التسامح الديني التي أظهرها هؤلاء الفاتحون نحو الديانة المسيحية كان لها أكبر الأثر في تسهيل استيلائهم على هذه البلاد» ا. هـ.

قد يظن البعض أن في الحديث عن التسامح الذي سارت عليه الحكومة الأموية في الأندلس نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا نوعا من المبالغة وقد يستشهد ببعض الحوادث التي استخدمت فيها الحكومة الأموية القسوة، الأمر الذي ينقض حديث التسامح، ونحن في الحقيقة لا ندعي أن التسامح كقاعدة عامة لم تخترق أو لم تحدث تجاوزات. بل نعترف بحدوث تجاوزات كثيرة سجلها المؤرخون المسلمون قبل غيرهم سواء مع النصارى أو مع المسلمين، ولكنها تبقى تجاوزات محدودة ويبقى التسامح هو السياسة العامة المتبعة في الأوقات العادية.

فعلى سبيل المثال: عند ما حدث الهيج أو التمرد أو الثورة في الربض أيام الحكم الأول (180- 206 هـ/ 796- 822 م) وهي حادثة مشهورة في التاريخ الأندلسي؛ عندئذ قضى عليها الحكم بقسوة شديدة وطرد آلافا من الناس من مساكنهم، فعبروا مضيق جبل طارق ومنهم من سكن مدينة فاس في المغرب الأقصى ومنهم عدد كبير- قيل خمسة عشر ألفا- ذهبوا إلى الإسكندرية ثم تركوها أو طردوا منها بالأحرى فذهبوا إلى جزيرة كريت وأقاموا لهم دويلة هناك سنة (212 هـ 827 م) استمرت ما يقرب من قرن من الزمان ولقد أعفى الحكم المؤرخين من الدفاع عن تصرفه هذا؛ لأنه هو اعتذر عنه واعتبره ذنبا كبيرا ارتكبه ضد مواطنيه، وظل يستغفر الله منه طوال حياته «2» .

الحادثة الثانية: وهي أيضا من أشهر الحوادث في التاريخ الأندلسي؛ قصة النصارى الانتحاريين، وهم مجموعة من المتعصبين الذين أخذوا- لأسباب غير مفهومة- يسبون ويشتمون النبي محمدا صلى الله عليه وسلم علنا وأمام المساجد وفي أوقات الصلوات، وهو عمل استفزازي لم يحتمله المسلمون وقد حكم على بعضهم

(1) المرجع السابق (ص 157) .

(2)

انظر د. عبد الرحمن الحجى- التاريخ الأندلسي، مرجع سابق (ص 242) .

ص: 341

بالإعدام مما جعل الأستاذ لين بول يطلق عليهم- المنتحرين- والعجيب أن هذه الحركة بدأت في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (206- 238 هـ/ 822- 853 م) وهو ليس من الأمراء القساة بل كان يتحلى بالتسامح وحب العلم والثقافة.

على كل حال هذه الحركة أدانها النصارى أنفسهم في حينها «1» . وكذلك أدانها النصارى المعاصرون ولقد علق الأستاذ أميلو جارثيا جومث في مقدمته لكتاب الأستاذ ليفي بروفنسال بقوله «2» : «وتتلخص أحداث تلك الأزمة في الحكم- خلال الفترة من (236- 245 هـ/ 850- 859 م) بمدينة قرطبة- على أربعين مستعربا بالإعدام؛ عقابا لهم على سبّ رسول الإسلام علانية. ألهذا يمكن الحديث عن الاضطهاد؟ كلّا ألف كلّا؛ لأن الدولة الإسلامية- وخاصة أثناء حكم الأمويين- كانت- على خلاف ما يعتقد غير العارفين- في منتهى التسامح مع المسيحيين واليهود، ولقد دان المستعربون للفاتحين نتيجة لهذا التعايش الإيجابي، وهذا ما أثار حفيظة المشتغلين منهم بالسياسة، فعلاوة على إبراز الوثائق التاريخية الكثيرة التي خلفها المستعربون لهذا التسامح- يعترف (سان ألوخيو) نفسه بأنه لا يشعر بين المسلمين بالدونية أو بالمضايقة، كما يشير آخر وهو (خوان دي جورز) إلى أن المسيحي يمارس شعائره بحرية تامة.. فلم يكن المسيحيون يرتدون ملابس خاصة ولا يحملون شارة معينة تميزهم، وكانوا في كثير من الأحيان يرتقون إلى أعلى المناصب المدنية والعسكرية، وكان القساوسة يغشون الأماكن العامة بزيهم التقليدي، كما كان من الممكن في بعض الأحيان تشييد كنائس جديدة» .

واعتمادا على ما سبق ذكره نقول: إنه لو وجدت حينذاك محاولة سلمية (الدعوة إلى الإسلام) تهدف إلى تالف النسيج الاجتماعي فليس من حقنا أن ندينها؛ لأن لكل تسامح حدوده ومن غير المعقول أن نطلب من المسلمين التساهل إلى الحد الذي يغضون فيه الطرف عن إهانة وسب الميسحيين لرسولهم علانية، في نفس الوقت الذي لا يسمح فيه لأحد بالتعريض بالعقيدة المسيحية ا. هـ.

(1) المرجع السابق (ص 243) وانظر كذلك ليفي بروفنسال. الحضارة العربية في أسبانيا ترجمة د. الطاهر أحمد مكي، طبع دار المعارف، القاهرة، (1994 م) ، (ص 100) .

(2)

تاريخ أسبانيا الإسلامية (ص 15) وانظر في المسألة نفسها: ليفي بروفنسال- الحضارة العربية في أسبانيا (ص 100) .

ص: 342