الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقت مبكر من الدولة الأموية في عهد مروان بن الحكم (64- 65 هـ/ 684- 685 م) أما أبرز رجال البيت الأموي والذي كرس حياته لترجمة العلوم الأجنبية إلى العربية فهو الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. وهو حفيد الخليفة معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية وكان من المفروض أن يصبح هو خليفة بعد مروان بن الحكم طبقا لما اتفق عليه الأمويون في مؤتمر الجابية في نهاية سنة (64 هـ- 667 م)«1» .
ولكن هذا لم يحدث وفاتت خالدا الخلافة فصرف همته للاشتغال بالعلم وبصفة خاصة ترجمة العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية وأنفق على ذلك بسخاء كبير، يقول ابن النديم «2» :«وكان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، وخطر بباله الصنعة- يقصد علم الكيمياء- فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مدينة مصر- يقصد الإسكندرية- وقد تفصح بالعربية وهذا كان أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة» ا. هـ.
هذه البدايات المتواضعة في مجال ترجمة العلوم الطبية وغيرها لو استمرت الدولة الأموية لرأيناها تزدهر وتؤتي ثمارها اليانعة ولكن ذلك كان من نصيب العباسيين.
*
الفتح الإسلامي للأندلس:
ليس من شأن هذا البحث أن يؤرخ للفتح الإسلامي، ولا تقصي أسبابه ودوافعه وإنما هي إشارة موجزة لمعرفة المسرح الذي مثل عليه الأمويون دورهم- إن جاز هذا التعبير- في إيصال الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ومن ثم إلى بقية دول أوربة، والذي يطالع معظم المؤلفات التاريخية التي أرخت للفتح الإسلامي للأندلس قديما وحديثا، وسواء أكتبها عرب مسلمون أم غربيون نصارى- يجدها تكاد تجمع على أمور أساسية منها «3» :
(1) انظر ابن الأثير- الكامل في التاريخ، طبعة دار صادر بيروت (1385 هـ- 1965 م) ، (4/ 145) .
(2)
الفهرست (ص 338) .
(3)
انظر على سبيل المثال، أبو بكر بن القوطية- تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق إسماعيل العربي المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر (1989 م) ، رينهرت دوزي- المسلمون في الأندلس، (ج 1) ترجمة د. حسن حبشي الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة (1998 م) . وليفي بروفنسال، تاريخ أسبانيا الإسلامية من الفتح إلى سقوط الخلافة القرطبية (711- 1031 م) ، ترجمة علي عبد الرؤوف البمبي-
أولا: فساد الأحوال في مملكة القوط يكاد يكون عامّا في شتى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكانت المنازعات والمنافسات على الحكم تكاد تمزق تلك المملكة، بل تتحدث المصادر التاريخية عن دور لبعض الشخصيات القوطية المؤثرة في تسهيل عملية الفتح للمسلمين وبصفة خاصة الأمير يوليان- أمير سبتة- ورئيس أساقفة إشبيلية، بل تتحدث المصادر عن انضمام أولاد الملك المخلوع) Witiza الذي تسميه المصادر العربية غيطشة) إلى طارق بن زياد أثناء المعركة الرئيسية مع روذريق Rodrigo في وادي شذونة، وكان انضمامهم ذلك من أسباب سرعة الفتح وسهولته.
ويتحدث ابن القرطبة عن وصول أولاد الملك غيطشة إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق حيث أنفذ لهم الوعد الذي كان قد أعطاهم إياه طارق بن زياد. وهذا يدل على حجم المنازعات والأحقاد التي كانت بين الطبقة القوطية الحاكمة في الأندلس. والتي كانت بدون شك من أسباب سهولة وسرعة الفتح الإسلامي لتلك البلاد.
وعلي إبراهيم المنوفي والسيد عبد الظاهر عبد الله- طبع الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة (2000 م) ، د. عبد الرحمن علي الحجي- التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (92- 897 هـ/ 711- 1492 م) دار الاعتصام، (القاهرة 1403 هـ/ 1983 م) ، ومحمد عبد الله عنان- دولة الإسلام في الأندلس (ج 1) نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة (2001 م) .
(1)
تاريخ افتتاح الأندلس (ص 19، 20) .
ثانيا: الأمر الثاني الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس وهو ذو علاقة بالأمر الأول، سرعة الفتح وسهولته، فبينما أخذ فتح شمال إفريقيا نحو سبعين عاما من العرب لم يستغرق فتح الأندلس بكاملها تقريبا سوى ثلاث سنوات (92- 95 هـ/ 711- 714 م) وهذه عجيبة من عجائب التاريخ، ولم ينافس الأندلس في سرعة وسهولة فتحها سوى الفتح الإسلامي لمصر، فقد استغرق هو أيضا نحو ثلاث سنوات (18- 21 هـ/ 639- 642 م) والسبب في ذلك تشابه الظروف في كل من مصر والأندلس؛ فكما كانت الأندلس تعاني من مفاسد ومظالم الحكم القوطي، كذلك كانت مصر تعاني من مفاسد ومظالم الحكم البيزنطي؛ الأمر الذي سهل مهمة المسلمين في فتح مصر.
ثالثا: الأمر الثالث الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس أن الفاتحين كانوا رحماء مع أهل الأندلس وعاملوهم بكل احترام وتسامح، وطبقوا معهم نفس السياسة التي اتبعوها مع كل البلاد التي فتحوها، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم، وحق المقاضاة إلى قضاة منهم، ولم يفرضوا سوى جزية ضئيلة فرضي بذلك سكان أسبانيا طائعين وخضعوا للعرب دون مقاومة، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأرستقراطية المالكة للأرضين «1» .
(1) جوستاف لوبون- حضارة العرب (ص 266، 267) .
(2)
الدعوة إلى الإسلام (ص 159، 160) .
قد يظن البعض أن في الحديث عن التسامح الذي سارت عليه الحكومة الأموية في الأندلس نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا نوعا من المبالغة وقد يستشهد ببعض الحوادث التي استخدمت فيها الحكومة الأموية القسوة، الأمر الذي ينقض حديث التسامح، ونحن في الحقيقة لا ندعي أن التسامح كقاعدة عامة لم تخترق أو لم تحدث تجاوزات. بل نعترف بحدوث تجاوزات كثيرة سجلها المؤرخون المسلمون قبل غيرهم سواء مع النصارى أو مع المسلمين، ولكنها تبقى تجاوزات محدودة ويبقى التسامح هو السياسة العامة المتبعة في الأوقات العادية.
فعلى سبيل المثال: عند ما حدث الهيج أو التمرد أو الثورة في الربض أيام الحكم الأول (180- 206 هـ/ 796- 822 م) وهي حادثة مشهورة في التاريخ الأندلسي؛ عندئذ قضى عليها الحكم بقسوة شديدة وطرد آلافا من الناس من مساكنهم، فعبروا مضيق جبل طارق ومنهم من سكن مدينة فاس في المغرب الأقصى ومنهم عدد كبير- قيل خمسة عشر ألفا- ذهبوا إلى الإسكندرية ثم تركوها أو طردوا منها بالأحرى فذهبوا إلى جزيرة كريت وأقاموا لهم دويلة هناك سنة (212 هـ 827 م) استمرت ما يقرب من قرن من الزمان ولقد أعفى الحكم المؤرخين من الدفاع عن تصرفه هذا؛ لأنه هو اعتذر عنه واعتبره ذنبا كبيرا ارتكبه ضد مواطنيه، وظل يستغفر الله منه طوال حياته «2» .
الحادثة الثانية: وهي أيضا من أشهر الحوادث في التاريخ الأندلسي؛ قصة النصارى الانتحاريين، وهم مجموعة من المتعصبين الذين أخذوا- لأسباب غير مفهومة- يسبون ويشتمون النبي محمدا صلى الله عليه وسلم علنا وأمام المساجد وفي أوقات الصلوات، وهو عمل استفزازي لم يحتمله المسلمون وقد حكم على بعضهم
(1) المرجع السابق (ص 157) .
(2)
انظر د. عبد الرحمن الحجى- التاريخ الأندلسي، مرجع سابق (ص 242) .
بالإعدام مما جعل الأستاذ لين بول يطلق عليهم- المنتحرين- والعجيب أن هذه الحركة بدأت في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (206- 238 هـ/ 822- 853 م) وهو ليس من الأمراء القساة بل كان يتحلى بالتسامح وحب العلم والثقافة.
على كل حال هذه الحركة أدانها النصارى أنفسهم في حينها «1» . وكذلك أدانها النصارى المعاصرون ولقد علق الأستاذ أميلو جارثيا جومث في مقدمته لكتاب الأستاذ ليفي بروفنسال بقوله «2» : «وتتلخص أحداث تلك الأزمة في الحكم- خلال الفترة من (236- 245 هـ/ 850- 859 م) بمدينة قرطبة- على أربعين مستعربا بالإعدام؛ عقابا لهم على سبّ رسول الإسلام علانية. ألهذا يمكن الحديث عن الاضطهاد؟ كلّا ألف كلّا؛ لأن الدولة الإسلامية- وخاصة أثناء حكم الأمويين- كانت- على خلاف ما يعتقد غير العارفين- في منتهى التسامح مع المسيحيين واليهود، ولقد دان المستعربون للفاتحين نتيجة لهذا التعايش الإيجابي، وهذا ما أثار حفيظة المشتغلين منهم بالسياسة، فعلاوة على إبراز الوثائق التاريخية الكثيرة التي خلفها المستعربون لهذا التسامح- يعترف (سان ألوخيو) نفسه بأنه لا يشعر بين المسلمين بالدونية أو بالمضايقة، كما يشير آخر وهو (خوان دي جورز) إلى أن المسيحي يمارس شعائره بحرية تامة.. فلم يكن المسيحيون يرتدون ملابس خاصة ولا يحملون شارة معينة تميزهم، وكانوا في كثير من الأحيان يرتقون إلى أعلى المناصب المدنية والعسكرية، وكان القساوسة يغشون الأماكن العامة بزيهم التقليدي، كما كان من الممكن في بعض الأحيان تشييد كنائس جديدة» .
واعتمادا على ما سبق ذكره نقول: إنه لو وجدت حينذاك محاولة سلمية (الدعوة إلى الإسلام) تهدف إلى تالف النسيج الاجتماعي فليس من حقنا أن ندينها؛ لأن لكل تسامح حدوده ومن غير المعقول أن نطلب من المسلمين التساهل إلى الحد الذي يغضون فيه الطرف عن إهانة وسب الميسحيين لرسولهم علانية، في نفس الوقت الذي لا يسمح فيه لأحد بالتعريض بالعقيدة المسيحية ا. هـ.
(1) المرجع السابق (ص 243) وانظر كذلك ليفي بروفنسال. الحضارة العربية في أسبانيا ترجمة د. الطاهر أحمد مكي، طبع دار المعارف، القاهرة، (1994 م) ، (ص 100) .
(2)
تاريخ أسبانيا الإسلامية (ص 15) وانظر في المسألة نفسها: ليفي بروفنسال- الحضارة العربية في أسبانيا (ص 100) .