المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في الذكاة - الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات - جـ ٤

[عثمان ابن جامع]

فهرس الكتاب

- ‌(باب النفقات)

- ‌فصل في نفقة الأقارب والمماليك

- ‌فصل

- ‌فَصْلُ

- ‌(فَصْلٌ) في الحَضَانَةِ

- ‌فصل

- ‌(كِتَابُ الجِنَايَاتِ)

- ‌(والخَطَأُ) ضربان:

- ‌فَصْلٌ

- ‌(فَصْلٌ) في شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ

- ‌فصل فى استيفاء القصاص في النفس وما دونها

- ‌(فصل)

- ‌فصل في الجراح فيما دون النفس

- ‌(فصل) في الديات

- ‌(فَصْلٌ) في مَقَادِيْرِ دِيَاتِ النَّفْسِ

- ‌فصل

- ‌(فصل) فى دية الأعضاء ومنافعها

- ‌فصل

- ‌فصل في الشجاج وكسر العظام

- ‌فصل

- ‌(فصل) في العاقلة وما تحمله من الدية

- ‌فصل في كفارة القتل

- ‌فصل في القسامة

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌فصل

- ‌فصل في حد الزنى

- ‌فصل في حد القذف

- ‌فصل

- ‌فصل في التعزير

- ‌فصل في حد المسكر

- ‌فصل في القطع في السرقة

- ‌فصل

- ‌(فصل) في حد قطاع الطريق

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌(فصل) في حكم المرتد

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في السحر وما يتعلق به

- ‌(فصل) في الأطعمة

- ‌فَصْلٌ في الذَّكَاةِ

- ‌فَصْلٌ في الصَّيْدِ

- ‌بَابُ الأَيْمَانِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ في النَّذْرِ

- ‌(كِتَابُ القَضَاءِ)

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ في شُروطِ القَاضِي

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ في آدَابِ القَاضِي

- ‌فَصْلٌ فِي طَرِيْق الحُكْمِ وَصِفَتِهِ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل في كتاب القاضي إلى القاضي

- ‌فصل

- ‌(فصل) في القسمة

- ‌فصل في الدعاوي والبينات

- ‌فصل

- ‌فصل في تعارض البينتين

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌فصل في شروط من تقبل شهادته

- ‌فصل في موانع الشهادة

- ‌فصل

- ‌(فَصْلٌ) في الشَّهادةِ على الشهادةِ والرجوع عنها وأدائها

- ‌فَصْلٌ في أَداءِ الشَّهادةِ

- ‌فَصْلٌ في اليَمِينِ في الدَّعاوي

- ‌(كِتَابُ الإِقْرَارِ)

- ‌فَصْلٌ فيْمَا يَحْصلُ بهِ الإِقْرَارُ ومَا يُغَيِّرهُ

- ‌فَصْلٌ فيمَا إذا وصَلَ بإِقْرَارِهِ ما يُغَيِّرهُ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ في الإِقْرَارِ بالْمُجْمَلِ

الفصل: ‌فصل في الذكاة

‌فَصْلٌ في الذَّكَاةِ

وهي تمامُ الشيءِ، ومنه الذَّكاةُ في السِّنِّ أي تمامه، سمي الذبح ذكاة لأنه إتمام الزهوق (1).

وأصله قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} (2) أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه (3)، ثم استعمل في الذبح سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداءً ذكره الزَّجَّاج (4)، يقال: ذَكَّى الشاة ونحوها تذكية أي ذبحها.

و(لا يُبَاحُ حَيَوانٌ يَعِيْشُ في الْبَرِّ) مباح أكله (غير جَرَادٍ) إلا بذبحه أو نحره بقطع

(1) ينظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 357، والقاموس المحيط 4/ 330، ولسان العرب 14/ 287 - 288.

(2)

سورة المائدة من الآية (3).

(3)

ينظر: جامع البيان لابن جرير الطبري 6/ 72، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 11، وفتح القدير للشوكلاني 2/ 9 - 10.

(4)

ينظر: لسان العرب 2/ 10، وفتح القدير للشوكاني 14/ 288.

والزجاج هو: إبراهيم بن محمد بن السري، أبو إسحاق، البغدادي، الإمام، النحوي، لزم المبرد، له مصنفات كثيرة منها:"النوادر" و"العروض" و"الاشتقاق"، توفي الزجاج سنة 311 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 14/ 360، تاريخ بغداد 6/ 89 - 93، والأنساب 6/ 273 - 274.

ص: 968

حُلْقُومٍ ومَريءٍ أو عَقْرِ مُمتنعٍ لأنه تعالى حرم الميتة وما لم يذك فهو ميتة، فذبح نحو كلب وسبع لا يسمى ذكاة.

ويباح جراد (ونحوه) بدونها، وسمك وما لا يعيش إلا في الماء، لحديث ابن عمر مرفوعًا:"أُحِلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطِّحَال" رواه أحمد وغيره (1)، وسواء مات الجراد بسبب ككبسه وتغريقه أولا، ولا بين الطافي من السمك وغيره، ولا فرق بين ما صاده مجوسي من سمك أو جراد أو صاده غيره.

ولا يباح ما يعيش في الماء والبر كسلحفاة وكلب ماء إلا بالذكاة، قال أحمد: كلب الماء تذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح (2) إلحاقا لذلك بحيوان البر لكونه يعيش فيه احتياطا، ويحرم بلع سمك حيا ذكره ابن حزم

(1) أخرجه الإمام أحمد برقم (5690) المسند 2/ 230، وابن ماجة، باب الكبد والطحال، كتاب الأطعمة برقم (3314) سنن ابن ماجة 2/ 1102، والشافعي، كتاب الصيد والذبائح، المسند 2/ 173، والدارقطني، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك، سنن الدارقطني 4/ 271 - 272، والبيهقي، باب ما جاء في الكبد والطحال، كتاب الضحايا، السنن الكبرى 10/ 7، والحديث صححه الألباني في الإرواء 8/ 164، وفي صحيح الجامع الصغير 1/ 119.

(2)

مسائل الإمام أحمد رواية عبد اللَّه ص 271، والمغني 13/ 344، والمبدع 9/ 214، والإنصاف 27/ 279، وكشاف القناع 6/ 204.

ص: 969

إجماعا (1)، وكره شيه حيا؛ لأنه تعذيب له ولا حاجة إليه لأنه يموت بسرعة لا شي جراد حيا؛ لأنه لا يموت في الحال.

(وشروطه)(2) أي الذبح (أربعة): -

أحدها: (كون ذابح) أو ناحر أو عاقر (عاقلا) ليصح منه قصد التذكية، فلا يباح ما ذكاه مجنون أو طفل لم يميز؛ لأنهما لا قصد لهما، وكونه (مميزا) فتحل ذبيحته كالبالغ ولو متعديا كغاصب أو مكرها أو قنا أو جنبا أو أنثى، لحديث كعب بن مالك عن أبيه:"أنهم كان لهم غنم ترعى بسلع (3)، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها به فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أو أرسل إليه فأمر بأكلها" رواه أحمد والبخاري (4)، ففيه إباحة ذبيحة المرأة والأمة والحائض والجنب؛ لأنه عليه السلام لم

(1) المحلى 7/ 398.

(2)

في أخصر المختصرات المطبوع ص 255: وشروطها.

(3)

سلع: جبل معروف بالمدينة.

ينظر: فتح الباري 9/ 631، والقاموس المحيط 3/ 39.

(4)

أخرجه الإمام أحمد برقم (5440 - 5441) المسند 2/ 193، والبخاري، باب ذبيحة المرأة والأمة، كتاب الذبائح والصيد برقم (5504 - 5505) صحيح البخاري 7/ 80، وابن ماجة، باب ذبيحة المرأة، كتاب الذبائح برقم (3182) سنن ابن ماجة 2/ 1062، ومالك، باب ما يجوز من الذكاة في حال الضرورة، كتاب الذبائح برقم (1057) الموطأ ص =

ص: 970

يستفصل عنها، وفيه أيضًا إباحه الذبح بالحجر وما خيف عليه الموت وحل ما يذبحه غير المالك بغير إذنه، (ولو) كان الذابح (كِتَابيًّا) لقوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (1)، قال البخاري: قال ابن عباس: "طعامهم ذبائحهم"(2) ومعناه عن ابن مسعود (3)، أو كان من نصارى بني تَغْلب (4)، ولا تحل ذبيحة مَنْ أحَدُ أبويه غير كتابي، ولا ذبيحة وثني، ولا مجوسي، ولا زنديق، ولا مرتد، لمفهوم قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ، ولا تحل ذبيحة

= 306، والدارمي، باب ما يجوز به الذبح، كتاب الأضاحي برقم (1971) سنن الدارمي 2/ 112.

(1)

سورة المائدة من الآية (5).

(2)

أورده البخاري تعليقًا في صحيحه 7/ 81، ووصله البيهقي في السنن الكبرى 9/ 282، وصحّحه الألباني في الإرواء 8/ 164 - 165.

(3)

أخرجه عبد الرزاق برقم (10176) المصنف 6/ 117 - 118، وابن أبي شيبة برقم (12739) الكتاب المصنف 12/ 253.

(4)

نصارى تغلب: منسوبون إلى أبي قبيلتهم: تَغْلِبَ بن وائل بن قاسط بن هِنْبٍ بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدٍّ بن عدنان، وكانت بلادهم بالجزيرة الفراتية -موضع باليمامة فيه نخل لبني تغلب- ويتفرع منهم بنو شعبة بالطائف، وبنو حمدان ملوك الموصل.

ينظر: معجم البلدان 2/ 139، ونهاية الأرب ص 186، ومعجم قبائل العرب 1/ 120 - 121.

ص: 971

سكران؛ لأنه لا قصد له.

(و) الشرط الثاني: (الآلةُ: وهي كل مُحَدَّدٍ) حتى حجر وقصب وخشب وذهب وفضة وعظم (غير سِنِّ وظُفُرٍ) نصًّا (1)، لحديث:"ما أنهر الدَّم فَكُلْ، ليس السِّنّ والظفر" متفق عليه (2)، ولو كان المحدد مغصوبا لعموم الخبر.

(و) الشرط الثالث: (قَطْعُ حُلْقُوْمٍ) أي مجرى النفس (ومَرِيْءٍ) بالمد أي مجرى الطَّعام سواء كان القطع فوق الغَلْصَمَةِ (3) أو دونها، ولا يعتبر قطع شيء غيرهما ولا إبانتهما، ولا يضر رفع يده إن أتم الذكاة على الفور كما لو لم يرفعها، فإن تراخى ووصل الحيوان إلى حركة المذبوح فأتمها لم يحل، (وسُنَّ قَطْعُ الوَدْجَيْنِ) وهما عرقان محيطان بالحلقوم.

والسنة مخر إبلٍ بطَعْنٍ في لَبَّتِهَا -وهي الوَهْدَةُ بين أصل الصدر والعنق- وذبح

(1) المغني 13/ 301، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف 27/ 296 - 297، والمحرر 2/ 191، وكتاب الفروع 6/ 311، والمبدع 9/ 217، والإقناع 4/ 317.

(2)

من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: أخرجه البخاري، باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد، كتاب الذبائح والصيد برقم (5503) صحيح البخاري 7/ 80، ومسلم، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم. . .، كتاب الأضاحي برقم (1968) صحيح مسلم 3/ 1558.

(3)

الغَلْصَمَةُ: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع الغَلَاصِم، وقيل: الغَلْصَمَةُ: اللحم الذي بين الرأس والعنق.

ينظر: لسان العرب 12/ 441، والقاموس المحيط 4/ 157.

ص: 972

غيرها، قال تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} (1) وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (2)، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم:"نَحَر بَدَنَةً"(3) و"ضَحَّى بكَبْشَيْنِ ذبحهما بيده" متفق عليه (4)، ومن عكس فذبح الإبل ونحر غيرها أجزأ، قالت أسماء:"نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأكلنا ونحن بالمدينة"(5)، وعن عائشة:"نحر رسول اللَّه في حجة الوداع بقرةً واحدةً"(6).

(1) سورة الكوثر الآية (2).

(2)

سورة البقرة من الآية (67).

(3)

من حديث أنس رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 143 برقم (1714).

(4)

من حديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا: أخرجه البخاري، باب نحر البدن قائمةً، كتاب الحج برقم (1714) صحيح البخاري 2/ 143، ومسلم، باب استحباب الأضحية. . كتاب الأضاحي برقم (1966) صحيح مسلم 3/ 1556.

(5)

أخرجه البخاري، باب النحر والذبح، كتاب الذبائح والصيد برقم (5511) صحيح البخاري 7/ 81، ومسلم، باب في أكل لحوم الخيل، كتاب الصيد والذبائح برقم (1942) صحيح مسلم 3/ 1541.

(6)

أخرجه أبو داود، باب في هدي البقر، كتاب المناسك برقم (1750) سنن أبي داود 2/ 145، وابن ماجة، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة، كتاب الأضاحي برقم (3135) سنن ابن ماجة 2/ 1047، والبيهقي، باب القارن يهريق دمًا، كتاب الحج، السنن الكبرى 4/ 353، والحديث صححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود 1/ 329، وصحيح سنن ابن ماجة 2/ 201.

ص: 973

(وما عُجِزَ عنه كواقعٍ في بِئْرٍ ومُتَوَحِّشٍ ومُتَرَدٍّ) مِنْ عَالٍ (يكفي جَرْحُهُ حَيْثُ كان) من بدنه، ورُويَ عن علي (1) وابن مسعود (2) وابن عباس (3) وعائشة (4)، لحديث رافع بن خديج قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فَنَدَّ بعيرٌ، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه، فأعياهم، فأَهْوَى إليه رجلٌ بسهم فحبسه اللَّه عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوَابِدَ (5) كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ منها فاصنعوا به هكذا" وفي لفظٍ: "فَمَا نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" متفق عليه (6)، واعتبار الحيوان بحال الذكاة لا بأصله، بدليل الوحشي [إذا قدر

(1) أخرجه عبد الرزاق برقم (8477) المصنف 4/ 365، وابن أبي شيبة، الكتاب المصنف 5/ 385، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 246.

(2)

أخرجه عبد الرزاق برقم (8473 - 8475) المصنف 4/ 464، وابن أبي شيبة، الكتاب المصنف 5/ 386، وابن حزم في المحلى 7/ 447، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 247.

(3)

أخرجه عبد الرزاق برقم (8478) المصنف 4/ 465، وابن أبي شيبة، الكتاب المصنف 5/ 385، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 246، وابن حزم في المحلى 7/ 447.

(4)

لم أقف عليه مسندًا، وذكره ابن حزم في المحلى 7/ 447.

(5)

الأَوَابدِ: جمع آبدةٍ: أي غريبةٍ، يقال: جاء فلان بآبدةٍ، أي بكلمةٍ أو فعلةٍ منفرةٍ، وتأبَّدَتْ: توحَّشَتْ، والمراد أن لها توحُّشًا.

ينظر: فتح الباري 9/ 627، ولسان العرب 3/ 68.

(6)

أخرجه البخاري، باب إذا ندَّ بعيرٌ لقومٍ فرماه بعضهم بسهم فقتله. . .، كتاب الذبائح والصبد برقم (5544) صحيح البخاري 7/ 85، ومسلم، باب جواز الذبح بمل ما أنهر الدم. .، كتاب الأضاحي برقم (1968) صحبح مسلم 3/ 1558.

ص: 974

عليه، والمتردى إذا لم يقدر على تذكيته يشبه الوحشي] (1) بالعجز عن تذكيته.

(فَإِنْ أَعَانَهُ) أي الجارح (2) على قتله (غيره ككونِ رأسهِ) أي الواقع في نحو بئر (في الماءِ ونحوه) مما يقتله لو انفرد (لَمْ يَحْل) لحصول قتله بمبيحٍ وحاظرٍ فغلب الحظر، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبحه.

وما ذبح من قفاه ولو عمدًا إن أتت الآلة على محل ذبحه وفيه حياة مستقرة حل لبقاء الحياة مع الجرح في القفا وإن كان غائرًا ما لم يقطع الحلقوم والمريء، كَأَكيلَةِ السبع إذا أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت حلت وإن كانت لا تعيش مع ذلك غالبًا، وإلا تأتي الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة لم يحل، وتعتبر الحياة المستقرة بالحركة القوية، فإن شك هل فيها حياة مستقرة قبل قطع حلقوم ومريء، فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع حل، وإن كانت الآلةُ كَالَّةً وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح.

ولو بأن رأسه حَلَّ مُطْلَقًا سواء كان من جهة وجهه أو قفاه أو غيرهما، لقول

(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 406.

(2)

في الأصل: الجرح.

ص: 975

علي في من ضرب وجه ثور بالسيف: "تلك ذكاة"(1)، وأفتى بأكلها عمران بن حصين (2) ولا مخالف لهما، ولأنه اجتمع قطع ما لا تبقى معه الحياة مع الذبح.

وحيوان مُلْتَوٍ عنقه كمَعْجُوْز عنه.

وما أصابه سبب الموت من حيوانٍ مَأكولٍ من مُنْخَنِقَةٍ ومَوْقُوْذَةٍ ومُتَرَدِّيَةٍ ونَطِيْحَةٍ وأكِيْلَةِ سبع ومريضة، وما صيد بشبكة أو شَرَكة أو أحبولة أو فخّ ولو وصل إلى حد لا يعيش معه فذكاه وحياته تمكن زيادتها على حركة مذبوح حل ولو مع عدم تحركه بنحو يد، لقوله تعالى:{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} (3) مع أن ما تقدم ذكره أسباب للموت، والاحتياط أن لا يؤكل ما ذبح من ذلك إلا مع تحركه ولو بيد أو رجل أو طرف عين أو تحرك ذنب وضرب الأرض به.

وما قطع حلقومه أو أبِيْنَتْ حشوته مما لا يبقى معه حياة فوجود حياته كعدمها فلا يحل بذكاةٍ.

(و) الشرط الرابع: (قَوْلُ بِسْمِ اللَّه عِنْدَ تَحْرِيْكِ يَدِهِ) بذبح لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (4)، والفِسْقُ

(1) أخرجه بنحوه عبد الرزاق برقم (8479) المصنف 4/ 465، وابن أبي شيبة، الكتاب المصنف 5/ 386 - 387.

(2)

لم أقف عليه مسندًا، وذكره ابن قدامة في المغني 13/ 308.

(3)

سورة المائدة من الآية (3).

(4)

سورة الأنعام من الآية (121).

ص: 976

الحرام (1)، وذكر جماعة: وعند الذبح قريبًا منه ولو فصل بكلام كالتسمية على الطهارة، واختص بلفظ اللَّه؛ لأن إطلاق التسميه: ينصرف إليه، ويجزئ أن يسمي بغير عربية ولو أحسنها؛ لأن المقصود ذكر اللَّه تعالى، وقياسه الوضوء والغسل والتيمم بخلاف التكبير والسلام فإن المقصود لفظه، ويجزئ أن يشير أخرس بالتسمية برأسه أو طَرَفه إلى السَّماء لقيامها مقام نُطْقِ النَّاطِقِ.

(وتَسْقُطُ) التَّسْميَةُ (سَهْوًا لا جَهْلًا)، لحديث راشد بن سعد (2) مرفوعًا:"ذييحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد" أخرجه سعيد (3)، ولحديث:

(1) ينظر: جامع البيان للطبري 8/ 20، وتفسير القرآن العظيم 2/ 161، واللباب في علوم الكتاب 7/ 195.

(2)

في الأصل: شدار بن سعد، والمثبت من كتب الحديث والتراجم.

وراشد هو: بن سعد المَقْرَائِيْ، الحِمصي، روى له البخاري تعليقًا كما روى له في الأدب المفرد، وروى له الباقون سوى مسلم، توفي سنة 113 هـ.

ينظر: الجرح والتعديل 3/ 484، وتهذيب الكمال 9/ 8، وسير أعلام النبلاء 4/ 490.

(3)

أخرجه ابن حزم في المحلى 7/ 413، من طريق سعيد بن منصور، قال أخبرنا عيسى بن يونس، قال أخبرنا الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد به مرفوعًا. قال ابن حزم:"فهذا مرسل، والأحوص بن حكيم ليس بشيء، وراشد بن سعد ضعيف".

وللحديث شواهد عن أبي هريرة، والصلت، وابن عباس رضي الله عنهم من طرق مختلفة أخرجها أبو داود في المراسيل برقم 378، والدارقطني في سننه 4/ 295 - 296، والبيهقي =

ص: 977

"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"(1) والآية محمولة على العمد جمعًا بين الأخبار، ومتى لم يعلم هل سمى الذابح أو لا؟ فالذَّبِيْحَةُ حَلَالٌ، لحديث عائشة:"أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! إنَّ قَوْمًا حديثو عهد بشركٍ يأتوننا بلحم لا ندري أذكَرُوْا اسمَ اللَّه عليه أو لم يذكروا؟ قال: سَمُّوْا أنتم وكلوا" رواه البخاري (2)، ويضمن أجير ترك التسمية على الذبيحة إن حرمت (3) بأن تركها عمدًا.

ومن ذكر عند الذبح مع اسم اللَّه غيره حرم عليه لأنه شركٌ ولم تحل الذبيحةُ رُوي

= في السنن الكبرى 9/ 239 - 240، ولكنها لا تخلوا من مقالٍ. وينظر: المحلى 7/ 413، والتلخيص الحبير 4/ 137، وفتح الباري 9/ 539، وإرواء الغليل 8/ 169 - 170.

(1)

سبق تخريجه ص 469.

(2)

أخرجه البخاري، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، كتاب الذبائح والصيد برقم (5507) صحيح البخاري 7/ 80، وأبو داود، باب ما جاء في أكل اللحم لا يُدرى أذُكر اسم اللَّه عليه أم لا؟ كتاب الضحايا برقم (2829) سنن أبي داود 3/ 104، وابن ماجة، باب التسمية عند الذبح، كتاب الذبائح برقم (3174) سنن ابن ماجة 2/ 1059 - 1060، والدارمي، باب اللحم يوجد فلا يدرى أذكر اسم اللَّه أم لا؟ ، كتاب الأضاحي برقم (1976) سنن الدارمي 2/ 114.

(3)

في الأصل: ان حر.

ص: 978

عن عليّ. (1)

(وذَكاةُ جَنِيْنٍ) مباح (خَرَجَ) من بطن أمه المذكاة (ميتًا ونحوه) كتحرك كحركة مذبوح أشعر أولا (بذكَاةِ أُمِّهِ) رُوي عن عليٍّ (2) وإبن عُمَرَ (3)، لحديث جابرٍ مَرفوعًا:"ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكاةُ أمِّهِ"(4) أشبه أعضاءها، واستحب

(1) أخرج ابن حزم في المحلى 7/ 411 من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن قيس، عن عطاء بن السائب، عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال:(إذا سمعت النصراني يقول: بسم المسيح فلا تأكل، وإذا لم تسمع فكل).

(2)

أخرجه ابن حزم في المحلى 9/ 417، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 336، من طريق الحارث الأعور عنه، أنه قال:(إذا أشعر جنين الناقة فكله، فإن ذكاته ذكاة أمه). وفي إسناده الحارث، وهو ضعيف جدًا. ينظر: التلخيص الحبير 4/ 157، والتعليق المغني 4/ 274.

(3)

أخرجه الإمام مالك برقم (1061) الموطأ ص 307، وعبد الرزاق برقم (8642) 4/ 501، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 339، وصحّحه البيهقي، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 157.

(4)

أخرجه أبو داود باب ما جاء في ذكاة الجنين، كتاب الأضاحي برقم (2828) سنن أبي داود 3/ 103 - 104، والدارمي، باب في ذكاة الجنين ذكاة أمه، كتاب الأضاحي برقم (1979) سنن الدارمي 2/ 115، والدارقطني، باب الصيد والذبائح، سنن الدارقطني 4/ 273، والحاكم، باب ذكاة الجنين ذكاة أمه، كتاب الأطعمة، المستدرك 4/ 114، والبيهقي، باب ذكاة ما في بطن الذبيحة، كتاب الضحايا، السنن الكبرى 9/ 335، والحديث قال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء 8/ 172.

ص: 979

أحمد ذبحه ليخرج دمه ولم يبح مع حياةٍ مُستقرَّةٍ إلا بذبحه نَصًّا (1)؛ لأنه نفس أخرى مستقل بحياته.

وقوله في الحديث: "ذكَاةُ أمِّهِ" فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والنصب قال ابن مالك (2): على معنى ذكاة الجنين في ذكاة أمه (3)، فيكون موافقًا لرواية الرفع المشهورة.

(وكُرِهَتْ) الذكاة (بآلةٍ كَالَّةٍ)، لحديث شداد بن أوس مرفوعًا:"إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الْقِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذبيحته" رواه أحمد وغيره (4)، ولأن الذَّبح بالكَالَّةِ تعذيبٌ للحيوان.

(1) المغني 13/ 310، والشرح الكبير والإنصاف 27/ 329، والمحرر 2/ 192، وكتاب الفروع 6/ 316، والمبدع 9/ 225، وكشاف القناع 6/ 210.

(2)

ابن مالك: محمد بن عبد اللَّه بن مالك، أبو عبد اللَّه، الطائي، جمال الدين، النحوي، صاحب التصانيف، ولد سنة 600 هـ في جيان بالأندلس، ونزل دمشق، وكان إمامًا في اللغة والنحو وفي حفظ الشواهد وضبطها وفي القراءات وعللها، له تصانيف كثيرة منها:"الألفية" و"تسهيل الفوائد""وشواهد التوضيح"، توفي بدمشق سنة 672 هـ.

ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 8/ 67 - 68، وشذرات الذهب 5/ 399، وبغية الوعاة 1/ 130 - 137، والأعلام 6/ 233.

(3)

بنزع الخافض.

(4)

سبق تخريجه في حكم المرتد ص 652.

ص: 980

(و) كُرِهَ (حَدُّهَا بحضرةِ) حيوانٍ (مُذَكَّى)، لحديث ابن عمر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وأنْ تُوَارَى عن البهائم" رواه أحمد وابن ماجة (1).

(و) كرِهَ (سَلْخُ) حيوان (وكَسْرُ عُنُقـ) ـه (قَبْلَ زُهُوق) نفسه لحديث: "لا تَعْجَلُوْا الأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ"(2)، (و) كُرِهَ (نَفْخُ لَحْمٍ لبيعٍ) لأنه غِشٌّ.

(وسُنَّ تَوْجِيْهُهُ) أي المذكى (3) بجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ)، فإن كان لغيرها حل ولو عمدًا، (و) سنَّ (رِفْقٌ به) وحمل على الآلة بقوة والإسراع بالشَّحْطِ، (و) سن (تَكْبِيْر) مع التسمية أي قول: بسم اللَّه واللَّه

(1) أخرجه الإمام أحمد برقم (5830) المسند 2/ 249، والبيهقي، باب الذكاة بالحديد. . .، كتاب الضحايا 9/ 280، من طريق ابن لهيعة، عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه عبد اللَّه بن عمر به. قال البيهقي:"كذا رواه ابن لهيعة موصولًا جيدًا" ا. هـ. وأخرجه ابن ماجة، في باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، كتاب الذبائح برقم (3172) سنن ابن ماجة 2/ 1059، من طريق ابن لهيعة قال حدثني قرّة عن الزهري عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه عبد اللَّه بن عمر به. قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجة:"في الزوائد: مدار الإسناد على ابن لهيعة وهو ضعيف، وشيخه قُرة أيضًا ضعيف".

(2)

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: أخرجه الدارقطني، باب الصيد والذبائح، سنن الدارقطني 4/ 283، وفي إسناده سعيد بن سلام العطار، وهو ضعيف. ينظر: التعليق المغني 4/ 283، وأشار إلي الحديث البيهقي في السنن الكبرى 9/ 278، وضعّفه.

(3)

في الأصل: المذكور.

ص: 981

أكبر، وكان ابن عمر يقوله (1)، ولا خلاف أن قول بسم اللَّه يجزئه، ولا تُسَنُّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح؛ لأنه لم يرد ولا يليق بالمقام كزيادة الرحمن الرحيم.

وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقينًا كذي الظفر، أي ليس بمفرج الأصابع من إبل ونعام وبط، أو ذبح ما يحرم عليه ظنًّا فكان كما ظنَّ أو لا، كحال الرِّئَةِ (2)، أو ذبح لعيده، أو لِتَقَرُّبٍ لشيءٍ يُعظمُه لم يحرم علينا إذا ذكر اسم اللَّه فقط نصًّا (3)؛ لأنه من جملة طعامهم فدخل في عموم الآية.

وإن ذبح الكتابي ما يحل له لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، ويحرم بولُ حيوانٍ طاهرٍ مأكول وكَرَوْثِهِ؛ لأنه رجيعٌ مُستخبثٌ، ويجوز التداوي ببول إبل

(1) لم أقف عليه مسندًا من قول ابن عمر رضي الله عنهما، وكان الأولى أن يستدل الشارح هنا بحديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين. . .) الحديث أخرجه مسلم برقم (1966) ففيه النص على التسمية. وقد سبق تخريجه ص 856.

(2)

وهو أن اليهود إذا وَجَدوا رئة المذبوح لاصقةً بالأضلاع امتنعوا من أكله زاعمين التحريم، ويسمونها اللازقة، وإن وجدوها غير لاصقة بالأضلاع أكلوها.

ينظر: شرح منتهى الإرادات 3/ 409.

(3)

المقنع والشرح الكبير والإنصاف 27/ 338، والمحرر 2/ 192، وكتاب الفروع 6/ 319، والمبدع 9/ 229، والإقناع 4/ 320، وغاية المنتهى 3/ 356، واختار شيخ الإسلام التحريم وهو رواية عن الإمام أحمد. ينظر: الاختيارات الفقهية ص 557.

ص: 982

للخبر (1)، وإسماعيل هو الذبيح عليه السلام (2).

(1) عن أنس رضي الله عنه (أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها. . .) الحديث أخرجه البخاري، باب استعمال إبل الصدقة، كتاب الزكاة برقم (1405)، ومسلم، باب حكم المحاربين والمرتدين، كتاب القسامة، برقم (3162).

(2)

ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 18 - 20 عند تفسير قوله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} الآية (107) من سورة الصافات، وينظر: فتح القدير للشوكاني 4/ 403 - 404.

ص: 983