الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه (1)، فإن صاح بمكلَّفٍ لم يَغْتَفِلُه فلا شيء عليه مات أو ذهب عقله.
(والخَطَأُ) ضربان:
-
ضرب منهما في القصد وهو نوعان: -
أحدهما: أن يرمي ما يظنه صيدًا فيقتل إنسانًا، أو يرمي من يظنه مباح الدم كمرتد فيبين ما ظنه صيدا آدميًّا معصومًا، أو يبين من ظنه مباح الدم معصومًا، أو يفعل ما له فعله كقطع لحم فيقتل إنسانًا، ففي ماله الكفارة، وعلى عاقلته الدية لما سبق.
النوع الثاني: أن يقتل بدار حرب من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا، أو يقتل بصف كفار من يظنه حربيًّا فيبين مسلمًا. قال الشيخ تقي الدين: "إن كان مقدورًا عليه
كأسير ومن لا يمكنه الخروج من صفهم، فإن وقف باختياره لم يضمن بحال" انتهى (2). أو يرمي كفارا تَتَرَّسُوْا بمسلم ويجب رميهم حيث خيف على المسلمين إن لم يرمهم (3) فيقصدهم بالرمي دون المسلم فيقتله ففيه الكفارة فقط، لقوله تعالى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (4)
(1) أخرجه البخاري، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد. .، كتاب الديات برقم (6910) صحيح البخاري 9/ 11، ومسلم، باب دية الجنين. .، كتاب القسامة برقم (1681) صحيح مسلم 3/ 1309 - 1310.
(2)
لم أقف عليه في كتبه المطبوعة، وينظر: الإنصاف 25/ 41، وشرح منتهى الإرادات 3/ 272.
(3)
في الأصل: ترمهم.
(4)
سورة النساء من الآية (92).
ولم يذكر الدية، وترك ذكرها في هذا النوع مع ذكرها فيما قبله وبعده ظاهر في عدم وجوبها فيه.
الضرب الثاني من ضربي الخطأ: خطأ في الفعل وهو (أن يفعل ما) أي شيء (له فعله كرمي صيد ونحوه) كهدف (فيصيب آدميا) معصوما لم يقصده، أو ينقلب وهو نائم أو مغمى عليه على إنسان فيموت فعليه الكفارة في ماله، وعلى عاقلته الدية كسائر أنواع الخطأ.
(وعمد صبي و) عمد (مجنون) للقتل (خطأ) أي كخطأ المكلف؛ لأنه لا قصد لهما بخلاف السكران اختيارا.
ومن قتل بسبب كحفر بئر ونصب سكين أو حجر ونحوه تعديا إن قصد جناية فشبه عمد؛ لأنه بالنظر إلى القصد كالعمد، وبالنظر إلى عدم المباشرة خطأ، وإلا يقصد جناية فهو خطأ لعدم قصد الجناية، وإمساك الحية محرم وجناية؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فلو قتلت ممسكها من مدعي المشيخة، ونحوه فهو قاتل نفسه، قلت: فعلى هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم ولا القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الصلاة على الشخص الذي قتل نفسه بمشاقص (1) كما رواه مسلم (2).
(1) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.
ينظر: معجم مقاييس اللغة 3/ 204، ولسان العرب 7/ 48.
(2)
من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: في باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، كتاب الجنائز برقم (978) صحيح مسلم 2/ 672، وأبو داود، باب الإمام يصلي على من قتل نفسه، كتاب الجنائز برقم (3185) سنن أبي داود 3/ 206، وابن ماجة، باب في الصلاة =
ومن أريد قتله قودًا ببينة بالقتل لا بإقراره فقال شخص: أنا القاتل لا هذا فلا قود على واحدٍ منهما، وعلى مُقِرٍّ الدية لقول علي:"أحيا نفسًا"(1) ولزوم الدية له لصحة بذلها منه، ولو أقر الثاني بعد إقرار الأول قتل الأول لعدم التهمة ومصادفته الدعوى.
(وَيُقْتَل عَدَدٌ) أي ما فوق الواحد (بوَاحِدٍ) قتلوه إن صح فعل كل للقتل به بأن كان فعل كل منهم لو انفرد لوجب به القصاص لإجماع الصحابة، فروى سعيد ابن المسيب عن عمر أنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا وقال:"لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا"(2)، وعن عليٍّ: "أنه قتل
= على أهل القبلة، كتاب الجنائز برقم (1526) سنن ابن ماجة 1/ 488، وأحمد برقم (20348) المسند 6/ 97.
(1)
لم أقف عليه مسندًا، وقال المرداوي:"ذكره الشيرازي في المنتخب". الإنصاف 25/ 137.
(2)
أخرجه الإمام مالك برقم (1623) الموطأ ص 582، والشافعي في المسند 2/ 101، وعبد الرزاق برقم (18075) المصنف 9/ 476، وابن أبي شيبة برقم (7743) الكتاب المصنف 9/ 347، والدارقطني في سننه 3/ 202، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 40 - 41، من طرق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب به. قال الألباني:"رجاله رجال الشيخين لكن سعيد بن المسيب في سماعه من عمر خلاف". الإرواء 7/ 259.
ومن طريق آخر عن نافع عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه (قتل سبعة من أهل صنعاء برجل) أخرجه ابن أبي شيبة برقم (7745) الكتاب المصنف 9/ 347، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 41، قال الحافظ ابن حجر:"هذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد". فتح الباري 12/ 227.
ثلاثةً قَتلوا رجلًا" (1) وعن ابن عباس: "أنه قتل جماعة قتلوا واحدًا" (2) ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا (3)، ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت على الجماعة كحد القذف، ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض.
وللولي أن يقتص من البعض ويعفو عن البعض، فيأخذ منه بنسبته [من الدية](4) وإلَّا (5) يصلح فعل كل واحد للقتل به ولا تواطؤ بأن ضربه كل منهم
(1) أخرجه ابن أبي شيبة برقم (7746) الكتاب المصنف 9/ 348، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 41، من طرق عن أبي اسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب قال:(خرج رجال في سفر فصحبهم رجل فقدموا وليس معهم فاتهمهم أهله، فقال شريح: شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلا حلفوا باللَّه ما قتلوه، فأتى بهم إلى علي وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا فأمر بهم فقتلوا) قال الألباني: "رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن وهب وهو الثوري الهمداني وهو مجهول الحال". الإرواء 7/ 261، وقال الحافظ ابن حجر:"مقبول". التقريب ص 242.
(2)
لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما روي بلفظ:(لو أن مائة قتلوا رجلا قتلوا به) أخرجه عبد الرزاق برقم (18082) المصنف 9/ 479، عن إبراهيم عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به. قال الألباني:"هذا إسناد واهٍ جدًا، إبراهيم هذا متروك". الإرواء 7/ 262.
(3)
ينظر: بدائع الصنائع 7/ 238 - 239، والبحر الرائق 8/ 327، والاستذكار 25/ 234 - 235، وبداية المجتهد 2/ 399، والتاج والإكليل 6/ 241 - 242، والإشراف 2/ 103، والإقناع لابن النذر 1/ 352 - 353، وروضة الطالبين 9/ 159، والإرشاد ص 452، والهداية 2/ 76، والإفصاح 2/ 191، والمغني 11/ 490.
(4)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 273.
(5)
في الأصل: ولا.
بحجر صغير حتى مات ولم يكونوا اتفقوا على ذلك فلا قصاص؛ لأنه لم (1) يحصل ما يوجبه من واحد منهم، (ومَعَ عَفْوٍ) عن قودٍ، (تَجِبُ دِيَةٌ واحِدة)؛ لأن القتل واحد فلا يلزمهم أكثر من ديته كما [لو](2) قتلوه خطأ.
وإن جرح واحد شخصًا جُرْحًا، وجرحه [آخر](3) مائة ومات، أو أوْضَحَه أحدهما، وشَجَّهُ الآخر أو أمَّه، أو جرحه أحدهما وأجَافَهُ (4) الآخر فهما سواء في القصاص أو الدية، لصلاحية فعل كل منهما للقتل لو انفرد، وإن فعل واحد مالا تبقى معه حياة عادة كقطع حُشْوَتِهِ أو مَرِيْئِهِ أو وَدَجَيْه ثم ذبحه آخر فالقاتل هو الأول لفعله ما لا تبقى معه حياة شيئًا من الزَّمان، ويعزر الثاني كما لو جنى على ميت.
وإن رماه الأول من شاهق فتلقاه الثاني بمُحَدَّدٍ فقده فهو القاتل؛ لأنه فوت حياته قبل أن يصير إلى حالة ييأس فيها من حياته، أشبه ما لو ألقى عليه صخرةً فأطار آخر رأسه قبل وقوعها عليه.
(ومَنْ أَكْرَهَ مُكلَّفًا على قَتْلِ) شخص (مُعَيَّنٍ) ففعل فعلى كل منهما القود، (أَوْ) أكرهه (على أَنْ يُكْرِهَ عليه) -أي على قتل شخصٍ مُعَيَّنٍ- (فَفَعَلَ) -أي أكره من قتله- (فعلى كُلٍّ) من الثلاثة (القَوَدُ أَوْ الدِّيةُ)، أما الآمر فلتسببه إلى
(1) في الأصل: لا.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 273.
(3)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 273.
(4)
الموضحة والجائفة يأتي بيانهما في فصل الشجاج -إن شاء اللَّه- ص 706، 708.
القتل بما يفضي إليه غالبًا كما لو أنهشه حيَّةً أو أسدًا أو رماه بسهم، وأما القاتل فلأنه غير مسلوب الاختيار؛ لأنه قصد استبقاء نفسه بقتل غيره ولا خلاف في أنه يأثم ولو كان مسلوب الاختيار لم يأثم كالمجنون.
وإن أكْرِهَ على قتل غير معين كأحد هذين فليس إكراهًا فيقتل القاتل وحده.
وإن قال قادر على ما هدد به: اقْتُلْ نَفسك وإلا قَتَلْتُكَ فهو إكراه على القتل فيُقْتَلُ به إن قتل نفسه كما لو أكرِهَ عليه غيره.
(وَإِنْ أمَرَهُ بِهِ) أي القتل (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لصغير أو مجنون فقتل لزم القصاص الآمر لما تقدم، (أَوْ) أمر به (مَنْ) -أي شخصًا مكلفا- (يَجْهَلُ تَحْرِيْمَهُ) كمن نشأ بغير دار الإسلام فقتل لزم الآمر القصاص أجنبيا كان المأمور أو عبدًا للآمر؛ لأن المأمور غير العالم بحظر القتل له شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيدا، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، وإذا لم يجب عليه القصاص وجب على الآمر.
(أو) أمر به (سُلْطَانٌ ظُلمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ فِيْهِ) أي في القتل (لَزِمَ) القصاصُ (الآمِرَ) لعذر المأمور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق، وإن علم الامور المكلف تحريمه لزمه القصاص لأنه غير معذور في فعله، لحديث:"لا طاعة لِمَخلُوقٍ في معصية الخَالقِ"(1) وحديث: "مَنْ أمَرَكم
(1) من حديث عليٍّ رضي الله عنه مرفوعًا: أخرجه الإمام أحمد برقم (1098) المسند 1/ 212، بهذا اللفظ، وبنحوه البخاري، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، كتاب =
من الوُلاة [بمعصية اللَّه](1) فلا تطيعوه" (2) وسواء كان الآمر السّلطان أو غيره.
ومن دفع لغير مكلف آلة قَتْلٍ كسيف وسكين ولم يأمر بقتل فقتل لم يلزم الدافع شيءٌ لأنه لم يأمر بالقتل ولم يباشره.
ومن قال لغيره: اقتلني ففعل فَهَدَرٌ، أو قال له: اجْرَحْنِيْ ففعل فَهَدَرٌ نصًّا (3) لإذنه في الجناية عليه فسقط [حقه](4) منها كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر، قلت: والظاهر أن عليه الكفارة؛ لأنه فعل ما لا يحل للآمر فعله، فسقط عنه القود لإذن المقتول في ذلك، وبقي حق اللَّه تعالى في ذلك وهو الكفارة والتوبة ولم أقف في ذلك على نص واللَّه أعلم.
= الأخبار برقم (7257) صحيح البخاري 9/ 72، ومسلم، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، كتاب الإمارة برقم (1840).
(1)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من كتب الحديث.
(2)
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: أخرجه ابن ماجة، باب لا طاعة في معصية اللَّه، كتاب الجهاد برقم (2863) سنن ابن ماجة 2/ 955 - 956، وأحمد برقم (11245) المسند 3/ 477، وابن حبان، باب طاعة الأئمة كتاب السير برقم (4558) الإحسان 10/ 421 - 422، والحديث حسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/ 142.
(3)
المحرر 2/ 125، وكتاب الفروع 5/ 633، والمبدع 8/ 258، والإنصاف 25/ 61، 62، والتنقيح ص 262، وغاية المنتهى 3/ 250.
(4)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 275.