الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
82 - كتاب القدر
1 - باب فِي الْقَدَرِ
6594 -
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنِى سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ
ــ
كتاب القدر
باب في القدر
قال ابن الأثير: -بفتح الدال وقد تسكن- ما قضاه الله من الأمور في الأزل، وقد فرق العلماء بين القضاء والقدر: بأن القضاء عبارة عن وجود الأشياء في علم الله مجملة، والقدر وجودها في أوقاتها المقدرة، ومذهب أهل الحق أن الأمور الكائنة مقدرة في علم الله، وأن الله يعلمها كما تقع في الأزل ونفاه القدرية.
قال النووي: لم يبق على هذا القول الباطل أحد من أهل القبلة، وهؤلاء يقولون: الخير من الله، والشر من العبد، وهم الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم:"إنهم مجوس هذه الأمة"، لقولهم بالخالقين كقول المجوس لخالق الخير بردان، ولخالق الشر أهرمن، وزعم هؤلاء أن القدرية هم الذين يثبتون القدر، فإن الفعل إنما ينسب إلى من أثبته لا إلى من نفاه. والحديث يرد مقالتهم.
فإن قلت: الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، فما معنى ما رواه مسلم:"إذا ذكر القدر فأمسكوا"؟ قلت: أراد سِرَّ القدر، فإنه مما استأثر الله به.
6594 -
(حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق) أي: الذي يصدق في حديثه، ويصدق
ــ
معه الآتي بالوحي من عند الله (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا).
فإن قلت: ما معنى الجمع في بطن أمه؟ قلت: روي عن ابن مسعود أن النطفة إذا وقعت في رحم المرأة وأراد أن يخلق منها خلق، صارت في أجزاء البدن تحت كل شعرة، وفي أربعين يومًا تستحيل دمًا، وتنزل إلى قعر الرحم، وهذا وإن لم يكن مرفوعًا فهو في حكمه؛ إذ لا مجال للعقل فيه.
(ثم يبعث [الله] ملكًا) أي: بعد أن يكون مضغة (فيؤمر بأربع كلمات) كما جاء في رواية كذلك، وفي بعضها "أربعة" أي: أحكام (برزقه وأجله وشقي أو سعيد).
فإن قلت: المجمل [أربع] والفصل ثلاث؟ قلت: أراد كل واحد من الشقي والسعيد على طريق البدل، وقد سبق في بدء الخلق:"وعمله" وعلى هذا فلا إشكال. وفي رواية ابن حبان في صحيحه خمس: "رزقه وأجله وعمله وأثره ومضجعه" يريد قبره، والسعيد والشقي دخلا في عمله، والأثر إما أن يراد منه ذريته، أو أوصافه من الكرم وغيره، قال ابن الأثير مآثر العرب: مكارمها. وفي بعض الروايات: "ذكر أو أنثى" والكل صحيح، ولا تنافي، زيادة الثقات مقبولة.
قال بعض الشارحين: والعلم بالذكورة والأنوثة يستلزم العلم بالعمل، لأن عمل الرجال يخالف عمل النساء وبالعكس، وهذا الذي قاله فاسد لا معنى له؛ وذلك أن النساء داخلة في أحكام الرجال وخطابهم. قال الله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وأما خواص النساء من الحيض والولادة ونحوها فلا لبس فيها.
(وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع) كناية عن غاية القرب باعتبار ما يظهر من الأعمال.
6595 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَىْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَىْ رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهَا قَالَ أَىْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الأَجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» . طرفه 318
ــ
6595 -
(وكل الله بالرحم ملكًا تقول: أي رب نطفة، أي رب علقة) يجوز فيه الرفع خبرًا لمبتدأ، والنصب على تقدير: جعلتها علقة، وكذا الحكم في أخواتها.
فإن قلت: ما فائدة هذا النداء وهذا الكلام مع أن علم علام الغيوب أشمل؟ قلت: هذا إظهار للعبودية، وإنه قائم بما أمر به لا يفتر عنه.
(فيكتب كذلك في بطن أمه) وقيل: يكتب على جبينه، وقيل: في بطن أمه في موضح الحال، أي: يكتب هذه الأشياء في ديوان الملك الموكل وهو في بطن أمه لم يلد بعد، وهذا الذي أشار بقوله: "
…
يسبق عليه الكتاب".
فإن قلت: ذكر هذه الأطوار في الآية الكريمة بأساليب مختلفة، ذكر بلفظ ثم في قوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} [المؤمنون: 12 - 14] ثم ذكر انتقاله من العلقة إلى المضغة بالفاء، وكذا انتقاله من المضغة إلى العظام، ثم انتقل إلى ثم في قوله:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14]، قلت: أجاب شيخنا بأن ذكر النطفة بثم بعد السلالة؛ لأن المراد منها خلق آدم، ومن النطفة خلق المولود. وأما ذكر العلقة بعد النطفة بثم فلأن النطفة قد لا تكون إنسانًا، وهذا -مع كونه ليس جوابًا للإشكال- منقوض بأن العلقة أيضًا قد لا تكون إنسانًا، ثم قال: وأما قوله {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فيدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه، وهذا أيضًا مما لا دلالة عليه من لفظ ثم، والحق أن ذكر العلقة بثم بعد النطفة فلأن النطفة تتفرق في البدن وتجتمع في الرحم في أربعين
…
ثم أشار بلفظ ثم، وأما قوله:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فلأنه إشارة إلى نفح الروح الذي هو أبدع من كل بديع، فثم للتراخي رتبة، إليه يشير كلام الكشاف.