الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نظام التحريم على سبيل التأقيت:
هذه الأقسام سالفة الذكر هي من قبيل المحرمات على سبيل التأييد وبصفة نهائية، ولكن هناك مجموعة من الأقسام يحرم على الإنسان الزواج منهن بصفة مؤقتة لأسباب معينة، ويسمح له بالزواج منهن إذا زالت هذه الأسباب وهن:
أ- زوجة غيره ومعتدته حتى لا تختلط الأنساب.
ب- الجمع بين محرمين: كالجمع في الزواج بين الزوجة وأختها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها أو عمتها أو خالتها..
ج- الجمع بين أكثر من أربعة زوجات.
د- المشركة أو الملحدة غير الكتابية التي لا تدين بدين سماوي أما المرأة التي تدين بالمسيحية أو اليهودية فهي تعبد الله وبالتالي يجوز للمسلم الزواج بها.
هـ- المطلقة ثلاثاً، يحرم زواجها من مطلقها ما لم تطلق من زوج آخر بعد زواج شرعي حقيقي بنية التأبيد.
وهذه الأقسام يحرم على الرجل الزواج منهن على سبيل التأقيت، ذلك لأنه يستطيع الزواج بإحداهن إذا زال سبب التحريم.
النظام الإسلامي في مواجهة الخلافات والمشكلات الأسرية:
أ- يحرص الإسلام على بناء الأسرة على أسس متينة تضمن لها البقاء والاستمرار والتماسك، غير أن الأمر لا يخلو من إمكانية حدوث خلافات وصراعات ومشكلات بين الزوج وزوجته. هنا يتدخل الإسلام بنظام فريد للمواجهة والعلاج بعد أن اتخذ مجموعة من الإجراءات الوقائية. فالإسلام يتخذ إجراءات وقائية Protective Procedures، تحول دون وقوع المشكلات أصلاً، لكن الله يعلم طباع البشر لأنه
سبحانه خالقها، ولهذا وضع مجموعة من الإجراءات الإرشادية Exten- Sion Procedures لإرشاد أعضاء الجماعة لمواجهة المشكلات قبل وعند ظهورها، ثم بعد هذا يتخذ مجموعة من الإجراءات العلاجية Curative Procedures.
ب- ويعلم سبحانه أن القلوب معرضة للتحول والاتجاهات تتغير، فقد يحل الشقاق محل التفاهم لأي سبب من الأسباب. وهنا يبدأ القرآن بالتحذير من الانقياد للنزعات الطارئة التي يمكن أن توجد الشقاق والخلاف. يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19] . وهنا يأمرنا الله سبحانه بعدم التضييق على الزوجة والتشدد في معاملتها بدون سبب معقول، وهو هنا يرشدنا إلى أن نزعات الكراهية قد تكون مؤقتة وطارئة، وقد يكره الإنسان شيئاً ولا يدري أن الله يجعل فيه خيراً كثيراً.
ج- وإذا كان القرآن الكريم يوجه النصح للرجال فإنه يرشد النساء إلى ضرورة التزام الصلاح والقنوت وطاعة الله فيما أمر بشأن حقوق الزوج وصيانتها وحفظها، وإطاعة أمر الزوج والاحتفاظ بالأسرار الزوجية والمنزلية، وهذا النوع من الزوجات ليس للأزواج عليهن سلطان {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] ، أما اللائي يخرجن عن حدودهن ولا يطعن الله ويخشى منهن النشوز فهنا يبدأ العلاج الاجتماعي والنفسي تجنباً لإمكانية تفكك الأسرة وانحلالها. وهناك خطوات قرآنية للعلاج تتمثل في المستويات التالية:
1-
النصح والإرشاد عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة.
2-
إذا لم يجد هذا العلاج الأول، يقوم الزوج بهجر زوجته في
المضجع، وفي هذا إيلام نفسي عنيف للزوجه يدركه النساء.
3-
فإذا لم يجد الهجر، يقوم الزوج بتأديبها بالإيلام الجسمي المادي عن طريق الضرب، وهذا هو آخر وسيلة يملكها الرجل لعلاج زوجته التي يخاف نشوزها وهو عقاب لا يلجأ إليه الزوج إلا عند الضرورة.
هذا العلاج القرآني الكريم يصلح لكل العصور ولا يتعارض مع كرامة المرأة، ويتفق مع الطبيعة النفسية للمرأة، يتفق في تدرجه مع درجة النشوز والانحراف، فإذا أجدى النصح اللفظي انتهى الأمر، فإذا لم يجد لجأ الزوج إلى الأسلوب الثاني، وهو لا يلجأ للأسلوب الثالث -الإيلام الجسمي- إلا عندما تفشل الوسائل السابقة. وحتى في عملية الضرب وضع الإسلام الحنيف لها شروطاً يجعل منها وسيلة للتأديب والعقاب وليس للانتقام أو الإيذاء العنيف.
هذا العلاج الذاتي الداخلي أجدى وأكرم من اللجوء -في كل صغيرة وكبيرة- إلى المحاكم وإذاعة الأسرار الأسرية مما يعقد المشكلة ويجعلها تستعصي على العلاج. يقول تعالى: {وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} [النساء: 34] .
د- يرشدنا القرآن إلى الأسلوب الأمثل في مواجهة إمكانية نشوز الزوجة، فإنه قد أرشد الزوجات إلى أمثل الأساليب لعلاج إمكانية نشوز الزوج. قال تعالى:{وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 128] . فالزوجة التي تلاحظ إعراض زوجها عنها أو تخاف نشوزه، عليها أن تعمل على إرضائه واستمالته إليها من خلال وسائل الترضية
المشروعة التي لا تمس ديناً ولا خلقاً. ومن خلال الكلام الطيب والابتسامة المشرقة وإرضاء مطالبه المشروعة. وما يهمنا هنا أن مواجهة الخلافات هنا تتم داخل الجماعة الداخلية In Group وهي جماعة الأسرة الصغيرة ذاتها طالما أن المشكلة لم تتجاوز مجرد الخوف من النشوز، وملاحظة الإعراض، فالزوجان هما المكلفان بحل المشكلات دون اللجوء للتحكيم الخارجي في أي شكل من الأشكال.
هـ- في حالة تفاقم الخلاف والصراع بين الزوجين، ولم يستطيعا بجهودهما الذاتية حل المشكلات الداخلية. يوجهنا الإسلام إلى ضبط النفس حتى لا يسرف أحد الطرفين في إيذاء الطرف الآخر -حفاظاً على حق العشرة السابقة- لعل الله يجعل بعد عسر يسراً. وهنا يبدأ دور الجماعة الإسلامية- متمثلة أولاً في أسرة الزوج والزوجة- فمن واجب المسلمين إصلاح ذات بينهم يقول تعالى:{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] . ويقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10] . وحفاظاً على تماسك الأسرة وهي الوحدة الأساسية للحياة الاجتماعية، وحماية لها من التفكك وما يترتب على التفكك كمشكلة من مشكلات مترتبة عليها كتشرد الأطفال وضياع مستقبلهم، أو الانحرافات الجنسية وتفكك الحياة والعلاقات بين الأسر، وإحلال علاقات الصراع بدلاً من التآخي والتعاون
…
إلخ، فإنه يجب على القادرين من المسلمين محاولة إصلاح ذات بين الزوجين من أجل إزالة أسباب الخلاف وإعادة العلاقات بينهما إلى ما كانت عليه. وهذه هي خطوة التحكيم. حرصاً من الإسلام على عدم إذاعة أسرار الأسرة ونشر أسباب الخلافات بين الناس، فإنه استوجب من الأقارب -أقارب الزوجة وأقارب الزوج- في شكل مجلس
عائلي صغير -محاولة الإصلاح والقيام بعملية التحكيم بين الزوجين- وهي إحدى العمليات الاجتماعية Social Processes14 في علم الاجتماع الحديث- يقول تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء: 35] .
ومن عظمة القرآن أنه جعل الخطاب هنا للمؤمنين جميعاً -لأن المجتمع الإسلامي هو مجتمع الحب والحرص على مصالح الآخرين والتعاون- ولما كان أمر التحكيم لا يمكن أن يقوم به جميع المسلمين، فإن بعض المفسرين ذهبَ إلى أنه موجه إلى من يمثل الأمة أو الحاكم -ومساعديه- ذلك أن الحاكم المسلم مكلف بملاحظة أحوال الناس والعناية بها ومحاولة إصلاحها. وذكر آخرون أنه خطاب عام يدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإذا استطاع الأقارب القيام بمهمة الإصلاح كان بها وإلا لكان الواجب إبلاغ الأمر إلى الحاكم15. وهنا المسئولية شركة بين جماعة المسلمين والحاكم، فالعضو في المجتمع الإسلامي مكلف بأن يلعب دورًا إيجابيًّا بناءً في حياة بقية الأعضاء، فهو إيجابي مشارك، وهذه هي ما يُطلق عليها المشتغلون بقضايا التنمية البشرية "المواطنة المشاركة" Participant Citizinship ولكن بالمفهوم الإسلامي البناء الذي ينبثق من عقيدة محددة. والله من وراء القصد دائمًا في عملية الإصلاح {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] ، وهذا توجيه إلهي كريم بضرورة إخلاص النية وتحري العدل والصبر في التحكيم من أجل الإصلاح، ويشير الله سبحانه وتعالى في نهاية الآية أن الله كان عليمًا خبيرًا فهو يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور، وفي هذا حفز ودفع للمحكمين إلى إخلاص النية والصدق في الإصلاح، والحفاظ على تماسك الأسرة وتجنب الانفصال. وهذه هي الوسيلة الرابعة في محاولات الإصلاح -وهي محاولة من الخارج بعد أن فشلت المحاولات الذاتية.