الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: النظام العائلي
الأسرة
الأسرة أهميتها ووظائفها
…
الفصل الثالث: النظام العائلي
الأسرة: أهميتها ووظائفها.
يهتم الإسلام بشكل ملحوظ ببناء الأسرة -أسلوب تكوينها والنظم المؤدية إليها، كالخطبة والزواج والعلاقات الأسرية وبيان حقوق الأبناء، وحقوق كل من الزوج والزوجة، وأساليب مواجهة المشكلات والخلافات الأسرية إن وجدت، وأسلوب إنهاء العلاقة الزوجية إن استحالت الحياة الأسرية المتكاملة، وبيان أساليب توزيع الميراث
…
- وذلك لأن الأسرة السوية الصحية هي أساس الحياة الاجتماعية السوية، وهي أساس المجتمع المتكامل، ولا يخفى أن المجتمع ليس إلا مجموعة من الأسر المتفاعلة فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، ولعل المشكلة الكبرى في المجتمعات المتقدمة صناعيًّا وتكنولوجيًا تتمثل في تفكك الأسر وتسيب العلاقات داخلها، وهذا هو ما دعا المصلحين إلى التركيز على ضرورة الحرص على بناء الأسرة على دعائم قوية، وتتضح هذه الدعائم بشكل واضح ومعجز في التنظيم الإسلامي للأسرة.
والسبيل الأول لتكوين الأسرة هو نظام الزواج، والواقع أن كل الأديان قدَّمت تصورات لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل يخضع لضوابط وتنظيمات دقيقة، وبشكل ينظم الفطرة التي أودعها الله في الإنسان كما أودعها في الحيوان، تنظيماً يرتفع بالإنسان -الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه وأهله للخلافة عنه سبحانه- عن مستوى الفطرة الحيوانية. وإذا كان الإنسان مطبوعاً على حب البقاء، وإذا كان لا سبيل إلى بقائه بذاته -لأن كل نفس ذائقة الموت- فإن سبيله، للبقاء هو النسل المعروف نسبته
للشخص، يراه امتدادًا في بقائه واستمرارًا لذكراه وخلودًا لحياته. والسبيل إلى ذلك هو نظام الزواج. يقول تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72] . وتشير هذه الآية الكريمة أن حاجتنا إلى الأزواج وثمرة الأزواج وتنظيم الزواج ليست أقلّ من حاجتنا إلى حفظ حياتنا والتمتع بلذائذ الحياة وطيبات الرزق التي تحفظ كياننا وتقينا التعرض للضعف والانحلال.
والزواج هو السبيل لتكوين الأسرة التي تحقق للإنسان إشباع فطرته وإشباع حاجاته البيولوجية والنفسية حيث يجد كل من الزوجين الشريك الذي يحقق له السكن والرحمة والمودة والراحة. يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] . هذه الإشباعات المتعددة التي يحققها الزواج المشروع حب البقاء والمودة والسكن والرحمة، هو ما يَطلق عليها القرآن الكريم قرة العين التي أطلق الله لسان عباده المقربين بدعائهم إياه بها {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] . ومحبة الولد حاجة ماسة عن كل إنسان سوي، كما يتضح في دعاء زكريا عليه السلام بعد أن بلغ من العمر الشيخوخة قال:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 4-6] .
وإلي جانب تنظيم الفطرة وإشباع الإنسان إلى البقاء من خلال النسل، فإن نظام الزواج يهيئ للإنسان جوَّ الشعور بالمسئولية ويكون للإنسان تدريبًا عمليًّا على تحمل المسئولية والقيام بأعبائها. فالإنسان -ذلك الكائن السامي الذي استحق تكريم الله سبحانه- لم يُخلق للاستمتاع بالأكل والشرب واللذات الحسية فحسب ثم يموت كم تموت الأنعام، وإنما خلق ليعبد الله وليفكر ويقدر ويعمر الكون ويدبر ويدير المصالح
وينفع غيره وينتفع
…
فهو كائن مسئول مكلف، ولا بد من بيئة تحضيرية يكون للإنسان فيها هيمنة له عليها قوامة، وله بها رباط لا يستطيع بمقتضى الشعور بهذا الرباط أن يتحلل منه، وأن يلقي به عن عاتقه. هذه البيئة هي التدريب العلمي على تحمل المسئولية، وذلك الرباط -الذي هو بمثابة المدرسة الأساسية للمسئولية- هو رباط الزواج. ولعل أقرب ما يوحى بهذا المعنى من كلام الله قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [أول سورة النساء] . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] .
ويعدّ الزواج في نظر الإسلام عقداً -ولكنه عقد أطلق عليه الميثاق لأهميته وما يترتب عليه من علاقات هي أساس تكوين أسرة وإنجاب أبناء وترتيبهم وميراث
…
إلخ- ويتم الزواج بتوافر الإيجاب والقبول مع توافر الشهود، لأن الإيجاب والقبول يعني موافقة الرجل والمرأة بإرادتهما الحرة، مع ضرورة توافر الشهود. ولا يشترط في عقد الزواج أن يتم على يد أحد رجال الدين، كما لا يشترط أن يتم بمكان معين -كما هو الحال في المسيحية التي تستوجب إتمام عقد الزواج في الكنيسة على يد القسيس -ولا يعد العقد كاملًا وملزماً إلا إذا ما توفرت له الشروط الإسلامية كالشهود، وعدم كون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤبداً أو مؤقتاً. وقد حدد التشريع الإسلامي أنواع المحرمات من النساء على وجه التأبيد، كالمحرمات عن طريق القرابة أو المصاهرة أو الرضاعة، بالإضافة إلى بعض المحرمات على وجه التأقيت، وهؤلاء يزول تحريمهن إذا زال السبب الذي أدى إلى التحريم كالجمع بين محرمين أو معتدة الغير أو المرأة التي لا تدين بدين سماوي2.
ومن شدة اهتمام الإسلام بالزواج جعله ميثاقاً يجب على الإنسان أن