الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعارف والمبادئ والتشريعات التي يشتمل عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة. والإنسان يتعلم خلال هذه المرحلة العلاقة الواجبة بين العبد وربه وأثر العبودية في تزايد عزة الفرد وكرامته وعلى كل المستويات، ذلك على المستوى الفردي، ويدرس آثار الإيمان الإيجابية على المجتمعات وآثار الكفر السلبية عليها والتفسير القرآني الصادق الموضوعي للكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، وأساليب التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي لمجتمع الإنسان، هذا إلى جانب دراسة أعمق للعبادات والتفقه في أمور الدين.
الميدان الرابع تعليم الحكمة
…
تعليم الحكمة -الميدان الرابع:
ويحتاج الإنسان ليمارس حياته بشكل يحقق العزة أن يكون على علم بمبادئ دينه، وأن يتزود بالمهارات الفكرية والعملية. وقد جاء لفظ الحكمة في القرآن الكريم بعدة معان أهمها:
- الحكمة بمعنى الإتقان: يقول تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] .
- الحكمة بمعنى العبرة: قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 4، 5] .
- الحكمة بمعنى الحلول الفاصلة الملائمة؛ قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 63، 64] .
- الحكمة بمعنى القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب؛ أو بين الطريق المستقيم والطريق المعوج، أو بين الأمور النافعة والضارة، يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ
وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 268-269] . وقال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء: 113] .
- الحكمة بمعنى الفهم والمعرفة؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] .
- الحكمة بمعنى الرأي وحسن التبصُّرِ في الأمور؛ فضمن الأمور التي يستحق الرجل من أجلها الحسد -كما يخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام: "رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" رواه البخاري -كتاب الاعتصام.
-الحكمة بمعني حسن التقدير والإدارة والتصرف؛ يقول تعالى مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .
ويذهب مقاتل بن سليمان أشهر مفسري التابعين أن تفسير الحكمة في القرآن الكريم جاء على أربعة أوجه:
1-
مواعظ القرآن الكريم.
2-
الحكمة بمعنى الفهم والعلم.
3-
الحكمة بمعنى النبوة.
4-
القرآن الكريم نفسه بما فيه من عجائب وأسرار.
أما فخر الدين الرازي فيشير في "مفاتيح الغيب" أن الحكمة لا تخرج عن معنيين هما:
أ- العلم.
ب- فعل الصواب.
وأنها تنقسم إلى قسمين: حكمة نظرية، وحكمة عملية، ولا بد من تكاملها في الإنسان الفاضل والسلوك الكامل، فقوله تعالى:{رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] ، فالشق الأول يشير إلى الحكمة النظرية، أما الشق الثاني، فإنه يشير إلى الحكمة العملية، وفي اللغة: الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.
وتخلص مما سبق إلى أن الحكمة هي نفاذ البصيرة في السنن الكونية والاجتماعية والإنسانية والتاريخية وإتقان العمل والتصريف دون تصادم مع هذه السنن، وفي ضوء ظروف العصر المتغيرة، فالحكمة لدى الفقيه تعني القدرة على استنباط التشريعات والأحكام اللازمة في مختلف ميادين الحياة، وهي لدى القائد فهم معنى الجهاد والوقوف على منطلقاته وأهدافه وتنظيماته وحسن التعامل بذلك كله حسب المواقف المتغيرة، وهي لدى المربي المسلم فهم منطلقات التربية الإسلامية وأهدافها وأسسها ووسائلها، وهي لدى الإداري حسن تصريف الأمور، وهي لدى السياسي حسن التخطيط والتنفيذ في الداخل والخارج. وهذا هو ما يقرره فخر الدين الرازي في كتابه "مفاتيح الغيب"، حيث ذهب إلى أن "الحكمة هي اسم لكل عمل حسن وعمل صالح، وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالًا من العلم".
وانطلاقا من هذا الفهم لمعاني الحكمة فإن ترجمتها التربوية تتمثل في محاولة فهم قدرات الفرد واستعدادته وميوله "الاجتماعية والتعليمية والمهنية" من أجل القيام بمختلف عمليات التوجيه "النفسي والتعليمي
والمهني
…
، ومن أجل تحديد الدور الاجتماعي Social Role الذي يمكن أن يقوم به الفرد مستقبلًا، ثم يتم تدريبه على ممارسة هذا الدور بشكل يمكنه من إتقانه وحسن إنجازه. ولقد كان لنا في رسولنا الكريم أسوة حسنة حيث جمع معاني الحكمة في المعاني التي سبق أن أشرنا إليها، وكان عليه السلام يعالج الأفراد والجماعات والمواقف المتغيرة بالحكمة المثلى، وكان صلي الله عليه وسلم يتعرف على قدرات أصحابه واستعداداتهم ثم يوزع العمل والمهام والأدوار بينهم بما يتفق مع قدرات واستعدادات كل صحابي جليل، فوجه مجموعة للتخصص في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، ومجموعة أخرى للتخصص في الفنون الحربية، ومجموعة ثالثة للولاية والجباية
…
، وكان عليه السلام يرى أن الحكمة ضالة المؤمن وحيث وجدها فهو أحق بها، ومن مظاهر الحكمة الانفتاح على ما عند المجتمعات الأخرى من تنظيمات ووسائل، وأخذ ما يتناسب مع العقيدة الإسلامية وما يفيد المسلمين، وترك كل ما يتعارض مع العقيدة.
وإذا ما تأملنا قليلا في التعبيرات الثلاثة الواردة في الآية السابقة وهي:
1-
يتلو عليهم آياته.
2-
ويزكيهم.
3-
ويعلمهم الكتاب والحكمة.
نجد أنها تتضمن جانبي العقل والنقل، أو جانبي الغيب الذي لا يناقش، وإنما هو محل للإيمان المطلق لأن العقل البشري قاصر عن فهمه قال تعالى:{الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 1-3] . وهنا يكتفي بتلاوة الآيات من المتعلم أو متلقي التربية، وهذا هو الجانب الأول متمثلًا في الإيمان بالغيب بناء على آيات الله البينات دون محاولة للتقصي والخوض فيما لا يمكن لعقل الإنسان فهمه.
أما الجانب الثاني فهو الذي يتمثل في تعبير "يزكيهم" و"يعلمهم" فكلاهما يشير إلى عملية تتعلق ببناء السلوك وتشكيله وتغيره، وتفسح المجال أمام العقل والملاحظة والتجريب.