الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شاء أعطاهم وإن شاء حرمهم. أما الشريعة الإسلامية فإنها وقفت موقفًا متوازنًا عادلًا ملزمًا. فقد سلبت من المورث الإرادة في الثلثين، وتركت له حرية التصرف في الثلث فقط. وقد وزعت الثروة طبقًا لمعايير عادلة وهي درجة القرابة ودرجة الحاجة، وجعلت هذا التوزيع ملزمًا بنص القرآن الكريم حتى تصد الأبواب في مواجهة محاولات التحايل إلى جانب أن قضية الميراث تقع في صلب البناء العقدي الذي يلتزم به المسلم بشكل كامل لأنه أمر من الله سبحانه.
نظام المعاملات المالية في الإسلام
مدخل
…
نظام المعاملات المالية في الإسلام:
يتضمن النظام الاقتصادي الإسلامي من النظم الفرعية Sub- inistitutions التي يتألف منها النظام العام مثل نظام الملكية ونظام الزكاة ونظام المعاملات المالية ونظام الإنتاج المشروع، وحقوق الدولة في التدخل في حالات محددة
…
وقد تضمنت الشريعة الإسلامية نظامًا متكاملًا للمعاملات والمبادلات المالية مثل: أحكام البيع والإجارة وبيان ما يجوز بيعه وإجارته وما لا يجوز، وطرق استثمار الأموال والمضاربة والشركة وأحكام الأمانات وطرق الاستيثاق في الديون وعلاقة العمل بين صاحب العمل والعمال
…
إلخ، وغير ذلك من العلاقات الاقتصادية التي تحتاج إلى ضبط وتنظيم حفاظًا على الحقوق والمصالح وتحقيقًا للعدل وتجنبًا للظلم والصراعات الاجتماعية والاقتصادية التي تمزق المجتمع وتفكك الجماعات32.
والأساس الإسلامي الأول في المعاملات المالية بين الناس، الارتباط بالالتزام والوفاء بالحقوق وعدم أكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، ويقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29] . وفي طرق الاستيثاق يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] وتوجهنا الشريعة إلى إقرار الرهن والإشهاد على المبايعات يقول تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، ويقول تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] .
واهتمت الشريعة بالجانب المادي للإنسان وأساسه المعاملات إلى جانب اهتمامها بالجانب الروحي وأساسه العبادات. وقد حثت الشريعة على البيع والشراء ورغبت فيهما تحصيلا للرزق ووضعت آدابا حتمت رعايتها والالتزام بها من أجل قضاء المصالح وتوفير الحاجات بشكل يخلو من الغش والخديعة والتضليل، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يبيع الطعام فأعجبه ظاهره فأدخل يده فيه فوجد به بللا فقال عليه السلام:"ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء -يريد أن المطر نزل عليه- فقال عليه السلام: "فهلا أبقيته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش -وفي رواية- من غشنا، فليس منا" وهكذا يحكم النبي عليه الصلاة والسلام بأن من غش في الطعام -وهو من أبسط أنواع الغش- يخرج من جماعة المؤمنين، ذلك لأن الإيمان يقتضي الصدق ولا يتفق مع الكذب. وإذا كان الغش هو تقديم الباطل في ثوب الحق، فإن الغش منهي عنه في الرأي والعمل والفتوى والتوجيه والوظيفة والبيع والشراء. وقد أرسل الله سبحانه شعيبا عليه السلام يدعو الناس إلى التوحيد وتحذيرهم من نقص الكيل والميزان معتبرا لك إفساد في الأرض بعد إصلاحها، قال تعالى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] . ويستهدف التوجيه القرآني الكريم تربية الإنسان على عدم الإضرار بالآخرين واحترامهم والقضاء على أخلاقيات الغش والخديعة والظلم وهو ما أسماه الإفساد في الأرض.
نظام المعاملات الربوية وموقف الإسلام منها:
يمكن القطع بأن الإسلام يحرم الربا بنص القرآن الكريم، وقد اتخذ في تحريمه أسلوبًا متدرجًا مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة، وحتى يمكن استئصال كل المعاملات الربوية التي سادت الجاهلية بشكل كلي وجذري. وقد استخدم القرآن الكريم في تحريم الربا نفس الأسلوب المتدرج الذي اعتمد عليه في تحريم الخمر. وعلى الرغم من الاتفاق على تحريم الربا، إلا أن الخلاف قائم في تحدي المقصود بالربا -وسوف لا ندخل هنا في بيان أوجه الخلاف حول تحديد الربا مكتفين ببيان أسلوب القرآن التدريجي في تحريمه نهائيًّا- والربا في اللغة يشمل كل زيادة، ولكن لا يمكن أن تكون كل زيادة ربا، لأن البيع يشتمل على الزيادة وهو مباح لقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، وقد حرمت النصوص القرآنية الربا دون بيان المراد منه، ذلك لأنه كان معروفًا على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن الربا المحرم هو نظام الربا الذي ساد الجاهلية والمتعارف بين الناس في ذلك الحين. وقد نزلت في الربا أربع آيات، واحدة في مكة وثلاث في المدينة مما يؤكد حرص القرآن الكريم على تحريم هذه المعاملة الكريهة التي تتضمن الظلم والاستغلال البشع الكريه الذي تشمئز منه النفس الإنسانية.
وتبين الآية الأولى أن الربا أمر منفر وغير مرغوب فيه، كما تدعو إلى دفع الزكاة التي تتضاعف عند الله سبحانه، لكنها لم تذكر التحريم، قال تعالى:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] ، ثم جاءت الآية الثانية تذم اليهود لأنهم يأكلون الربا وقد نهوا عنه، ولأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل. وعلى الرغم من عدم ورود نص قاطع في تحريم الربا حتى هذه المرحلة إلا أن سياق النص القرآني الكريم يؤكد كراهية التعامل بالربا، ويهيئ الأذهان والنفوس لتحريم الربا تحريمًا قطعيًّا، قال