المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فائدة: يوصف الله بالعلو، والعظمة، لا بالأماكن، والجهات، والحدود؛ لأنها - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ١٠

[محمد علي طه الدرة]

فهرس الكتاب

- ‌سورة التّحريم

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الملك

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القلم

- ‌فائدة:

- ‌سورة الحاقّة

- ‌خاتمة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الجنّ

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المزّمّل

- ‌سورة المدّثر

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الإنسان

- ‌فائدة:

- ‌سورة المرسلات

- ‌سورة النّبإ

- ‌سورة النّازعات

- ‌فائدة:

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التّكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطفّفين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البروج

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة الطّارق

- ‌تنبيه: بل خاتمة:

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌فائدة:

- ‌سورة البلد

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الشمس

- ‌تنبيه، وخاتمة:

- ‌سورة الليل

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الضّحى

- ‌سورة الشرح

- ‌سورة التّين

- ‌فائدة:

- ‌سورة العلق

- ‌الشرح

- ‌خاتمة:

- ‌سورة القدر

- ‌سورة البيّنة

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة الكافرون

- ‌فائدة:

- ‌سورة النّصر

- ‌سورة المسد

- ‌‌‌فائدةبل طرفة:

- ‌فائدة

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة النّاس

- ‌خاتمة

- ‌ترجمة موجزة للشيخ المفسر النحويمحمد علي طه الدرة رحمه الله تعالى1340 -1428 هـ-1923 - 2007 م

- ‌حليته وشمائله:

- ‌مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة:

الفصل: ‌ ‌فائدة: يوصف الله بالعلو، والعظمة، لا بالأماكن، والجهات، والحدود؛ لأنها

‌فائدة:

يوصف الله بالعلو، والعظمة، لا بالأماكن، والجهات، والحدود؛ لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأنها مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه، وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء، والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة؛ وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان، والزمان، ولا مكان له، ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان. انتهى. قرطبي.

الإعراب: {أَأَمِنْتُمْ:} (الهمزة): حرف استفهام مفيد للوعيد، والتهديد. (أمنتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي السَّماءِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. التقدير: ثبت، واستقر سلطانه، وقدرته

إلخ. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يَخْسِفَ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل يعود إلى {مَنْ،} والمصدر المؤول في محل نصب بدل من {مَنْ} بدل اشتمال. {بِكُمُ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {الْأَرْضَ:} مفعول به. {فَإِذا:} (الفاء):

حرف عطف، وتعقيب. وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها. واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى:{ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} . وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا.

(إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك. ويرجحه:(خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو:(خرجت فإذا زيد جالس) والمقدر في نحو: (فإذا الأسد). أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر. ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.

وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، فهي هنا متعلقة بالفعل {تَمُورُ}. {هِيَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {تَمُورُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {هِيَ} العائد بدوره إلى الأرض. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{هِيَ تَمُورُ} معطوفة على ما قبلها.

ص: 53

{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)}

الشرح: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ:} هو مثل الآية السابقة بلا فارق. {أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً} أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة، وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. {فَسَتَعْلَمُونَ:} عند معاينة العذاب، أو عند الموت. {كَيْفَ نَذِيرِ} أي: إذا رأيتم ذلك؛ علمتم كيف نتيجة إنذاري حين لا ينفعكم العلم به.

وقيل: النذير بمعنى المنذر، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، فستعلمون صدقه، وعاقبة تكذيبكم. وخذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [68]:{أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً} انظر شرحها هناك.

الإعراب: {أَمْ:} حرف عطف، بمعنى:«بل» الانتقالية. وقيل: للإضراب. {أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً:} إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق. {فَسَتَعْلَمُونَ:} (الفاء): حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له قطعا. السين: حرف تنفيس، واستقبال (تعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. {نَذِيرِ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:{كَيْفَ نَذِيرِ} في محل نصب سدت مسد مفعول تعلمون، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (18)}

الشرح: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:} من قبل أهل مكة، والمراد: كفار الأمم الماضية قبلهم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وأصحاب الرسّ، وقوم فرعون.

{فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} أي: فكيف كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول، والفظاعة؟! وفيه تهديد، ووعيد لكفار قريش، وتسلية لسيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: واو القسم، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {كَذَّبَ:} فعل ماضي. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. وانظر الآية رقم [5] ففيها الكفاية. {مِنْ قَبْلِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة. {فَكَيْفَ:} (الفاء):

هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [15]. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر

ص: 54

{كانَ} تقدم عليها، وعلى اسمها. {كانَ} فعل ماض ناقص. {نَكِيرِ:} اسم {كانَ} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء، والقسم وجوابه:{وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} كلام مستأنف، لا محل له.

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)}

الشرح: {أَوَلَمْ يَرَوْا} أي: أهل مكة، وغيرهم. {إِلَى الطَّيْرِ:} هو اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ} وطائر الإنسان: عمله الذي قلده، قال تعالى:{وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} والطير أيضا اسم من التطير، ومنه قولهم:(لا طير إلاّ طير الله) كما يقال: (لا أمر إلا أمر الله).

{فَوْقَهُمْ صافّاتٍ:} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها؛ صففن قوائمهن صفا، والمعنى: كما ذلل الأرض للآدمي؛ ذلل الهواء للطيور.

{وَيَقْبِضْنَ} أي: يضممن أجنحتهن إذا ضربن بهن جنوبهن بعد البسط. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبه: قابض؛ لأنه يقبضهما. قال أبو خراش: [الطويل]

يبادر جنح اللّيل فهو موائل

يحثّ الجناح بالتّبسّط والقبض

وقيل: ويقبضن أجنحتها بعد بسطها؛ إذا وقفن من الطيران. {ما يُمْسِكُهُنَّ:} ما يمسك الطير حال القبض، والبسط، وهي تطير في الجو إلا الله عز وجل. والمعنى: أن الطير مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها، وثبوتها في الهواء إلا بإمساك الله عز وجل إياها، وحفظه لها.

هذا؛ و (يقبضن) معطوف على اسم الفاعل: {صافّاتٍ} حملا على المعنى، أي: يصففن، ويقبضن. أو صافات، وقابضات، واختيار هذا التركيب باعتبار: أن أصل الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء، كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة مد الأطراف، وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط، للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارئ بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة، بعد تارة كما يكون من السابح. انتهى. نسفي.

ص: 55

تنبيه: قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه، ويجوز أيضا عكس هذا، وهو أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم، فمن الأول قوله تعالى في سورة (العاديات):{فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} . وجعل منه قوله تعالى في سورة (الحديد) رقم [18]: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً} ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل]

فألفيته يوما يبير عدوّه

ومجر عطاء يستحقّ المعابرا

ف: «مجر» معطوف على جملة «يبير» الواقعة صفة: «يوما» ؛ إذ التقدير: فألفيته مبيرا، ومجريا. وقد حذف ياء المنقوص في حالة النصب، كحذفها في حالتي الجر، والرفع، وأيضا قول الشاعر:[الرجز]

بات يعشّيها بعضب باتر

يقصد في أسوقها وجائر

إذ التقدير: بعضب باتر قاصد وجائر. ولم يذكر ابن عقيل الآية التي نحن بصدد شرحها، ويشبهها قوله تعالى في سورة (ص):{إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} وقول ابن عقيل المتقدم، إنما هو شرح قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز]

واعطف على اسم شبه فعل فعلا

وعكسا استعمل تجده سهلا

الإعراب: {أَوَلَمْ:} (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الواو): حرف استئناف، ويقال: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِلَى الطَّيْرِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. {فَوْقَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الطير، أو هو متعلق ب:{صافّاتٍ،} و (الهاء) في محل جر بالإضافة. {صافّاتٍ:} حال ثانية من (الطير) منصوب، وعلامة نصبة الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.

{وَيَقْبِضْنَ:} الواو: حرف عطف. (يقبضن): فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والمفعول محذوف. والجملة الفعلية في محل نصب معطوفة على {صافّاتٍ،} والكلام:

{أَوَلَمْ يَرَوْا..} . إلخ مستأنف، لا محل له.

{ما:} نافية. {يُمْسِكُهُنَّ:} فعل مضارع مرفوع، و (الهاء) مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. {الرَّحْمنُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أخرى من {الطَّيْرِ} أو نون النسوة، فتكون حالا متداخلة. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، و (الهاء) اسمه. {بِكُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (كل) مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {بَصِيرٌ:} خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.

ص: 56

{أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (20)}

الشرح: {أَمَّنْ..} . إلخ أي: من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم عذاب الله من الأنصار، والأعوان؟!، قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أي: من ينصركم مني إن أردت عذابكم؟! والخطاب لأهل مكة، ويعم كل مخاطب عاص مخالف لأوامر الله تعالى إلى يوم القيامة. قال تعالى في حق قارون؛ الذي خسف به، وبداره الأرض:{فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ} رقم [81] من سورة (القصص). {إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ} أي: ما الكافرون في اعتقادهم: أن آلهتهم تنفع، أو تضر إلا في جهل عظيم، وضلال مبين؛ حيث ظنوا الأوهام حقائق، فاعتزوا بالأوثان، والأصنام من دون الله، عز وجل.

هذا؛ وعند التأمل يظهر لك كثرة الالتفات في هذه الآيات، وذلك من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، ثم إلى الغيبة بقوله:{إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ} ثم إلى الخطاب بقوله: {يَرْزُقُكُمْ} ثم إلى الغيبة بقوله: {بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . وللالتفات فوائد كثيرة:

منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عند الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائد العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع. ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة.

الإعراب: {أَمَّنْ:} (أم): حرف عطف بمعنى: «بل» . (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {هذَا:} (الهاء): حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم الإشارة، والجملة الاسمية:{هُوَ جُنْدٌ} صلة الموصول، لا محل لها. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة {جُنْدٌ} . {يَنْصُرُكُمْ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {جُنْدٌ،} والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:{جُنْدٌ،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور. {مِنْ دُونِ:} متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له.

و {دُونِ:} مضاف، و {الرَّحْمنِ:} مضاف إليه. {إِنِ:} حرف نفي بمعنى: «ما» . {الْكافِرُونَ:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة

إلخ. {إِلاّ:} حرف حصر. {فِي غُرُورٍ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها وهي معترضة بين المتعاطفين.

{أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)}

الشرح: {أَمَّنْ هذَا الَّذِي..} . إلخ: المعنى: أم من يشار إليه، ويقال: هذا الذي يرزقكم، إن أمسك الله رزقه بحبس المطر، ومنع منافع الدنيا؟ بل لو كان الرزق موجودا كثيرا سهل التناول،

ص: 57

فوضع الآكل لقمة في فيه، فأمسك الله عنه قوة الازدراد؛ لعجز أهل السموات، والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. وقل مثله في الماء. روي: أن هارون الرشيد طلب ماء ليشربه، فجيء له بقدح فيه ماء، فوضعه على فيه. فقال له عالم جليل: أسألك يا أمير المؤمنين بحرمة جدك العباس: لو منعت قدح الماء فبكم تشتريه؟ قال: بملكي كله، فقال العالم الجليل: تبا لملك لا يساوي قدح ماء. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم: أنهم يحافظون من النوائب، ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر، والرازق.

{بَلْ لَجُّوا} تمادوا، وأصروا. {فِي عُتُوٍّ:} في طغيان، وعناد، وتكبر. {وَنُفُورٍ:} تباعد عن الحق، وعدم انصياع له؛ لثقله عليهم، فلم يتبعوه، ولم يقبلوه، ولم يسمعوه سماع قبول.

تنبيه: قال المفسرون: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بأموالهم، وعددهم، والثاني: اعتقادهم: أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات، فأبطل الله عليهم الأول بقوله:{أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ..} .

إلخ. ورد عليهم الثاني بقوله: {أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ..} . إلخ انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.

الإعراب: {أَمَّنْ هذَا الَّذِي:} إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. {يَرْزُقُكُمْ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن «رزق» بمعنى: أعطى، ومنح، فهو ينصب مفعولين، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والكلام:{أَمَّنْ هذَا..} . إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، الأول بالاستئناف، والثاني بالإتباع. {إِنْ:} حرف شرط جازم {أَمْسَكَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى. {رِزْقَهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. {بَلْ:} حرف عطف، وانتقال. {لَجُّوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {فِي عُتُوٍّ:} متعلقان بما قبلهما. {وَنُفُورٍ:} الواو:

حرف عطف. (نفور): معطوف على ما قبله.

{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)}

الشرح: ضرب الله في هذه الآية مثلا للمؤمن، والكافر، فالكافر مثله فيما هو من الضلالة كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي: منحنيا لا مستويا، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب؟ فهو تائه حائر ضال، والمؤمن يمشي منتصب القامة، على طريق واضح بين، أيهما أهدى سبيلا أهذا أم ذاك؟ انتهى. مختصر ابن كثير. ثم قال: هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك

ص: 58

يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم. انتهى. هذا؛ وخذ قوله عز وجل في سورة (الإسراء) رقم [72]:{وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً،} وقوله فيها أيضا رقم [97]: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا،} وقوله في سورة (الفرقان) رقم [34]: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} انظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

هذا؛ و {مُكِبًّا} اسم فاعل من: أكب الرباعي، وهو لازم بينما يكون متعديا من الثلاثي، قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [356] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]

لها متنتان خظاتا كما

أكبّ على ساعديه النّمر

وهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب زيد عمرا، وخرج، وأخرج. ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث معاذ بن جبل-رضي الله عنه-الطويل، وهو مشهور:«وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» . وقد أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم:«من ولي أمة من أمّتي، قلّت، أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار» . رواه الطبراني، والحاكم عن معقل بن يسار-رضي الله عنه.

{عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:} على طريق ثابت، والصراط: الطريق، وهو يستعار للدين القويم، كما في صدر سورة (يس)، وكما في سورة (الفاتحة) وسمي الدين: طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر ويؤنث، والأول أكثر. هذا؛ وأصل {مُسْتَقِيمٍ:} مستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار {مُسْتَقِيمٍ} . بعد هذا لا تنس الاستعارة التمثيلية في الآية الكريمة؛ حيث يمشي المؤمن في حياته وبعد مماته على صراط مستقيم، والكافر يمشي ويتعثر في الدنيا، وفي الآخرة يسحب على وجهه إلى طريق الجحيم، ما أحسنها، وما أروعها من استعارة!

حيث شبه المؤمن في تمسكه بالدين الحق، ومشيه على منهاجه بمن يمشي في الطريق المعتدل، الذي ليس فيه ما يتعثر به، وشبه الكافر في ركوبه، ومشيه على الدين الباطل بمن يمشي في الطريق، الذي فيه حفر، وارتفاع، وانخفاض، فيتعثر، ويسقط على وجهه، كلما تخلص من عثرة؛ وقع في أخرى، فالمذكور في الآية هو المشبه به، والمشبه محذوف، لدلالة السياق عليه.

ص: 59

الإعراب: {أَفَمَنْ:} (الهمزة): حرف استفهام توبيخي. (الفاء): حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَمْشِي:}

فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {مُكِبًّا:} حال من الفاعل المستتر. {عَلى وَجْهِهِ:} متعلقان ب: {مُكِبًّا،} والهاء في محل جر بالإضافة. {أَهْدى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. {أَمَّنْ:} (أم): حرف عطف. (من): مبتدأ، وجملة:{يَمْشِي} صلته. {سَوِيًّا:}

حال من فاعل {يَمْشِي} المستتر. {عَلى صِراطٍ:} متعلقان ب: {سَوِيًّا} . {مُسْتَقِيمٍ:} صفة {صِراطٍ،} وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وإن عطفت (من) على سابقتها عطف مفرد على مفرد؛ فلا حاجة إلى خبر.

{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (23)}

الشرح: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ:} خلقكم ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، والأمر لسيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، والخطاب فيما بعده لأهل مكة، ولكل عاقل يسمع، ويتعظ.

{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ} يعني: أنه تعالى ركب فيكم هذه الجوارح؛ لتستعملوها، وتنتفعوا بها، لكنكم ضيعتموها، فلم تقبلوا ما سمعتموه، ولا اعتبرتم بما أبصرتموه، ولا تأملتم ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، فاستعملتموها في غير ما خلقت له، فلهذا قال تعالى:{قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} وذلك؛ لأن شكر نعم الله تعالى صرفها في وجه مرضاته، فلما صرفتموها في غير مرضاته، فكأنكم ما شكرتم رب هذه النعم الواهب لها؛ لأن شكر الله يكون بصرف جميع ما أنعم الله به على العبد فيما خلق لأجله، وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (السجدة) رقم [9].

هذا؛ وقد وحد الله السمع في هذه الآية وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات غيره مختلفة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

استدل بهذه الآية وأمثالها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، وقال بتبرير قوله:

والسمع يدرك به الجهات الست، وفي النور، وفي الظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع؛ لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلها.

ص: 60

قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست.

انتهى. قرطبي في غير هذا الموضع. أقول: فاقد السمع يفعل الأشياء الكثيرة، وفاقد البصر، لا يستطيع أن يفعل شيئا، فإذا البصر أفضل.

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {هُوَ الَّذِي:} مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {أَنْشَأَكُمْ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

(جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} أيضا. {لَكُمُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. {السَّمْعَ:} مفعول به، وما بعده معطوف عليه، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:} لقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال-رحمه الله تعالى-:{ما:} محتملة ثلاثة أوجه:

أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في:«أكلت أكلا ما» وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.

الوجه الثاني: النفي، و {قَلِيلاً} نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمنا قليلا.

الثالث: أن تكون مصدرية، وهي، وصلتها فاعل ب:{قَلِيلاً} التقدير: قليلا شكركم، و {قَلِيلاً} حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب {قَلِيلاً} على الوجه الأول. وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر {قَلِيلاً} نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة:{قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} تعليلية لا محل لها من الإعراب، وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى:{فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ} وهي الآية رقم [88] من سورة (البقرة)، وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [78] مع اختلاف بسيط.

{قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)}

الشرح: {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} أي: خلقكم، وبثكم، ونشركم في أقطار الأرض مع اختلاف ألسنتكم، ولغاتكم، وألوانكم. ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها.

والجمع: الذراري بتشديد الياء، وباب الفعل: قطع. {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:} تجمعون بعد هذا التفرق،

ص: 61

والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم، وذلك للحساب، والجزاء بعد إخراجكم من القبور. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [79].

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {هُوَ الَّذِي:} مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {ذَرَأَكُمْ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِي الْأَرْضِ:} متعلقان بما قبلهما. {وَإِلَيْهِ:} (الواو): حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {تُحْشَرُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال لا يجوز؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25)}

الشرح: هذه الآية تكررت في كثير من السور، كما هو معروف، ومعلوم لدى كل مسلم يقرأ القرآن. والسؤال المفهوم من الاستفهام يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سؤال عن نزول العذاب بهم. والثاني: أنه سؤال عن يوم القيامة. كما يحتمل السؤال عن الاثنين معا، وعليه يكون المعنى: متى يكون يوم القيامة؛ الذي يعذبون فيه في نار جهنم؟ وهذا من فرط عتوهم يقولون ذلك استهزاء، وتكذيبا، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين معه؛ لأنهم كانوا مشاركين له في الوعد، ويتهددون المشركين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم.

الإعراب: {وَيَقُولُونَ:} (الواو): حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. {مَتى:} اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. {هذَا:} (الهاء):

حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.

{الْوَعْدُ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {صادِقِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من أمر القيامة؛ فبينوا وقته على وجه التحديد. والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون

) إلخ مستأنفة، لا محل لها.

ص: 62

{قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)}

الشرح: أي: قل لهم يا محمد: إن علم وقت قيام الساعة، ونزول العذاب بكم عند الله فلا يعلمه غيره، لكن أمرني أن أخبركم: أن هذا كائن، وواقع لا محالة، فاحذروه. فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [187]:{قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي} . {وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي: مخوّف، ومعلم لكم، وما عليّ إلا البلاغ، وقد أديته إليكم، فهو كقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [99]:

{ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ،} وفي كثير من الآيات: {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} وفي سورة (النور) رقم [54]، وفي سورة (العنكبوت) أيضا رقم [18]:{وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} .

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {إِنَّمَا:} كافة ومكفوفة.

{الْعِلْمُ:} مبتدأ. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و {عِنْدَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {وَإِنَّما:} (الواو): حرف عطف.

(إنما): كافة ومكفوفة. {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {نَذِيرٌ:}

خبره. {مُبِينٌ:} صفة {نَذِيرٌ،} والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قُلْ..} . إلخ لا محل لها.

{فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)}

الشرح: {فَلَمّا رَأَوْهُ} يعني: العذاب في الآخرة على قول أكثر المفسرين. وقيل: يعني:

العذاب ببدر. {زُلْفَةً:} مصدر بمعنى: مزدلفا؛ أي: قريبا. والزلفة: القربة، ومثلها: الزلفى (بالقصر). قال تعالى: {وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً} .

رقم [37] من سورة (سبأ)، والجمع: زلف، وزلفات بضم اللام وفتحها. هذا؛ والزلفة:

الدرجة، والمنزلة، والطائفة من الليل، والجمع: زلف، قال تعالى في سورة (هود) رقم [114] مخاطبا للنبي صلى الله عليه وسلم:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ..} . إلخ.

{سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: علتها الكآبة، وساءتها رؤية العذاب، وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [106]:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} وهذه القترة التي ذكرها الله تعالى في سورة (عبس): {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ} .

{وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ:} من الدعاء، أي: تتمنون، وتطلبون أن يعجله الله لكم، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: هو قولهم: {رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ} رقم [16] من سورة (ص)، وقال الضحاك: هو قولهم: {اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} رقم [32] من سورة (الأنفال). هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل،

ص: 63

إنما هو لتحقق وقوعه. وقيل: تدعون من الدعوى، أي: تدعون: أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وتدعون: أنكم لا تبعثون، ولا يوجد حساب، ولا عقاب، ولا ثواب، ولا جنة، ولا نار.

هذا؛ وأصل {تَدَّعُونَ} تدتعيون على وزن: يفتعلون، فأسكنت الياء؛ لأن الضم فيها ثقيل، وألقيت حركتها على العين، بعد أن أزيلت حركة العين، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها، فصار تدتعون، ثم قلبت التاء دالا، وأدغمت الدال في الدال، فصار:{تَدَّعُونَ} وقلبت التاء دالا، ولم تقلب الدال تاء؛ لأن الدال حرف مجهور، والتاء مهموسة، والمجهور أقوى في اللفظ من المهموس. انتهى مكي من سورة (يس).

الإعراب: {فَلَمّا:} (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول. والمشهور الثاني. {رَأَوْهُ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعول به. {زُلْفَةً:} حال من الضمير المنصوب. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. {سِيئَتْ:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء للتأنيث. {وُجُوهُ:} نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، و {وُجُوهُ} مضاف، و {الَّذِينَ} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة:{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {وَقِيلَ:} (الواو): حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. {هذَا:} (الهاء):

حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل). أفاده ابن هشام في مغنيه. وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة:«يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» . وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره:«هو» ، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام، أي:

وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو:«لا حول، ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنّة» ونحو: «زعموا: مطية الكذب» وجملة: {وَقِيلَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة:«تدعون به» في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} صلة الموصول، لا محل لها.

ص: 64