الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
قد حض النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوة القرآن الكريم، ورغب فيها كثيرا، وبين: أن لها ثوابا كثيرا، وجزاء جزيلا. وخذ نبذة من أحاديثه صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك:
فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الربّ تبارك وتعالى: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين» . قال: «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» . وقال: هذا حديث حسن غريب.
وعن عثمان بن عفان-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» . رواه الستة. وعن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {الم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» . أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح غريب.
وعن أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، ريحها طيّب، وطعمها طيّب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق؛ الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ ليس لها ريح، وطعمها مرّ» . وفي رواية: «مثل الفاجر» . بدل «المنافق» . رواه البخاري، ومسلم، والنسائي وابن ماجه.
وعن عائشة-رضي الله عنها-واسم أمّها زينب الفراسية. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران» . وفي رواية: «والذي يقرؤه وهو يشتدّ عليه له أجران» . رواه الستة. التتعتع: التردد في الكلام عيّا، وصعوبة، وإنما كان له أجران من حيث التلاوة، ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم تمرن على تلاوته، وجهد نفسه بالعناية به؛ حتى أتقنه، ومهر به إلى أن شبه بالملائكة.
وعن عقبة بن عامر-رضي الله عنه-قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في الصّفّة، فقال:«أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطيعة رحم؟» . فقلنا: يا رسول الله كلّنا نحبّ ذلك! قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل» . رواه مسلم، وأبو داود.
وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه؛ قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلف ظهره؛ ساقه إلى النّار» . رواه ابن حبان. ومعنى ماحل: خصم مجادل. ومعنى (جعله أمامه): عمل به، واهتدى بهديه، ومعنى (جعله خلف ظهره): لم يعمل به. والأحاديث في ذلك كثيرة، ومسطورة في كتاب:
«الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وغيره.
وهذا ما يلزم قارئ القرآن، وحامله من تعظيم القرآن، وحرمته، كما في القرطبي.
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فمن حرمة القرآن: ألا يمسه القارئ إلا طاهرا. ومن حرمته أن يقرأه؛ وهو على طهارة. وأن يستاك، ويتخلل، فيطيب فاه؛ إذ هو طريقه. قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها، ونطفوها ما استطعتم! ومن حرمته: أن يلبس كما يلبس للدخول على الأمير؛ لأنه مناج، وأن يستقبل القبلة لقراءته. وكان أبو العالية إذا قرأ اعتمّ، ولبس، وارتدى، واستقبل القبلة. وأن يتمضمض كلّما تنخع.
روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه كان بين يديه تور إذا تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر. وإذا تثاءب يمسك عن القراءة؛ لأنه إذا قرأ، فهو مخاطب ربه، ومناج له، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما؛ حتى يذهب تثاؤبك. وأن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأبسم الله الرحمن الرحيم؛ إن كان ابتداء قراءته من أول السورة، أو من حيث بلغ، وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة، وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلامه، فيخلط بجوابه؛ لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء.
ومن حرمته: أن يقرأه على تؤدة، وترسل، وترتيل، وأن يستعمل فيه ذهنه، وفهمه؛ حتى يعقل ما يخاطب به، وأن يقف على آية الوعد، فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد، فيستجير بالله منه، وأن يقف على أمثاله، فيتمثلها، وأن يلتمس غرائبه، وأن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء؛ حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن له بكل حرف عشر حسنات، ومن حرمته: أنه إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك: أنه حق، فيقول: صدقت ربنا، وبلغ رسولك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط! ثم يدعو بدعوات.
ومن حرمته: أنه إذا قرأه لا يلتقط الآي من كل سورة، فيقرأ، فقد روي لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببلال-رضي الله عنه، وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ على السور، أو كما
قال، وإذا وضع المصحف لا يتركه منشورا، ولا يضع فوقه شيئا من الكتب، وغيرها؛ حتى يكون أبدا عاليا فوق كل شيء، وأن يضعه في حجره إذا قرأه، أو على شيء بين يديه، ولا يضعه على الأرض، وألا يمحوه من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، ويتوقى النجاسات، وكان السلف الصالح يستشفي بغسالته. وألا يتخذ منه شيئا وقاية لكتاب، وألا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة. وكان أبو موسى الأشعري-رضي الله عنه-يقول: إني لأستحي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة.
ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما من المصحف، فإن العين تؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب، فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس، فإذا نظر في الخط كانت العين، والأذن قد اشتركا في الآداء، وذلك أوفر للأداء، فقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا أعينكم حظّها من العبادة» . قالوا: يا رسول الله! وما حظّها من العبادة؟! قال: «النظر في المصحف، والتفكّر فيه، والاعتبار عند عجائبه» . وروى مكحول عن عبادة بن الصامت-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمّتي قراءة القرآن نظرا» .
ومن حرمته: ألاّ يتأوله عند ما يعرض له شيء من أمر الدنيا، مثل: إذا جاءك أحد، فلا تقل:(جئت على قدر يا موسى) ومثل قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ} . هذا عند حضور الطعام، وأشباه ذلك، وألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، وألا يقعر في قراءته، وألا يجهر بعض على بعض في القراءة، فيفسد عليه؛ حتى يبغض إليه ما يسمع كهيئة المغالبة.
ومن حرمته: ألاّ يقرأ في الأسواق، وفي مواطن اللغط، واللغو، ومجمع السفهاء، ومن ذلك ما يفعل في أيامنا هذه في المآتم حيث توضع المسجلات في باب الدار، والناس يجلسون في بيت المتوفى، وهم مشغولون بشرب الشاي، والقهوة، والدخان، والقيل، والقال، والهذر، والقر، وألا يتوسد المصحف، ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به إلى صاحبه، إذا أراد أن يناوله، وألاّ يحلّى المصحف، أو يكتب بالذهب، فتخلط به زينة الدنيا. فعن أبي الدرداء-رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا زخرفتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم، فالدّبار عليكم» . وألا يكتب على الأرض، ولا على حائط، كما يفعل بهذه المساجد المحدثة، وأن يفتحه كلما ختامه حتى لا يكون في هيئة المهجور، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، وروى ابن عباس-رضي الله عنهما: قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: «عليك بالحال المرتحل» . قال: وما الحال المرتحل؟! قال: «صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يضرب من أوله، كلما حلّ؛ ارتحل» .
ويستحب للقارئ إذا ختم القرآن أن يجمع أهله، ويدعو، فإن الرحمة تنزل عند ختم القرآن، وعن إبراهيم التيمي قال: من ختم القرآن أول النهار؛ صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختامه أول الليل؛ صلت عليه الملائكة؛ حتى يصبح. قال: فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل، وأول النهار.
ومن حرمته: ألاّ يكتب التعاويذ منه، ثم يدخل به في الخلاء إلا أن يكون في غلاف من أدم، أو فضة، أو غيره، فيكون كأنه في صدرك. ومن حرمته: إذا كتابه، وشربه؛ سمى الله على كل نفس، وعظم النية، فإن الله يؤتيه على قدر نيته. انتهى. بتصرف بسيط مني.
وأخيرا ينبغي: أن تعلم: أن الذي يسمع من الكلام بواسطة الراديو، أو المسجلة فإنه ألفاظ وكلمات حقيقية، وليست صدى كالذي يسمع في الجبال، وغيرها، فيجب الإصغاء إليه، وتدبره، واحترامه، في كل ما تقدم ذكره، وسجود التلاوة إذا تليت آية سجدة، كما ذكرته في كل آية سجدة مرت معنا. هذا؛ وللشيخ مصطفى عمارة-رحمه الله-كلام جيد في تعليقه على كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. انظره في آخر مبحث قراءة القرآن؛ فإنه جيد، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
وخذ ما قاله البوصيري-رحمه الله تعالى-في شرف القرآن ومدحه: [البسيط]
دعني ووصفي آيات له ظهرت
…
ظهور نار القرى ليلا على علم
فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم
…
وليس ينقص قدرا غير منتظم
فما تطاول آمالي المديح إلى
…
ما فيه من كرم الأخلاق والشيم
آيات حقّ من الرحمن محدثة
…
قديمة صفة الموصوف بالقدم
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا
…
عن المعاد وعن عاد وعن إرم
دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة
…
من النبيّين إذ جاءت ولم تدم
محكمات فما تبقين من شبه
…
لذي شقاق وما تبغين من حكم
ما حوربت قطّ إلا عاد من حرب
…
أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم
ردّت بلاغتها دعوى معارضها
…
ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم
لها معان كموج البحر في مدد
…
وفوق جوهره في الحسن والقيم
فما تعدّ ولا تحصى عجائبها
…
ولا تسام على الإكثار بالسّأم
قرّت بها عين قاريها فقلت له:
…
لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى
…
أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم
كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به
…
من العصاة وقد جاؤوه كالحمم
وقال المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء: [البسيط]
جاء النبيون بالآيات فانصرمت
…
وجئتنا بحكيم غير منصرم
آياته كلّما طال المدى جدد
…
يزينهنّ جلال العتق والقدم
يكاد في لفظة منه مشرّفة
…
يوصيك بالحقّ والتّقوى وبالرّحم