المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الفجر بسم الله الرحمن الرحيم سورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون. - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ١٠

[محمد علي طه الدرة]

فهرس الكتاب

- ‌سورة التّحريم

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الملك

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القلم

- ‌فائدة:

- ‌سورة الحاقّة

- ‌خاتمة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الجنّ

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المزّمّل

- ‌سورة المدّثر

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الإنسان

- ‌فائدة:

- ‌سورة المرسلات

- ‌سورة النّبإ

- ‌سورة النّازعات

- ‌فائدة:

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التّكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطفّفين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البروج

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة الطّارق

- ‌تنبيه: بل خاتمة:

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌فائدة:

- ‌سورة البلد

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الشمس

- ‌تنبيه، وخاتمة:

- ‌سورة الليل

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الضّحى

- ‌سورة الشرح

- ‌سورة التّين

- ‌فائدة:

- ‌سورة العلق

- ‌الشرح

- ‌خاتمة:

- ‌سورة القدر

- ‌سورة البيّنة

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة الكافرون

- ‌فائدة:

- ‌سورة النّصر

- ‌سورة المسد

- ‌‌‌فائدةبل طرفة:

- ‌فائدة

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة النّاس

- ‌خاتمة

- ‌ترجمة موجزة للشيخ المفسر النحويمحمد علي طه الدرة رحمه الله تعالى1340 -1428 هـ-1923 - 2007 م

- ‌حليته وشمائله:

- ‌مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة:

الفصل: ‌ ‌سورة الفجر بسم الله الرحمن الرحيم سورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون.

‌سورة الفجر

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون. وقيل: ثلاثون آية، ومئة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمئة وسبعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)}

الشرح: {وَالْفَجْرِ..} . إلخ: أقسم الله عز وجل بالفجر وما بعده لشرف هذه الأشياء، وما فيها من الفوائد الدينية، وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة على التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية: أنها تبعث على الشكر. وانظر ما ذكرته بشأن هذا القسم في أول سورة (المرسلات) و (الذاريات) تجد ما يسرك.

واختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه قال:

(الفجر) هو انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث والحساب، والجزاء. قال تعالى في سورة (التكوير) رقم [18]:{وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ} . وعن ابن عباس أيضا: أنه صلاة الفجر، والمعنى: أنه أقسم بصلاة الفجر؛ لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. قال تعالى:{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} سورة (الإسراء) رقم [78]. وقيل: إنه فجر معين، واختلفوا فيه، فقيل: هو فجر أول يوم من المحرّم؛ لأنه منه تنفجر السنة. وقيل: هو فجر ذي الحجة؛ لأنه قرن به الليالي العشر.

وقيل: هو فجر يوم النحر؛ لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات المتنوعة.

{وَلَيالٍ عَشْرٍ:} قيل: إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف؛ الذي لا يحصل في غيرها.

واختلف فيها، فقد روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أنها العشر الأول من ذي الحجة؛ لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج. وأخرج الترمذي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيّام العمل فيهنّ أحبّ إلى الله من عشر ذي الحجة» . قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» . ورواه البخاري أيضا عن ابن عباس مرفوعا. وروي عن ابن عباس أيضا؛

ص: 569

قال: هي العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله للعبادة. وقيل: هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. وهو أضعفها. وأقواها الأول.

{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ:} الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك أيضا؛ قيل: الشفع: هو الخلق، والوتر: هو الله تعالى. يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه. وقيل:

الشفع: هو الخلق كالإيمان، والكفر. والهدى، والضلالة. والسعادة، والشقاوة. والليل، والنهار. والأرض، والسماء. والشمس، والقمر. والبر، والبحر. والنور، والظلمة. والجنّ، والإنس. والوتر: هو الله تعالى. وقيل: الخلق كله فيه شفع، وفيه وتر. وقيل: الصلوات الخمس منها شفع، ومنها وتر. عن عمران بن حصين-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع، والوتر، فقال:«هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر» . أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: «الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب» .

وقال أبو بكر الوراق: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين: العز، والذل. والقدرة، والعجز.

والقوة، والضعف. والعلم، والجهل. والحياة، والموت. والبصر، والعمى. والسمع، والصمم. والكلام، والخرس. والوتر: انفراد صفات الله تعالى: عزّ بلا ذل، وقدرة بلا عجز.

وقوة بلا ضعف. وعلم بلا جهل. وحياة بلا موت. وبصر بلا عمى. وكلام بلا خرس. وسمع بلا صمم. وما وازاها. وقال الحسين بن الفضيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر:

دركات النار، وهي سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل: غير ذلك.

وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: {وَلَيالٍ عَشْرٍ} ذكر في كتاب التحرير، والتحبير فيهما ستة وثلاثين قولا ضجرنا قراءتها فضلا عن كتابتها في كتابنا هذا. وقال الزمخشري: وقد أكثروا في الشفع، والوتر؛ حتى كادوا يستوعبون معظم ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه. هذا؛ ويجمع الشفع على: أشفاع، وشفاع، ويجمع الوتر على: أوتار. هذا؛ ويقرأ (الوتر) بفتح الواو، وكسرها لغتان كالحبر والحبر. والفتح لغة قريش، ومن والاها، والكسر لغة تميم.

ولا تنس الطباق بين (الشفع) و (الوتر)، وهو من المحسنات البديعية.

{وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ:} هذا قسم خامس، بعد أن أقسم الله بالليالي العشر على الخصوص، أقسم الله بالليل على العموم. ومعنى: يسري؛ أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم. قال جرير:[الطويل]

لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى

ونمت وما ليل المطيّ بنائم

ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [33]: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد. وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي، والأخفش، فهو مجاز في الإسناد،

ص: 570

بإسناد ما للشيء للزمان، كما يسند للمكان فيقال: نهر جار، والظاهر: أنه مجاز مرسل، أو استعارة. وقال أكثر المفسرين: معنى يسري: سار، وذهب، مثل قوله تعالى في سورة (المدثر):

{وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ،} وفي سورة (التكوير): {وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ} . واختلف في (الليل) أيضا. قيل: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها، وأقول من جهتي: لعلها ليلة الجمعة، ولعلها ليلة المولد النبوي الشريف. وقيل: أراد عموم الليل كله.

هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ في (الدخان)، و (الشعراء) بقطع الهمزة ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت-رضي الله عنه بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال:[الكامل]

حيّ النّضيرة ربّة الخدر

أسرت إليك ولم تكن تسري

وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم في كثير من الآيات، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: «سرى» لأول الليل و «أسرى» لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من:«سرى» ، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية. وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، وكأنهم جعلوه جمع: سرية.

هذا؛ وحذفت الياء من آخر (يسري)؛ لأنه رأس آية، وقرئ بإثباتها في الوصل، كما قرئ بإثبات الياء في الوصل، والوقف على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد لبعضهم:[الرجز]

كفّاك كفّ ما تليق درهما

جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما

الإعراب: {وَالْفَجْرِ:} جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وانظر ما ذكرته في سورة (المرسلات) و (الذاريات) بشأن المقسم به، وسأعيده في أول سورة (الشمس) الآتية إن شاء الله تعالى. {وَلَيالٍ:} الواو: حرف عطف. (ليال): معطوف على (الفجر) مجرور مثله، وعلامة جره فتحة مقدرة على الياء المحذوفة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع؛ إذ الأصل: وليالي، فحذفت الياء للتخفيف، لا للإعلال، وإنما قدرت الفتحة مع خفتها لنيابتها عن الكسرة، ونائب الثقيل ثقيل. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. {عَشْرٍ:}

صفة (ليال). {وَالشَّفْعِ،} {وَالْوَتْرِ،} {وَاللَّيْلِ:} هذه الأسماء معطوفة على (الفجر). {إِذا:}

ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد

ص: 571

منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت سراه.

قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و (إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من الليل؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان سريانه. وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أنّ {إِذا} للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت سراه. انتهى. جمل من سورة (النجم). {يَسْرِ:} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة كما رأيت، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها.

{هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)}

الشرح: {هَلْ فِي ذلِكَ..} . إلخ: تحقيق، وتقرير لفخامة شأن الأمور المقسم بها، وكونها أمورا خليقة حقيقة بالإعظام، والإجلال عند أرباب العقول والأفهام، وتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، خليق بأن يؤكد به الأخبار على طريقة قوله تعالى في سورة (الواقعة):{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} وذلك إشارة إما إلى الأمور المقسم بها، والتذكير بتأويل ما ذكر، أو إلى الإقسام بها، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الفضل، والشرف. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، ومعنى (لذي حجر): لذي لب، وعقل.

قال الشاعر: [البسيط]

وكيف يرجّى أن تتوب وإنّما

يرجّى من الفتيان من كان ذا حجر؟

هذا؛ وأصل الحجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها من السيئات، والمعاصي: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الغرفة حجرة لامتناع ما فيها بها. قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ} سورة (الحجرات) رقم [4]. وقال الفراء: تقول العرب: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، كأنه أخذ من حجرات على الرجل.

وفي الخازن: {هَلْ فِي ذلِكَ} أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء. {قَسَمٌ:} مقنع، ومكتفي في القسم. {لِذِي حِجْرٍ:} لذي عقل، سمي بذلك؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي. كما سمي عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، وسمي: نهية قال تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى} سورة (طه) رقم [128] وأصل الحجر: المنع، ولا يقال: ذو حجر إلا لمن

ص: 572

هو قاهر لنفسه، ضابط لها عما لا يليق، كأنه حجر على نفسه، ومنعها ما تريد. والمعنى: أن من كان ذا لبّ وعقل علم: أنّ ما أقسم الله عز وجل به من هذه الأشياء، فيه عجائب، ودلائل تدل على توحيده، وربوبيته، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. انتهى. بتصرف.

هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء، وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته. قال تعالى:

{وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ..} . إلخ سورة (النساء) رقم [23]. وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك. والحجر يطلق على الفرس الأنثى، وهو بكسر الحاء، وعلى العقل كما رأيت، ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم. قال تعالى في سورة (الحجر): {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} والحجر يطلق على الحرام، وفي سورة (الفرقان):{وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً} وقال الشاعر: [الطويل]

ألا أصبحت أسماء حجرا محرّما

وأصبحت من أدنى حموّتها حما

أراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه؛ أي:

أصبحت أخا زوجها بعد أن كنت زوجها، وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله:[البسيط]

ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر

وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر

لله حجر منعني من دخول الحجر

ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر

الإعراب: {هَلْ:} حرف تقرير، أو حرف تحقيق وتأكيد. قال مقاتل: هل هنا في موضع إن، تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. {فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {قَسَمٌ:} مبتدأ مؤخر.

{لِذِي:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قسم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذي): مضاف، و {حِجْرٍ:} مضاف إليه، والجملة الاسمية جواب القسم الأول وما عطف عليه على قول مقاتل-رحمه الله تعالى-. وقيل: الجواب محذوف، تقديره:

ليعذبن. وقيل: الجواب قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ} وعلى هذين القولين فالجملة الاسمية (هل في ذلك

) إلخ. معترضة بين القسم وجوابه، وقد أفادت الكلام تقوية وتسديدا.

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ..} . إلخ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو عام لكل أحد، والمعنى: ألم يبلغك يا محمد، ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ وكان أمر عاد، وثمود عند العرب

ص: 573

مشهورا؛ إذ كانوا في بلادهم، وحجر ثمود موجود إلى اليوم بوادي القرى، وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. {بِعادٍ} أي: بقوم عاد، وكانوا أشداء أقوياء. روى شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي الله عنه-قال: كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وكان أحدهم يدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها.

لذا ذكرهم نبيهم هود بهذا، فقال تعالى في سورة (الأعراف):{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وقال تعالى: {فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً} الآية رقم [15] من سورة (فصلت).

هذا؛ وعاد في الأصل ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فعلى هذا ف {إِرَمَ} هو جد عاد، ثم جعل لفظ عاد اسما للقبيلة، كما يقال لبني هاشم: هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وعاد إرم تسمية لهم باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: [المنسرح]

مجدا تليدا بناه أوّلهم

أدرك عادا وقبله إرما

وقال معمر: «إرم» إليه مجمع عاد، وثمود، وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود، وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. وقال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم: إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام، فمن ولد إرم بن سام العمالقة، والفراعنة، والجبابرة، والملوك الطغاة، والعصاة.

{ذاتِ الْعِمادِ} أي: الطول، يقال: رجل معمّد: إذا كان طويلا. قال قتادة: كان طول الواحد منهم اثنا عشر ذراعا. وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة أيضا كانوا عمادا لقومهم.

يقال: فلان عماد القوم، وعمودهم؛ أي: سيدهم. وقيل: {ذاتِ الْعِمادِ} أي: الأبنية الرفيعة المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد:{ذاتِ الْعِمادِ} يعني: إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر، وتؤنث.

قال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [39]: [الوافر]

ونحن إذا عماد الحيّ خرّت

على الأحفاض نمنع من يلينا

{الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ:} الضمير يرجع إلى القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة، وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة. ومن جعل إرم مدينة؛ قدر محذوفا، المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعاد صاحبة إرم. وإرم على هذا مؤنثة معرفة. وروي: أنه كان لعاد ابنان: شداد، وشديد، فملكا، وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا،

ص: 574

ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمئة سنة، وكان عمره تسعمئة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار، والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها؛ سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثمّ، وبلغ معاوية خبره، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة. وقال: هذا والله ذلك الرجل!.

تنبيه: ذكرت لك فيما مضى: أنه ملك الدنيا مؤمنان، وكافران، فأما المؤمنان؛ فهما سليمان ابن داود، وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فهما: بختنصر ملك بابل، وشداد بن عاد.

الإعراب: {أَلَمْ:} الهمزة: حرف تقرير، واستفهام. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.

{تَرَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، تقدم على صاحبه، وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا.

وانظر ما ذكرته في أول سورة (الفيل) فإنه جيد، جيد، وهذا مثله. {فَعَلَ:} ماض، {رَبُّكَ:}

فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {بِعادٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {إِرَمَ:}

بدل من (عاد)، أو عطف بيان عليه، وهذا على اعتباره علم على شخص، أو علم على قبيلة، وأما على اعتباره اسم بلدة، أو اسم أرض؛ فهو على حذف مضاف، التقدير: بعاد صاحب إرم.

والتقدير على الأول: بعاد إرم صاحب ذات العماد، ولم ينصرف إرم قبيلة كانت، أو أرضا، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، فهو إما مضاف، وإما مضاف إليه، كما رأيت، و «صاحب» صفة (عاد)، وهو مضاف، و {إِرَمَ} مضاف إليه

إلخ، و «صاحب» صفة {إِرَمَ} على التقدير الأول، و «صاحب» مضاف، و {ذاتِ} مضاف إليه

و «صاحب» صفة (عاد) أو بدل منه على اعتبار {إِرَمَ} اسم بلدة، أو اسم أرض، و {ذاتِ} مضاف، و {الْعِمادِ} مضاف إليه. {الَّتِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة {ذاتِ الْعِمادِ} ويجوز أن يقطع عما قبله على إضمار مبتدأ، التقدير: هي التي، أو على تقدير فعل: أعني التي. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {يُخْلَقْ:} فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: {لَمْ} . {مِثْلُها:} نائب فاعل، وها في محل جر بالإضافة. {فِي الْبِلادِ:}

متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

ص: 575

{وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9)}

الشرح: (ثمود): قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. {جابُوا:}

قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد؛ أي: يقطعها. قال الشاعر، وكان قد نزل على ابن الزبير في مكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة، فقال:[البسيط]

راحت رواحا قلوصي وهي حامدة

آل الزّبير ولم تعدل بهم أحدا

راحت بستين وسقا في حقيبتها

ما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا

ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت

ستّين وسقا ولا جابت به بلدا

ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول في قصيدته نهج البردة البيت رقم [86] في مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم: [البسيط]

جبت السموات أو ما فوقهنّ بهم

على منوّرة درّيّة اللّجم

قال المفسرون: أول من نحت الجبال، والصخور، والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمئة مدينة، كلها من الحجارة، ومن الدور، والمنازل ألفي ألف وسبعمئة كلها من الحجارة، وقد قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [82]:{وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} وقال في سورة (الشعراء) رقم [149]: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ} وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا؛ لأنفسهم، وقد ذكرت قصتهم مفصلة في سورة (الأعراف) و (هود) و (الشعراء).

(بالوادي): أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة رضي الله عنه-قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال:«أسرعوا؛ فإنكم في واد ملعون» . وروي: أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن شرب مائه، وأكل ما طبخوا به، وعجنوا من مائه. هذا؛ والوادي هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على أودية، وأوديات. وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير:[الوافر]

عرفت ببرقة الأوداه رسما

محيلا طال عهدك من رسوم

ولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع واد على أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى من سورة (الرعد) الآية [17].

هذا؛ وثمود: قبيلة أخرى من قبائل العرب كعاد، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر، ابن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام

ص: 576

إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، والأول هو المعتمد، ومنع من الصرف؛ لأنه جعل اسما لمؤنث، وهو القبيلة. ونبيهم هو صالح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وصرف (عاد) لسكون وسطه.

الإعراب: {وَثَمُودَ:} الواو: حرف عطف. (ثمود): معطوف على عاد مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ثمود، أو هو بدل منه، ويجوز قطعه عن (ثمود) على إضمار مبتدأ، أو إضمار فعل، والجملة الفعلية بعده صلته. {بِالْوادِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {الصَّخْرَ،} وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لمناسبة رؤوس الآي.

{وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)}

الشرح: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ} أي: صاحب الجنود، والعساكر، والجموع، والجيوش؛ التي تشد ملكه. قاله ابن عباس-رضي الله عنهما، وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [12]:{ذِي الْأَوْتادِ} فسر هناك بالبناء المحكم. وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد، يريدون بذلك: أنه دائم شديد. قال الأسود بن يعفر: [الكامل]

ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة

في ظلّ ملك ثابت الأوتاد

وأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده. قال الأفوه الأودي: [البسيط]

والبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

فاستعير لثبات العز، والملك، واستقامة الأمر، وهي استعارة بليغة، فقد شبه الملك بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح، ففيه استعارة مكنية. وذكر الأوتاد تخييل. وقيل:{ذِي الْأَوْتادِ} ذو القوة، والبطش. وقال الكلبي، ومقاتل: كان فرعون يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه الحيات، والعقارب؛ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيها وتد من حديد، ويتركه؛ حتى يموت. هذا؛ ومفرده:

وتد، وهو ما رزّ في الحائط، أو في الأرض من خشب، وغيره، وهو بكسر التاء، وفتحها لغة.

قال الشاعر: [البسيط]

ولا يقيم على ضيم يراد به

إلاّ الأذلاّن: عير الحيّ، والوتد

ص: 577

هذا على الخسف مربوط برمّته

وذا يشجّ فلا يرثي له أحد

وأهل نجد يسكنون التاء، فيدغمونها بعد قلبها دالا بالدال الثانية، فيبقى: ودّ، وهي لغة العامة الشائعة، ووتدت الوتد، أتده وتدا من باب: وعد: أثبته بحائط، أو بالأرض، وأوتدته لغة. انتهى. من المصباح.

{الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ:} تمردوا وعتوا وتجاوزوا الحد في الظلم والعدوان، والضمير يعود إلى عاد وثمود وفرعون. وقيل: يعود إلى فرعون وجنوده، والأول أولى بالاعتبار. {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ} أي: الظلم والاعتداء والجور والأذى مع الكفر، والتعالي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فكذلك الفساد يتناول جميع أقسام الإثم.

{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ} أي: أفرغ عليهم، وألقى، وأنزل بهم {رَبُّكَ} يقال: صبّ على فلان نعمة؛ أي:

ألقاها عليه. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]

فصبّ عليه الله أحسن صنعه

وكان له بين البريّة ناصرا

{سَوْطَ عَذابٍ:} نوع عذاب. ويقال: شدة عذاب؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. قال الشاعر: [الطويل]

ألم تر أنّ الله أظهر دينه

وصبّ على الكفار سوط عذاب

وقال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك: أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب. فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق. قال تعالى:{فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ} .

هذا؛ والسوط الذي يضرب به يكون من جلد، وغيره، والجمع: أسواط، وسياط، وساطه:

ضربه بالسوط. وقد استعير هذا لنوع من أنواع العذاب، كما هو واضح. والسوط: خلط الشيء بعضه ببعض.

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ} أي: يرصد أعمال العباد، فلا يفوته منها شيء؛ ليجازيهم بها يوم القيامة. ففيه استعارة تمثيلية: شبه كونه تعالى حافظا لأعمال العباد، مراقبا لها، ومجازيا على نقيرها، وقطميرها بحيث لا ينجو منه أحد بحال من قعد على الطرق مترصدا لمن يسلكها؛ ليأخذه، فيوقع به ما يريد، ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. انتهى. نقلا من الشهاب. وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [21] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

بعد هذا فخذ ما يلي: روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن فرعون-لعنه الله-إنما سمي ذا الأوتاد؛ لأنه كان عنده امرأة مؤمنة، وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمنا كتم إيمانه مئة سنة-انظر سورة (غافر) رقم [28] وما بعدها-وكانت امرأته

ص: 578

ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون؛ إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله! فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟! فقالت: إلهي وإله أبيك، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فقامت، ودخلت على أبيها؛ وهي تبكي! فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم: أنّ إلهك، وإلهها، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فأرسل إليها، فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت! فقال لها:

ويحك! اكفري بإلهك، وقري أني إلهك! قالت: لا أفعل، فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات، والعقارب. وقال لها: اكفري بالله، وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين! فقالت: لو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله! وكان لها ابنتان، فجاء بابنتها الكبرى، فذبحها على قلبها، ثم قال لها: اكفري بالله، وإلا ذبحت الصغرى على فيك! وكانت رضيعا، فقالت: لو ذبحت من في الأرض على فيّ ما كفرت بالله عز وجل! فأتى بابنتها، فلما اضطجعت على صدرها، وأراد ذبحها؛ جزعت المرأة فأطلق الله لسان ابنتها، فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا في المهد صغارا أطفالا، وقالت: يا أماه لا تجزعي، فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة، فاصبري، فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته! فذبحت، فلم تلبث الأم أن ماتت. أسكنها الله الجنة!.

قال: وبعث في طلب زوجها حزقيل، فلم يقدروا عليه. فقيل لفرعون: إنه رؤي في موضع كذا في جبل، فبعث رجلين في طلبه، فانتهى إليه الرجلان، وهو يصلي، وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلّون، فلما رأوا ذلك؛ انصرفوا. فقال حزقيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مئة سنة، ولم يظهر علي أحد، فأيما هذين الرجلين كتم عليّ فاهده إلى دينك، وأعطه من الدنيا سؤله! وأي هذين الرجلين أظهر عليّ؛ فعجل عقوبته في الدنيا، واجعل مصيره في الآخرة إلى النار! فانصرف الرجلان إلى فرعون، فأما أحدهما؛ فاعتبر، وآمن، وأما الآخر؛ فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ، فقال فرعون-لعنه الله-: وهل معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به، فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: ما رأيت مما يقول شيئا، فأعطاه فرعون، وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه. وأما حزقيل؛ فإنه خرج مع موسى إلى أرض فلسطين، وكان من الناجين مع بني إسرائيل.

قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل، يقال لها: آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يفعل فرعون؛ وأنا مسلمة، وفرعون كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها؛ إذ دخل عليها فرعون، فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون! أنت أشر الخلق، وأخبثهم، عمدت إلى الماشطة، فقتلتها! قال: فلعل بك الجنون؛ الذي كان بها. قالت: ما بي جنون، إن إلهها، وإلهي، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فبصق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبيها، وأمها، فدعاهما. وقال لهما: إن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد: أن ربي، وربك،

ص: 579

ورب السموات، والأرض واحد، لا شريك له! فقال لها أبوها: يا آسية! ألست من خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك! إن كان ما يقول حقا؛ فقولا له:

يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله.

فقال لهما فرعون-لعنه الله-: اخرجا عني، ثم مدها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة؛ ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت:{رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} الآية رقم [11] من سورة (التحريم)، فقبض الله روحها، وأدخلها الجنة. انتهى. كله من الخازن. وانظر الذين تكلموا في المهد في سورة (البروج) رقم [4].

الإعراب: {وَفِرْعَوْنَ:} الواو: حرف عطف. (فرعون): معطوف على (عاد) و (ثمود) مجرور مثلهما، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.

{ذِي:} صفة (فرعون) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و {ذِي} مضاف، و {الْأَوْتادِ} مضاف إليه. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من (عاد) و (ثمود) و (فرعون)، ويجوز قطعه من وجهين: أحدهما على إضمار مبتدأ، التقدير: هم الذين، والثاني على إضمار فعل، التقدير: أعني، أو أذم.

{طَغَوْا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِي الْبِلادِ:} متعلقان بما قبلهما، وجملة:{فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ} معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. {فَصَبَّ:} الفاء: حرف عطف. (صب): فعل ماض. {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {رَبُّكَ:} فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {سَوْطَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {عَذابٍ:} مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل.

{رَبَّكَ:} اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة

إلخ. {لَبِالْمِرْصادِ:} اللام: هي المزحلقة.

(بالمرصاد): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية تعليل لما قبلها.

قال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: إيذانا بأن كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. انتهى.

{فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)}

الشرح: {فَأَمَّا الْإِنْسانُ} أي: الكافر. وذكر ابن عباس-رضي الله عنهما-بعض زعماء قريش بأسمائهم، والأولى التعميم؛ لأن التخصيص؛ أي: خصوص السبب لا يمنع التعميم.

{إِذا مَا ابْتَلاهُ:} اختبره، وامتحنه بالنعمة، والرخاء، وبسط العيش. {فَأَكْرَمَهُ:} بالمال، والولد،

ص: 580

والمنصب، والجاه، والصحة، والعافية، وغير ذلك من متع الحياة، ولذائذها. {وَنَعَّمَهُ:} ورفهه بما أنعم عليه. {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ:} بما أعطاني، فيفرح بذلك، ولا يحمده، ولا يشكره. هذا؛ وقابل قوله:{وَنَعَّمَهُ،} بقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ،} ولم يقابل قوله: {فَأَكْرَمَهُ:} بلفظ:

«فأهانه» ؛ لأنه ليس من ضيق عليه في الرزق؛ كان ذلك إهانة له! ألا ترى إلى ناس كثيرين من أهل التقوى، والصلاح مضيّقا عليهم في الرزق.

فإن قيل: كيف سمّي كلّ من الأمرين: من بسط الرزق، وتقتيره ابتلاء؟ أجيب بأن كلا منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له؛ فقد اختبر حاله: أيشكر، أم يكفر؟ وإذا قدر عليه رزقه؛ فقد اختبر حاله: أيصبر، أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. فإن قيل: فهلاّ قال: فأهانه، وقدر عليه رزقه، كما قال: فأكرمه ونعمه؟ أجيب بأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا، وأما التقتير؛ فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضيل لا يكون إهانة، ولكن يكون تركا للكرامة، وقد يكون المنعم مكرما ومهينا، وغير مكرم، ولا مهين، فمثلا إذا أهدى لك زيد هدية؛ قلت: يكرمني بالهدية، وإذا لم يهد إليك؛ لا تقول: أهانني، ولا أكرمني. انتهى. جمل.

الإعراب: {فَأَمَّا:} الفاء: حرف استئناف. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله:

{فَأَمَّا الْإِنْسانُ} قلت: اتصل بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ،} فكأنه قيل: إن الله تعالى لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، فأما الإنسان؛ فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة. انتهى. يعني بالتعلق من حيث المعنى. وفي كلامه نفحة اعتزالية واضحة.

(أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يكن من شيء. وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن.

{الْإِنْسانُ:} مبتدأ. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. {فَأَمَّا:} صلة. {اِبْتَلاهُ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {رَبُّهُ:} فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها، وجواب {إِذا} محذوف، لدلالة ما بعده عليه، والجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، والخبر، ومفاد كلام الجمل: أنّ {إِذا} ظرف مجرد عن الشرطية معلق بما بعده. فقد قال-رحمه الله تعالى-: والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية التأخير، كأنه قال: فأما الإنسان؛ فقائل:

ربي أكرمني وقت الابتلاء، وجملة:(أكرمه ونعمه) معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل جر مثلها.

ص: 581

{فَيَقُولُ:} الفاء: واقعة في جواب (أما). (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الْإِنْسانُ}. {رَبِّي:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَكْرَمَنِ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {رَبِّي} والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول

) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الإنسان. هذا؛ وقرئ بإثبات ياء المتكلم، وحذفها في الفعلين {أَكْرَمَنِ} و {أَهانَنِ،} ولا يخفى عليك أن النون تسكن في الوقف، ومثل ذلك قول الأعشى -وهو الشاهد رقم [129] من كتابنا:«فتح رب البرية» -: [المتقارب]

فهل يمنعنّي ارتيادي البلا

د من حذر الموت أن يأتين؟

ومن شانئ كاسف وجهه

إذا ما انتسبت له أنكرن

{وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16)}

الشرح: (قدر): ضيق. {عَلَيْهِ رِزْقَهُ:} أعطاه على قدر البالغة، والحاجة. {فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ} أي: أذلني بالفقر، وأولاني هوانا بسببه. وهذه صفة الكافر؛ الذي لا يؤمن بيوم القيامة، والجزاء فيه، وإنما الكرامة عنده، والهوان بكثرة حظوظ الدنيا، وقلتها. فأما المؤمن؛ فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه المؤدي إلى حظوظ الآخرة، وإن وسّع عليه في الدنيا؛ حمده، وشكره.

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: الآيتان صفة كل كافر، وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطنيه الله. وكذا إن قتر عليه يظن: أن ذلك لهوانه على الله. انتهى. وهذا ظن فاسد، وزعم كاذب، وخذ ما يلي:

فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «وإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحبّ، ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبّ. فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه» . من حديث ابن مسعود-رضي الله عنه.

وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب» . رواه الحاكم.

هذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته. قال:{اِبْتَلاهُ} في حالة الغنى، والسعة. وقال:{اِبْتَلاهُ} في حالة الفقر، والضيق. فهذا التصريح بأن الخير اختبار، وامتحان، والشر اختبار، وامتحان. كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [168]:{وَبَلَوْناهُمْ}

ص: 582

بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وقال في سورة (الأنبياء) رقم [35]: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ} . والصحة، والعافية، والمال، والولد، والجوارح كلها نعم، فهي ابتلاء، واختبار، وامتحان، والأمراض، والآفات، والمصائب، والمتاعب في الدنيا كلها ابتلاء، واختبار، وامتحان، وخذ ما يلي:

فعن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله عز وجل قال:

«يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبّون؛ حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون؛ احتسبوا، وصبروا، ولا حلم، ولا علم فقال: يا ربّ كيف يكون هذا؟! قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري. هذا؛ ولا أرى حاجة إلى إعراب الآية، فإن إعرابها مثل سابقتها بلا فارق مع ملاحظة أن المبتدأ محذوف، وجملة:{فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ} في محل رفع خبره، التقدير: وأما هو؛ أي: الإنسان

إلخ. هذا؛ والمقابلة واضحة بين الآيتين الكريمتين. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشر، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين:[الطويل]

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

فجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:

ابتليته، وبلوته. قاله النحاس.

{كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20)}

الشرح: {كَلاّ:} ردع، وزجر، وردّ لما يظنه الكافر، والفاجر، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر، والغنى، والعز، والذلة من تقدير العزيز العليم، وقضائه، وحكمه، وحكمته. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل:«كلاّ إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلّتها، إنّما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي» .

{بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ:} لا تحسنون إليه، ولا تعطونه حقّه من الميراث، فهو إخبار عن ما كانوا يصنعونه. فهو إضراب من قبيح إلى أقبح للترقي في ذمهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-:

نزلت في قدامة بن مظعون: كان يتيما في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقّه، ولا يعطيه ماله، وكانوا في الجاهلية لا يورثون أنثى، ولا صغيرا، بل ينفرد بالميراث الرجال المقاتلون، وكانوا يقولون: كيف نعطي أموالنا لمن لا يذود عنا، ولا يحمي حمانا؟!.

{وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:} ولا تحثون أنفسكم، وأهليكم، ومن يتصل بكم من أقاربكم، وأصدقائكم على إطعام الفقراء، والمساكين مما يفضل عنكم من أموالكم. هذا؛

ص: 583

وأصل الفعل: تتحاضون، فحذفت تاء المضارعة للتخفيف، وهو كثير مستعمل في القرآن الكريم، واللغة العربية، والفعل يدل على المفاعلة، وقرئ:«(تحضون)» ، وفي سورة (الحاقة):

{وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ} وكذا في سورة (الماعون) رقم [3].

{وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ:} ميراث اليتامى، والنساء، وأصله: الوراث فأبدلوا الواو تاء؛ لأنه من ورثت، كما قالوا في تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. {أَكْلاً لَمًّا} أي: شديدا، وأصل اللم، واللمم في الكلام العربي: الجمع الشديد. يقال: لممت الشيء ألمه لمّا إذا جمعته من هنا، وهناك. قال الحطيئة:[الطويل]

إذا كان لمّا يتبع الذّمّ أهله

فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا

أي: إذا كان الأكل ذا لم. وجمع بين ما يحمد، وما لا يحمد: فلا ينفك الذم عن صاحب الأكل يتبعه. ومنه يقال: لمّ الله شعثه. أي: جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة الذبياني: [الطويل]

ولست بمستبق أخا لا تلمّه

على شعت أيّ الرجال المهذّب؟

وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم؛ وهم عالمون بذلك، فيلمون في الأكل بين حرامه، وحلاله. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة، والأشربة، والفواكه، كما يفعل الورّاث البّطالون.

{وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا} أي: كثيرا، حلاله، وحرامه، والجم: الكثير، ومنه: جمّ الماء في الحوض: إذا اجتمع، وكثر. قال أبو خراش الهذلي-والصحيح: أنه لأمية بن أبي الصلت، وهو الشاهد رقم [446] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» -: [الرجز]

إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا

وأيّ عبد لك لا ألمّا؟

هذا؛ وتقرأ الأفعال الأربعة بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة في الأفعال السابقة إلى الخطاب هنا، كما تقرأ بالياء، وعليه فلا التفات.

تنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وكان حكم الإرث عندهم من بقايا شريعة إسماعيل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ أي: مما هو معلوم لهم، وثابت عندهم بطريق عادتهم، وغيروا، وبدلوا، فلا يقال: السورة مكية، وآية المواريث مدنية، ولا يعلم الحل، والحرمة إلا من الشرع. انتهى. بتصرف، إذا فالمراد توبيخهم، وتقريعهم على تحريفهم، وتبديلهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {كَلاّ:} حرف ردع وزجر. وانظر الآية رقم [16] من سورة (المدثر). {بَلْ:}

حرف إضراب. {كَلاّ:} نافية. {تُكْرِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه

ص: 584

من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، {الْيَتِيمَ:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و {طَعامِ} مضاف، و {الْمِسْكِينِ} مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله.

{أَكْلاً:} مفعول مطلق. {لَمًّا:} صفة له. {حُبًّا:} مفعول مطلق. {جَمًّا:} صفة له.

{كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)}

الشرح: {كَلاّ} أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فهو ردّ وزجر، وردع لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدكّ الأرض، ولا ينفع الندم. والمعنى:

ارتدعوا أيها الغافلون، وانزجروا عن ذلك، فإن أمامكم أهوالا عظيمة يوم القيامة، وذلك حين تزلزل الأرض، وتحرك تحريكا متتابعا. هذا؛ وفي المختار: الدكّ: الدقّ، وقد دكّه: إذا ضربه، وكسره، وسواه بالأرض. وبابه: ردّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة):{فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً} .

قال الأخفش: هي أرض دك، والجمع: دكوك. والآية الكريمة تفيد: أن الأرض يبدل شكلها، وهيئتها، كما قال تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ} رقم [48] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر ما ذكرته في سورة (الحاقة) رقم [14]، وفي سورة (النبأ) رقم [20].

الإعراب: {كَلاّ:} حرف ردع، وزجر. {إِذا:} انظر الآية رقم [15]. {دُكَّتِ:} فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. {الْأَرْضُ:} نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها، وجواب {إِذا} محذوف، يدل عليه الكلام الآتي، وهو {يَتَذَكَّرُ} وصحح السمين: أنه هو الخبر. {دَكًّا:} مفعول مطلق. {دَكًّا:} مفعول مطلق مؤكد لما قبله. وهما مصدران في موضع الحال على رأي: أبي حيان، والزمخشري، كقرأت الكتاب بابا بابا.

{وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (23)}

الشرح: {وَجاءَ رَبُّكَ} أي: أمره، وقضاؤه، وهو من باب حذف المضاف. وفي الجمل:

حصل تجليه على الخلائق، وظهر سلطانه، وقهره، وظهرت أهوال يوم الموقف، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر. وفي البيضاوي:{وَجاءَ رَبُّكَ} أي: ظهرت آيات قدرته، وآثار قهره، مثل ذلك، بما يظهر عند ظهور السلطان من آثار هيبته، وسياسته. {وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} أي: مصطفين صفوفا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [25]: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} أي: ينزلون بصحائف العباد إلى الأرض، وذلك لحساب الثقلين من الإنس والجن. قال ابن عباس-رضي

ص: 585

الله عنهما-: تتشقق سماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن، والإنس، ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر ممّن في سماء الدنيا، ثم كذلك؛ حتى تنشق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها، ثم ينزل الكروبيون، ثم حملة العرش، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار، والهرب.

{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ:} قال ابن مسعود، ومقاتل-رضي الله عنهما: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها» . وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: لمّا نزلت {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} تغيّر لون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف في وجهه؛ حتى اشتدّ على أصحابه، ثم قال:«أقرأني جبريل: {كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» }. قال علي-رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله! كيف يجاء بها؟ قال: «يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود كل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة، لو تركت؛ لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم، فتقول: مالي ومالك يا محمد! إن الله قد حرم لحمك علي؟ فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي!» .

هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [12]: {إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر الآية رقم [36] من سورة (النازعات). {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ} أي: الكافر، وما فرط فيه، ويتوب، ويتعظ. {وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى} أي: ومن أين له منفعة الذكرى؟! فلا بد من تقدير المضاف المذكور، وإلا فبين {يَتَذَكَّرُ} وبين {لَهُ الذِّكْرى} تناف، وتناقض، والمعنى ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى؛ وقد فات أوانها؟

الإعراب: {وَجاءَ:} الواو: حرف عطف. (جاء): فعل ماض. {رَبُّكَ:} فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وقد رأيت تقدير المضاف المحذوف في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{دُكَّتِ..} . إلخ فهي في محل جر مثلها. {وَالْمَلَكُ:} معطوف على ما قبله. {صَفًّا صَفًّا:} حالان، أو حال مركبة بمعنى: مصطفين. {وَجِيءَ:} الواو: حرف عطف. (جيء): فعل ماض مبني للمجهول، {يَوْمَئِذٍ:} ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تجيء. {بِجَهَنَّمَ:} متعلقان بالفعل: (جيء)

ص: 586

وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر أيضا.

{يَوْمَئِذٍ:} ظرف زمان متعلق بما بعده. وقيل: هو بدل من {إِذا} وهذا يصح إذا علقنا {إِذا} ب: {يَتَذَكَّرُ} . {يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ:} مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية جواب {إِذا،} لا محل لها، وهذا على مذهب سيبويه، وهو: أنّ العامل في المبدل منه هو العامل في البدل، ومذهب غيره: أن البدل على نية تكرار العامل. {وَأَنّى:} الواو: حرف استئناف. (أنى): اسم استفهام بمعنى: كيف؟ أو بمعنى: من أين؟ مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. {لَهُ:}

جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلقان بالذكرى.

{الذِّكْرى:} مبتدأ مؤخر مرفوع

إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يكون حالا. وانظر مثلها في سورة (الدخان) رقم [13] وفي سورة (محمد صلى الله عليه وسلم رقم [18].

{يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26)}

الشرح: {يَقُولُ..} . إلخ: أي: يقول الإنسان نادما، ومتحسرا: يا ليتني قدمت عملا صالحا ينفعني في آخرتي لحياتي الباقية! فهو يندم على ما كان سلف منه من المعاصي؛ إن كان عاصيا، ويود لو كان محسنا مطيعا ازداد من الطاعات، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن جبير بن نفير عن محمد بن عمرة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنّ عبدا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله؛ لحقره يوم القيامة، ولودّ: أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر، والثّواب». وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يموت إلا ندم» . قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألاّ يكون نزع» . رواه الترمذي، والبيهقي في الزهد.

هذا؛ وقال الزمخشري في الكشاف: وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم، ومعلقا بقصدهم، وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات، مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل البدع، والأهواء، وإلا فما معنى التحسر؟ انتهى. كشاف، وهذا مذهبه الاعتزالي، ومعتقده أن العبد يخلق أفعال نفسه باختياره، ويعني بقوله: أهل الأهواء والبدع أهل السنة، والغريب: أن أحمد بن المنير لم يصفعه كعادته عند ما يهوي، أو يهفو مثل هذه الهفوات.

وما أحراك أن تنظر قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [56]: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ،} والآية الأخيرة من سورة (المنافقون)، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [100]:{حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} وغير ذلك من الآيات.

ص: 587

{فَيَوْمَئِذٍ:} يوم القيامة. {لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ} أي: لا يعذب كعذاب الله أحد، فالضمير يعود إلى الله عز وجل، ومثله ما بعده، وهو قول ابن عباس، والحسن البصري-رضي الله عنهما.

انتهى. قرطبي. وفي مختصر ابن كثير: أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، وليس أحد أشد قبضا، ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، والظالمين. هذا؛ ويقرأ بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء، وعليه فالمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر، والمراد: إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا؛ لأجل إجرامه. فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير.

وقيل: إنه أمية بن خلف. حكاه الفراء. يعني: أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعيّن أحد.

والعذاب بمعنى التعذيب. والوثاق بمعنى: الإيثاق، فهما اسما مصدر، مثل: عطاء في قول القطامي-وهو الشاهد [531] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]

أكفرا بعد ردّ الموت عنّي

وبعد عطائك المئة الرّتاعا

هذا؛ والوثاق بفتح الواو، وكسرها: القيد، والحبل، ونحوه، والجمع: وثق، مثل: رباط، وربط. قال تعالى في سورة (محمد صلى الله عليه وسلم رقم [4]:{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ..} . إلخ.

هذا؛ وانظر شرح {أَحَداً} في الآية رقم [26] من سورة (الجن)، وشرح {يَوْمَئِذٍ} في سورة (المدثر) رقم [9].

الإعراب: {يَقُولُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الْإِنْسانُ}. {يا لَيْتَنِي:} (يا): حرف تنبيه وتحسر. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا هؤلاء، والأول أقوى. (ليتني):

حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. {قَدَّمْتُ:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول مقول، وجملة:

{يَقُولُ..} . إلخ بدل اشتمال من: {يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ،} أو هي مستأنفة استئنافا بيانيا وقعت جوابا عن سؤال نشأ منه، كأنه قيل: ماذا يقول عند تذكره؟ فقيل: يقول: يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه. انتهى. جمل نقلا عن أبي السعود. {لِحَياتِي:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.

{فَيَوْمَئِذٍ:} الفاء: حرف استئناف. (يومئذ): (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تقوم الساعة. {لا:} نافية. {يُعَذِّبُ:} فعل مضارع. {عَذابَهُ:} مفعول به، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، فهو مفعول مطلق، وهو على حذف مضاف، التقدير: لا يعذب مثل تعذيبه،

ص: 588

والهاء في محل جر بالإضافة. {أَحَدٌ:} فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

{يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (30)}

الشرح: لما ذكر الله حال من كانت همّته الدنيا، فاتهم الله في إغنائه، وإفقاره؛ ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلام لأمره، فاتكل عليه. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك كثيرا. انظر الآية رقم [36] من سورة (النبأ).

{يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} أي: الثابتة على الإيمان، والإيقان، المصدقة بما قال الله تعالى، الموقنة التي أيقنت بالله عز وجل، وخضعت لأمره، وطاعته، هي الراضية بقضاء الله. وقيل: هي الآمنة من عذاب الله. وقيل: هي المطمئنة بذكر الله. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [28]:

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ} . والراضية بقضاء الله: هي التي علمت، وأيقنت: أنّ ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقيل: هي المخلصة. وقيل: هي العارفة بالله؛ التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقال ابن زيد: المطمئنة؛ لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، والحشر. قيل: نزلت في الحمزة حين استشهد بأحد. وقيل: في خبيب ابن عدي الأنصاري؛ الذي صلبه أهل مكة. وقيل: في عثمان بن عفان حين اشترى بئر رومة.

وقيل: في أبي بكر، رضي الله عنهم أجمعين-. والأصح: أنها عامة في كل نفس مؤمنة مطمئنة؛ لأن هذه السورة مكية.

{اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ} أي: إلى ما وعد ربك من الخير العميم، والثواب المقيم. يقال لها ذلك عند خروجها من الدنيا. قال عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما: (إذا توفي العبد المؤمن؛ أرسل الله عز وجل إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح، وريحان، وربك عنك راض. فتخرج كأطيب ريح مسك، وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء، يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك إلا صلى عليها؛ حتى يؤتى بها الرحمن جل جلاله، فتسجد له، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه النفس، فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر، فيوسع عليه قبره، فسبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا طوله، وينبذ له الروح، والريحان فإن كان معه شيء من القرآن؛ كفاه نوره، وإن لم يكن؛ جعل له مثل نور الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس ينام، فلا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه.

ص: 589

وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين، وأرسل قطعة من بجاد؛ (أي: من كساء) أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم، وعذاب أليم، وربك عليك غضبان). وانظر الآية رقم [30] من سورة (فصلت).

{راضِيَةً مَرْضِيَّةً:} راضية بالثواب، مرضية عند الله، جامعة بين الوصفين، والمعنى قد رضيت عن الله، ورضي الله عنها، وأرضاها، مثل قوله تعالى في كثير من الآيات:{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وانظر النفس، ومراتبها في أول سورة (القيامة).

{فَادْخُلِي فِي عِبادِي} أي: انتظمي في سلكهم، أو مع عبادي، أو في زمرة المقربين. وفي الخازن، وغيره: أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [9]:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ،} وفي سورة (النمل) رقم [19] قوله تعالى حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:

{وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ} . {وَادْخُلِي جَنَّتِي} أي: معهم. هذا؛ وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي أمامة-رضي الله عنه-أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «قل: اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك» . هذا؛ وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: مات ابن عباس-رضي الله عنهما-بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر، لم ير على خلقه طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يدرى من تلاها:{يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} . انتهى. خازن، وقرطبي، ونسفي. والله أعلم، وأجل، وأكرم.

الإعراب: {يا أَيَّتُهَا:} (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيتها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. {النَّفْسُ:} بدل من (أيتها)، أو عطف بيان عليه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: يقول الله لها. {الْمُطْمَئِنَّةُ:} صفة {النَّفْسُ} . {اِرْجِعِي:} فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل مثله في: ارجعا، والمانع من ظهور السكون، الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: ارجعوا، والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مثل الجملة الندائية قبلها. {إِلى رَبِّكِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما،

ص: 590