الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة القلم
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة (ن والقلم) وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر-رضي الله عنهم.
وقال ابن عباس، وقتادة-رضي الله عنهما: بعضها مكي، وبعضها مدني. والمعتمد الأول، وهي ثنتان وخمسون آية، وثلاثمئة كلمة، وألف ومئتان وستة وخمسون حرفا. انتهى. خازن.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)}
الشرح: {ن:} لقد اختلف فيه، كما اختلف في جميع الحروف المفتتح فيها السور، فقيل: هو لوح من نور. وقيل: إن النون هو لقب لحوت عظيم. قال الكلبي، ومقاتل: اسمه البهموت، قال الراجز:[الرجز]
ما لي أراكم كلّكم سكوتا
…
والله ربّي خلق البهموتا
وذكر القرطبي، والخازن في وصف هذا الحوت أمورا لا يقرها العقل في هذه الأيام، فنكل علمها إلى الله تعالى، وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن النون هو الدواة التي يوضع فيها الحبر للكتابة ومنه قول الشاعر:
إذا ما الشّوق برّح بي إليهم
…
سقيت النّون بالدمع السّجام
أراد بالنون: الدواة. وعن ابن عباس أيضا: أن نونا حرف من حروف الرحمن. انتهى.
وهذا على اعتبار الاسم الكريم مؤلفا من: {الر} و {لَحْمَ} و {ن،} وقيل: هو مفتاح اسمه تعالى: نصير، وناصر. وقيل: هو اسم للسورة. وانظر ما قيل فيه من قراءات في أول سورة (ص). {وَالْقَلَمِ:} (القلم): هو القلم الذي كتب الله فيه الذكر، وهو قلم من نور، طوله كما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله القلم، فانشق نصفين، ثم قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه، وانظر اللوح المحفوظ في آخر سورة (البروج).
وروى الوليد بن مسلم قال: حدثنا مالك بن أنس، عن سميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة-رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أوّل ما خلق الله
القلم، ثمّ خلق النون، وهي الدواة، وذلك قوله تعالى:{ن وَالْقَلَمِ} ثم قال له: اكتب، قال:
وما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل، أو أجل، أو رزق، أو أثر.
فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثمّ ختم فم القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل، فقال الجبّار، ما خلقت خلقا أعجب إليّ منك، وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت! ولأنقصنّك فيمن أبغضت». قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكمل الناس عقلا أطوعهم لله، وأعملهم بطاعة الله» . وقيل: المراد به القلم المتداول بين أيدي الناس، أقسم الله به؛ لما فيه من البيان كاللسان، وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض، ومنه قول أبي الفتح البستي:[الطويل]
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم
…
وعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب عزّا ورفعة
…
مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم
وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة منها ما ذكرناه أعلاه.
{وَما يَسْطُرُونَ} أي: ما يكتبون، يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: أي: وما يكتب الناس، ويتفاهمون به. وقيل: المراد: ما سجله القلم في الذي أجراه الله بالقدر، حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام وعليه يكون الجمع، يعني: التعبير بواو الجماعة للتعظيم، لا للجمع، وانظر سورة (اقرأ) وما أذكره فيها.
{ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} . هذا رد لقولهم: {يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} رقم [6] من سورة (الحجر) والمعنى: إنك لا تكون مجنونا؛ وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة.
فنفى عنه الجنون. وقيل: معناه: ما أنت بمجنون، والنعمة لله. وهو كما يقال: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والأخلاق الحميدة، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة. وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة، فوجودها ينفي حصول الجنون. فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم:{إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،} ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الطور) رقم [29]:
{فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ} .
قال أبو عمرو الداني: فإن قيل: فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد، نحو (ص، ق، ن) حرفا، أو كلمة؟! قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قلت: كلمة لا حرفا، وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في الصورة، ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكوت عليها، منفردة منفصلة كانفراد الكلم، وانفصالها، فلذلك
سميت كلمات ولا حروفا. انتهى. أقول: يريد بالحرف الذي لا يسكت عليه، ولا ينفرد
…
إلخ حروف الجر، وحروف العطف، والنواصب، والجوازم، ونحوها.
الإعراب: {ن:} فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه ن. الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل ن. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب (ن).
{وَالْقَلَمِ:} جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقلم، وعلى اعتبار (ن) مقسما به فالقلم معطوف عليه. {وَما:} (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو وشيء يسطرونه. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله، التقدير: ومسطورهم، أو ومسطوراتهم.
{ما:} نافية حجازية تعمل عمل: «ليس» . {أَنْتَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم {ما} . {بِنِعْمَةِ:} جار ومجرور متعلقان ب: (مجنون)، أو متعلقان بمحذوف حال، والعامل فيها {بِمَجْنُونٍ} تقديره: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك، و (نعمة) مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {بِمَجْنُونٍ:} (الباء): حرف جر صلة. (مجنون): خبر {ما} منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:
{ما أَنْتَ..} . إلخ جواب القسم المأخوذ من: «أقسم بنون» على اعتباره مقسما به على وجه رأيته فيه، أو هي جواب للقسم الصريح من قوله:{وَالْقَلَمِ} وما عطف عليه.
تنبيه: نقل ابن هشام في المغني عن ابن الحاجب قوله: الباء {بِنِعْمَةِ} متعلقة بالنفي؛ إذ لو علقت ب: (مجنون) لأفاد نفي جنون خاص، وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله تعالى، وليس في الوجود جنون هو نعمة، ولا المراد نفي جنون خاص. انتهى. ملخصا. وهو كلام بديع إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يقدر: أن التعليق بفعل دل عليه النافي، أي: انتفى ذلك بنعمة ربك. انتهى. مغني بحروفه. هذا؛ وفي السمين قوله: (بنعمة ربك) فيه أوجه: أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم ما، وخبرها، ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة المذكور عليه، والتقدير: ونعمة ربك ما أنت بمجنون.
الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها (مجنون). والتقدير: ما أنت مجنونا حال كونك ملتبسا بنعمة ربك، قاله أبو البقاء، وعلى هذا، فهي حال لازمة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفارق هذه الحال. الثالث: أن الباء سببية، وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية، وهذا هو مقصود الآية الكريمة، والمعنى: انتفى عنك الجنون بسبب نعمة ربك عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. انتهى. جمل نقلا عن السمين، والمعتمد ما جريت عليه في الأول من الإعراب، وهو الموافق لما ذكره ابن هشام.
{وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}
الشرح: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً..} . إلخ: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع، ولا يبيد، على تبليغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى {غَيْرَ مَمْنُونٍ:} غير مقطوع، كقوله تعالى في كثير من الآيات:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} سورة (التين) وغيرها، وكقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} رقم [108]. ولا تنس التأكيد ب: (إنّ) ولام الابتداء. وقيل: معنى {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مكدر عليك بسبب المنة. وخذ قول لبيد-رضي الله عنه في معلقته رقم [38] انظر شرحه هناك فإنه جيد والحمد لله: [الكامل]
لمعفّر قهد تنازع شلوه
…
غبس كواسب لا يمنّ طعامها
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ:} وهذا كالتفسير لقوله: {ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، كانت ظاهرة عليه، ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه، ولما كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة حميدة، وأفعاله المرضية الجميلة وافرة؛ وصفها الله تعالى بأنها عظيمة. وحقيقة الخلق: قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، ولقد أحسن القائل:[الطويل]
إذا الله أثنى بالّذي هو أهله
…
عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟
هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة استعارة تبعية بالحرف، فقد شبه الله تعالى تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى، والأخلاق الكريمة، والثبوت عليها بتمكن من علا دابة، يصرفها كيف يشاء، بجامع التمكن، والاستقرار في كلّ، فسرى التشبيه من الكليّات للجزئيات، التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ (على) الموضوع للاستعلاء الحسي للارتباط، والاستعلاء المعنوي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [24]:{وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} . وخذ قول الشاعر: [السريع]
لسنا وإن أحسابنا كرمت
…
يوما على الأحساب نتّكل
هذا؛ ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح، والبخل، والتشديد في المعاملات، ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول، والفعل، والبذل، وحسن الأدب، والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب، والتساهل في جميع الأمور، والتسامح بما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع، والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى، والأدنى مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر. فهذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال. ولقد كان جميع ذلك في رسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا؛ وصفه الله تعالى بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: معناه: على دين عظيم، لا دين أحب إليّ، ولا أرضى عندي منه. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: سألت عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها-فقلت لها: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن.
ومثله عن سعيد بن هشام برواية ابن جرير الطبري. ومعنى هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن سجية له، وخلقا، فكل شيء أمر القرآن به فعله، وكل شيء نهى عنه تركه.
أقول: كلمة عائشة المتقدمة تنم عن ذكائها، وشدة فطنتها، وكمال معرفتها بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم تقل: كان رسول الله كذا. وأخلاقه كذا، وإنما قالت باختصار:(كان خلقه القرآن) ولما سمع كفار قريش الآيات، وما تضمنته من الإيجاز، والتأكيدات ب:(إنّ) ولام الابتداء، والقسم باثنين، أو بثلاثة حسبما رأيت فيما تقدم، وإجابة القسم بثلاثة أشياء: نفي الجنون عنه صلى الله عليه وسلم، وثبوت الأجر له، وكونه على جانب عظيم من مكارم الأخلاق؛ دهشوا، وتعجبوا من تكريم الله لنبيه، ووصفه له بما ذكره، وهم فرسان البلاغة، والفصاحة، فرجعوا إلى أنفسهم، واستعرضوا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العطرة من نشأته إلى شبابه، إلى كهولته، إلى أن اختاره الله هاديا للناس، فلم يجربوا عليه شيئا مخلا بمكارم الأخلاق، فأذعنوا، ثم نكسوا على رؤوسهم، كما نكس قوم إبراهيم عليه السلام.
وخذ ما يلي: فعن جابر-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأعمال» . وعن أنس-رضي الله عنه-قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته! وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزّا، ولا حريرا، ولا شيئا كان ألين من كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا، ولا عطرا، كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
وعن أنس أيضا؛ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزع يده من يده؛ حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه؛ حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له). أخرجه الترمذي.
وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما قطّ، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قطّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قطّ إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما؛ إلا أن يكون إثما، فإذا كان إثم كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه؛ إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله عز وجل. أخرجه الإمام أحمد.
وعن أنس-رضي الله عنه-قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ، فجبذه جبذة شديدة؛ حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فليس المال
مالك، ولا مال أبيك، فقال:«صدقت! ليس المال مالي، ولا مال أبي، وإنما هو مال الله، ولكن يا أعرابيّ يجب أن أقتصّ منك قبل أن أعطيك!» . فقال: لا ورب محمد! فقال: «ولم؟» . قال:
لأني أعلم أنك لا تقابل السيئة بالسيئة، ولكن تقابل السيئة بالحسنة! فتبسم صلى الله عليه وسلم، وأمر له بعطاء.
وقد ترك لنا الرسول صلى الله عليه وسلم نبذة من أحاديثه الشريفة تحث على التحلّي بمكارم الأخلاق، من ذلك ما رواه أبو الدرداء-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم، والقائم» . رواه أبو داود، وعنها أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله» . أخرجه الترمذي، والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن.
وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن رب العزة قال:«إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه» . رواه الطبراني في الأوسط. والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة في:
«الترغيب والترهيب» وغيره، والشعر العربي طافح بذلك. ويجدر بي أن أقول: إن التحلّي بمكارم الأخلاق له محال، ومواضع، والسفه، والطيش، والجهل، له محال، ومواضع، فالرسول صلى الله عليه وسلم عفا عمن يستحق العفو، والتسامح. وقتل أبا عزة الجمحي، والنضر بن الحارث لعدم استحقاقهما العفو، والتسامح، وقد أعجب صلى الله عليه وسلم كل الإعجاب بقول النابغة الجعدي، ودعا له بقوله:«لا يفضض الله فاك» . وهو ما يلي: [الطويل]
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
…
بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
…
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
الإعراب: {وَإِنَّ:} (الواو) حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. {لَكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم. {لَأَجْراً:} (اللام): لام الابتداء. (أجرا): اسم (إنّ) مؤخر.
{غَيْرَ:} صفة (أجرا) وهو مضاف، و {مَمْنُونٍ} مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَإِنَّكَ:} الواو: حرف عطف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
{لَعَلى:} (اللام): هي المزحلقة. (على خلق): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). {عَظِيمٍ:} صفة (خلق) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا؛ لأن الجمل الثلاث جواب القسم.
{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)}
الشرح: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ:} المعنى فستعلم يا محمد، ويعلمون؛ أي: كفار قريش. قاله ابن عباس-رضي الله عنهما-وهذا حين يرون العذاب، ويتميز الحق من الباطل. وقيل: في
الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام، واستيلائك عليهم بالقتل، والأسر، واستلاب أموالهم.
وهذا؛ وعد للرسول صلى الله عليه وسلم، ووعيد لكفار قريش، وهذا كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [26]:
{سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ} وهذا التهديد، وهذا الوعيد تجده في أول سورة (النبأ)، وفي سورة (التكاثر).
{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أي: أيكم فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم عن الهدى؟ ومعنى {الْمَفْتُونُ} هو الذي قد فتن عن الحق، وضل عنه. وقال القرطبي: أي:
الذي فتن بالجنون. وقيل: {الْمَفْتُونُ} الشيطان الذي فتن بالجنون. وليس بشيء. والحق: أن المفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، وأبعده عن طاعة الله، ورحمته.
الإعراب: {فَسَتُبْصِرُ:} (الفاء): حرف استئناف. (السين): حرف تنفيس، واستقبال.
(تبصر): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
{وَيُبْصِرُونَ:} الواو: حرف عطف. (يبصرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكلا الفعلين معلق عن العمل بسبب الاستفهام على التنازع. {بِأَيِّكُمُ:} (الباء): حرف جر صلة. (أيكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، وإلى هذا ذهب قتادة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ؛ إلا في بحسبك فقط. {الْمَفْتُونُ:} خبره، وهذا وجه للإعراب، والوجه الثاني: اعتبار {بِأَيِّكُمُ} جار ومجرور متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. {الْمَفْتُونُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية على الوجهين في محل نصب مفعول به لأحد الفعلين السابقين على التنازع.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)}
الشرح: معنى الآية الكريمة: إن كفار قريش رموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، والضلال، ووصفوا أنفسهم بالعقل، والهداية، فأخبر الله تعالى: أنه هو العالم بالفريقين: الضال، والمهتدي، والمجنون، والعاقل، وهو تعليل لما قبله، وتأكيد للوعد، والوعيد، كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة، لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم، ويسعدهم. ويؤيد هذا ما روي: أنه مر على مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم رجل معتوه، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: هذا مجنون، فقال صلى الله عليه وسلم:«هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله» . هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النجم) رقم [30]: {ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى} . هذا؛ و {أَعْلَمُ} هنا، وهناك بمعنى:
عالم، وليس على بابه من التفضيل، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [112] من كتابنا:«فتح رب البرية» -: [الكامل]
إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا
…
بيتا دعائمه أعزّ وأطول
إذ المعنى: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشنفرى الأزدي-وهو الشاهد رقم [965] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن
…
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {رَبَّكَ:} اسم {إِنَّ،} والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {أَعْلَمُ:} خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر {إِنَّ،} وإن اعتبرت {هُوَ} ضمير فصل ف: {أَعْلَمُ} يكون خبر {إِنَّ} . والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. {بِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَعْلَمُ،} و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.
{ضَلَّ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية:{وَهُوَ أَعْلَمُ} معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، ويجوز اعتبارها في محل نصب حال من فاعل {أَعْلَمُ} المستتر، والأول أقوى. {بِالْمُهْتَدِينَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَعْلَمُ} .
{فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)}
الشرح: {فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} أي: فلا تطع رؤساء الكفر والضلال فيما يدعونك إليه، وقد كذبوا برسالتك، وحاربوا دعوتك. وكانوا قد دعوه إلى الرجوع إلى دين آبائه وأجداده، فنهاه الله أن يطيعهم. وهذا من الله إلهاب، وتهييج للتشدد في مخالفتهم. {وَدُّوا:} أحبوا، وأرادوا. {لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ:} أصل الإدهان: اللين، والمصانعة، والمقاربة في الكلام. وقيل: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره: إذا خان فيه، وأظهر خلاف ما أبطن. ومعنى الآية: أنهم تمنوا أن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضوانه مصانعة لهم، فيفعلوا مثل ذلك، ويتركوا بعض ما لا ترضى به، فتلين لهم، ويلينون لك. هذا؛ والمشهور: أن رهطا من قريش أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا محمد هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «معاذ الله أن أشرك به غيره!». قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك! قال:«حتى أنظر ما يأتي من ربي» ، فأنزل الله:{قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..} . إلخ السورة بكاملها.