الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الزّلزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة (الزلزلة) مدنية في قول ابن عباس-رضي الله عنهما-ومكية في قول ابن مسعود، وعطاء، وجابر-رضي الله عنهم-وهي ثمان آيات، وخمس، وثلاثون كلمة، ومئة، وتسعة، وأربعون حرفا. وهذه السورة فضلها كثير، وتحتوي على عظيم. روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ: {إِذا زُلْزِلَتِ} عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ} عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} عدلت له بثلث القرآن» . وقال: حديث غريب.
وروى عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه-قال: لما نزلت {إِذا زُلْزِلَتِ..} . إلخ؛ بكى أبو بكر رضي الله عنه-فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أنكم تخطئون، وتذنبون، ويغفر الله لكم؛ لخلق الله أمة يخطئون، ويذنبون، فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرّحيم» .
وعن أنس بن مالك-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان؟» . قال: لا والله يا رسول الله! ولا عندي ما أتزوج به! قال: «أليس معك قل هو الله أحد؟» . قال: بلى! قال: «ثلث القرآن» . قال: «أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟» .
قال: بلى! قال: «ربع القرآن» . قال: «أليس معك يا أيّها الكافرون؟» . قال: بلى! قال: «ربع القرآن» . قال: «أليس معك إذا زلزلت الأرض؟» . قال: بلى. قال: «ربع القرآن تزوّج» . أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في سورة (الكافرون).
بسم الله الرحمن الرحيم
الشرح: {إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها} أي: تحركت حركة شديدة، واضطربت، وذلك عند قيام الساعة. قيل: تزلزلت من شدة صوت إسرافيل؛ حتى يتكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة، ولا تسكن؛ حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، وشجر، وبناء. وفي وقت هذه الزلزلة قولان:
أحدهما، (وهو قول الأكثرين): أنها في الدنيا، وهي من أشراط الساعة. والثاني: أنها زلزلة
يوم القيامة. ويعين القول الثاني قوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها} فإن الإخراج إنما هو في النفخة الثانية، وكذا شهادتها بما وقع عليها إنما هو بعد النفخة الثانية، وكذلك انصراف الناس من الموقف إنما يكون بعد الثانية. تأمل. انتهى. جمل. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [1]:{إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} . هذا؛ و {زِلْزالَها} بكسر الزاي ويقرأ بفتحها مثل:
{الْوَسْواسِ} ونحوه.
{وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها:} إظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، فمن قال: إن الزلزلة تكون في الدنيا؛ قال: {أَثْقالَها:} كنوزها، وما في باطنها من الدفائن، والأموال، فتلقيها على ظهرها. يدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب، والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئا» . أخرجه مسلم.
والأفلاذ: جمع فلذة، وهي القطعة المستطيلة، شبه ما يخرج من باطنها بأقطاع كبدها؛ لأن الكبد مستور في الجوف، وإنما خص الكبد؛ لأنها من أطيب ما يشوى عند العرب من الجذور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن الزلزلة تكون يوم القيامة؛ قال:{أَثْقالَها:} الموتى، فتخرجهم إلى ظهرها. قيل: إن الميت إذا كان في باطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، ومنه قيل للإنس، والجن: الثقلان؛ لأن الأرض تثقل بهم أحياء، وأمواتا، قالت الخنساء-رضي الله عنها:[المتقارب]
أبعد ابن عمرو من آل الشّر
…
يد حلّت به الأرض أثقالها؟
هذا؛ ووصافات الأرض بالإخراج توسعا، ومجازا، وفي الحقيقة: أن المخرج لما ذكر هو الله تعالى. وانظر قوله تعالى في سورة (الانشقاق): {وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ} .
{وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها} أي: ما لها تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! وفي الإنسان وجهان: أحدهما: أنه اسم جنس، يعم المؤمن، والكافر. وهذا على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، والمعنى: أنها حين وقعت لم يعلم الكافر: أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك. والثاني: اسم للكافر خاصة، وهذا على قول من جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن عارف بها، فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت؛ سأل عنها، انتهى. خازن.
وجملة القول: إن الناس يستنكرون أمر الأرض بعد أن كانت قارة ساكنة ثابتة؛ وهم مستقرون على ظهرها؛ حيث تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين، والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ}
الْواحِدِ الْقَهّارِ رقم [48] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام انتهى. مختصر ابن كثير.
بعد هذا، فإن الكافر يقول كما حكى الله قوله:{مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} سورة (يس) رقم [52]. وأما المؤمن فإنه يقول كما حكى الله قوله: {هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} رقم [52] من سورة (يس) والله أعلم بمراده، ولا تنس: أن التعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع.
الإعراب: {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. {زُلْزِلَتِ:} فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، {الْأَرْضُ:} نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها على المشهور المرجوح. {زِلْزالَها:} مفعول مطلق، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وحسن إضافة المصدر للضمير؛ لتتفق رؤوس الآي على لفظ واحد. {وَأَخْرَجَتِ:}
الواو: حرف عطف. (أخرجت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. {الْأَرْضُ:} فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {أَثْقالَها:} مفعول به، و (ها) في محل جر بالإضافة. {وَقالَ الْإِنْسانُ:} ماض، وفاعله. {ما:} اسم استفهام، وتعجب مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لَها:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (5)}
الشرح: {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم تخرج الأرض أثقالها. {تُحَدِّثُ أَخْبارَها} أي: إن الأرض تحدث؛ أي: تشهد بكل ما عمل العبد على ظهرها من خير، أو شر، فتشكو العاصي، وتشهد عليه، وتشكر الطائع، وتشهد له. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه؛ قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها} قال: «أتدرون ما أخبارها؟» . قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:
«فإنّ أخبارها أن تشهد على كلّ عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا، وكذا» .
رواه أحمد، والترمذي، وصححه. وكذا الحاكم، وغيره.
وعن ربيعة الجرشي-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا؛ ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء، فإنّ خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض، فإنها أمّكم، وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا، أو شرا إلاّ وهي مخبرة به» . رواه الطبراني في الكبير.
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها:} أمرها بالكلام، وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس-رضي الله عنهما:{أَوْحى لَها} قيل: إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق؛ حتى تخبر بما أمر الله به. وهذا مذهب أهل السنة، انتهى. خازن.
وقال الجمل: الظاهر: أنه تحديث، وكلام حقيقي بأن يخلق الله فيها حياة، وإدراكا فتشهد بما عمل عليها من صالح، وطالح. وقيل: التحديث مجاز عن إحداث الله فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [11] من سورة (فصلت)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
{يَوْمَئِذٍ:} التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية؛ أي: يوم تخرج الأرض أثقالها، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في:
حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، و (إذ) في الأصل ظرف لما مضى من الزمان. وأتت في هذه الآية والتي بعدها لما يستقبل بدليل قوله تعالى قبلهما:{إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} .
الإعراب: {يَوْمَئِذٍ:} بدل من {إِذا،} والعامل فيه هو العامل في المبدل منه. وأجاز الزمخشري تعليقه بما بعده، و (إذ) مبني على السكون في محل جر بالإضافة. {تُحَدِّثُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر يعود إلى {الْأَرْضُ}. {أَخْبارَها:} مفعول به، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (إذ) لا محل لها. {بِأَنَّ:} الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. {رَبَّكَ:} اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَوْحى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى {رَبَّكَ}. {لَها:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل {تُحَدِّثُ،} وأجاز الزمخشري اعتبارهما بدلا من {أَخْبارَها} كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها.
هذا؛ والفعل حدث، يحدث يتعدى إلى مفعولين: الأول منهما محذوف، التقدير: تحدث الناس. والثاني {أَخْبارَها} ويتعدى للثاني تارة بنفسه كما هنا، وتارة بحرف الجر، تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6)}
الشرح: {يَوْمَئِذٍ:} يوم تقع الزلزلة، وتخرج الأرض أثقالها. {يَصْدُرُ النّاسُ:}
ينصرفون من موقف الحساب بعد العرض. {أَشْتاتاً:} متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار، وأشتاتا جمع: شتّ. {لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ} يعني: ثواب أعمالهم.
وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا؛ فيقول: لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك؛ يقول: لم لا نزعت عن المعاصي؟»
وهذا عند معاينة الثواب، والعقاب. هذا؛ وقيل: هذا الصدور إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتا من القبور، فيصار بهم إلى موقف الحساب؛ ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فكأنهم وردوا القبور. فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها. والوارد الجائي، والصادر:
المنصرف. هذا؛ وقيل: {أَشْتاتاً} بيض الوجوه، آمنين، وسود الوجوه فزعين.
الإعراب: {يَوْمَئِذٍ:} بدل من سابقه، أو هو منصوب ب:{يَصْدُرُ} بعده، أو هو متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. {يَصْدُرُ:} مضارع. {النّاسُ:} فاعله. {أَشْتاتاً:} حال من الناس.
والجملة الفعلية فيها معنى البدلية من جملة: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها} فهي من جملة جواب {إِذا} .
{لِيُرَوْا:} فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. {أَعْمالَهُمْ:} مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل {يَصْدُرُ} .
الشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآيتان في رجلين، وذلك: أنه لما نزل قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ..} . إلخ رقم [4] من سورة (الدهر) كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة، والكسرة، والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة، والغيبة، والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر. فنزلت لترغيبهم في القليل من الخير يعطونه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر. وقاله سعيد بن جبير-رضي الله عنه. والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. وقال ابن مسعود-رضي الله عنه: هذه الآية أحكم آية في القرآن، وأصدق، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آيتان أحصتا ما في التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف:{فَمَنْ يَعْمَلْ..} . إلخ.
وكان ابن عباس-رضي الله عنهما-يقول: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر؛ عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة؛ إذا مات، ويتجاوز الله عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [40]:{إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} وهذا إذا كانت من مؤمن.
وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-أيضا: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا كان، أو شرا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن؛ فيغفر له سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر؛ فترد حسناته تحسرا، ويعذب بسيئاته. وهذا الاحتمال يساعده النظم، والمعنى. وما قيل من أن حسنات الكافر تؤثر في نقص العقاب يردّه قوله تعالى:{وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً} الآية رقم [23] من سورة (الفرقان) انظر شرحها هناك، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.
وقال محمد بن كعب القرظي-رضي الله عنه: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه، وماله، وأهله، وولده؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله خير.
ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وولده، وأهله؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله شر. دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس رضي الله عنه-أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر-رضي الله عنه-يأكل، فأمسك، وقال: يا رسول الله! وإنا لنرى ما عملنا من خير، وشرّ؟ قال:«ما رأيت ممّا تكره؛ فهو مثاقيل ذرّ الشرّ، ويدّخر لكم مثاقيل ذرّ الخير؛ حتى تعطوه يوم القيامة» . وخذ ما يلي.
وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: «الجامعة الفاذة» حين سئل عن زكاة الحمير، فقال: ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..} . إلخ وكان هذا السؤال حين ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمير فقط؛ لأنهم لم يكن عندهم بغل يومئذ، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الدلدل؛ التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية. هذا؛ وفي صحيح البخاري عن عدي-رضي الله عنه-مرفوعا:«اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، ولو بكلمة طيبة» . وله أيضا في الصحيح: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تلقى أخاك؛ ووجهك إليه منبسط» . أخرجه البخاري. وفي الصحيح أيضا: «يا نساء المسلمات! لا تحقرنّ جارة لجارتها؛ ولو فرسن شاة» . يعني: ظلفها. أخرجه البخاري. وفي حديث آخر «ردّوا السائل ولو بظلف محرق» . وعن عائشة-رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدّها من الشبعان» . أخرجه الإمام أحمد، هذا كله بالنسبة لعمل الخير القليل.
وأما بالنسبة لعمل الشر القليل فخذ ما يلي: فقد روي عن سعد بن جنادة-رضي الله عنه قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين؛ نزلنا قفرا من الأرض، ليس فيها شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اجمعوا، من وجد شيئا؛ فليأت به، ومن وجد عظما، أو سنا؛ فليأت به» . قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، فلا يذنب صغيرة، ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه» . أي:
معدودة مسجلة عليه. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [50]: {وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} . وعن أنس-رضي الله عنه-قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، كنا نعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. رواه البخاري، وغيره. وانظر ما ذكرته في سورة (النجم) رقم [52 و 53] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين الآيتين الكريمتين، وهي من المحسنات البديعية.
هذا؛ و (الذرة) النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس الداخل إلى بيت مظلم من الهباء، وروي: أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ..}. إلخ فقال صعصعة: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة خيرا؛ رأيته، وإن عملت مثقال ذرة شرا؛ رأيته.
طرفة: يحكى: أن أعرابيا قرأ سورة (الزلزلة) فأخر {خَيْراً يَرَهُ} وقدم {شَرًّا يَرَهُ} فقيل له: قدمت، وأخرت، فقال:[الطويل]
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه
…
كلا جانبي هرشى لهنّ طريق
هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان. فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {فَمَنْ:} الفاء: حرف استئناف، وتفريع، وتفصيل ل:(يروا). (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَعْمَلْ:} فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). {مِثْقالَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {ذَرَّةٍ} مضاف إليه. {خَيْراً:} تمييز؛ لأنه بعد الوزن منصوبا. وقيل: بدل من {مِثْقالَ} . {يَرَهُ:} مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الزلزلة) شرحا، وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.