المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة التّكوير بسم الله الرحمن الرحيم سورة (التكوير) مكية في قول الجميع، - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ١٠

[محمد علي طه الدرة]

فهرس الكتاب

- ‌سورة التّحريم

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الملك

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القلم

- ‌فائدة:

- ‌سورة الحاقّة

- ‌خاتمة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الجنّ

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة المزّمّل

- ‌سورة المدّثر

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الإنسان

- ‌فائدة:

- ‌سورة المرسلات

- ‌سورة النّبإ

- ‌سورة النّازعات

- ‌فائدة:

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التّكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطفّفين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البروج

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌سورة الطّارق

- ‌تنبيه: بل خاتمة:

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌فائدة:

- ‌سورة البلد

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الشمس

- ‌تنبيه، وخاتمة:

- ‌سورة الليل

- ‌تنبيه بل فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الضّحى

- ‌سورة الشرح

- ‌سورة التّين

- ‌فائدة:

- ‌سورة العلق

- ‌الشرح

- ‌خاتمة:

- ‌سورة القدر

- ‌سورة البيّنة

- ‌فائدة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة الكافرون

- ‌فائدة:

- ‌سورة النّصر

- ‌سورة المسد

- ‌‌‌فائدةبل طرفة:

- ‌فائدة

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة النّاس

- ‌خاتمة

- ‌ترجمة موجزة للشيخ المفسر النحويمحمد علي طه الدرة رحمه الله تعالى1340 -1428 هـ-1923 - 2007 م

- ‌حليته وشمائله:

- ‌مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة:

الفصل: ‌ ‌سورة التّكوير بسم الله الرحمن الرحيم سورة (التكوير) مكية في قول الجميع،

‌سورة التّكوير

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة (التكوير) مكية في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية، ومئة وأربع كلمات، وخمسمئة وثلاثون حرفا. وفي الترمذي عن ابن عمر-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي العين، فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} و {*إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،} و {إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» }. قال: هذا حديث حسن غريب. هذا؛ وذكرت في أول سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنّ ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال أبو بكر-رضي الله عنه-يا رسول الله! قد شبت! قال: «شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» }. أخرجه الترمذي. وقال:

حديث حسن غريب. وفي رواية غيره؛ قال: قلت: (يا رسول الله! عجّل إليك الشيب، قال:

«شيّبتني (هود) وأخواتها: (الحاقة) و (الواقعة)، و {عَمَّ يَتَساءَلُونَ} و {هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ» }.

قال بعض العلماء: سبب شيبه صلى الله عليه وسلم من هذه السور المذكورة في الحديث، لما فيها من ذكر القيامة، والبعث، والحساب، والجنة والنار. والله أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6)}

الشرح: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أظلمت، وغورت.

وقيل: اضمحلت، وذهبت. قال ابن كثير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى:{كُوِّرَتْ} جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت، فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك؛ ذهب ضوءها. روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أنه قال: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث ريحا دبورا، فتضرمها نارا. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة» . أخرجه البخاري. هذا؛ وفي المصباح:

كار العمامة كورا من باب: قال، والجمع: أكوار، مثل: ثوب، وأثواب.

ص: 463

{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ:} انتثرت، مثل قوله تعالى في سورة (الانفطار):{وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ} وعن ابن عباس-رضي الله عنهما: تساقطت، وتغيرت، فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها.

انتهى. قال القرطبي: وذلك: أنها قناديل معلقة بين السماء، والأرض، بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى؛ مات من في الأرض، ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب، وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. هذا؛ وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. هذا؛ والأصل في الانكدار: الانصباب. وقال أبو عبيدة: انكدرت انصبت، كما تنصب العقاب إذا كسرت. قال العجاج يصف صقرا:[الرجز]

أبصر حرمات فلاة فانكدر

تقضّي البازي إذا البازي كسر

{وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ} يعني: قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [47]:{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً} وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [20] ففيها الشفاء الكافي لقلبك. والحمد لله.

{وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ:} النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها:

عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وبعدما تضع أيضا، ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه، وقد قرح: هاتوا مهري، وقربوا مهري يسميه باسمه المتقدم. قال عنترة:[الكامل]

لا تذكري مهري وما أطعمته

فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [2]: {وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ..} . إلخ، وقال جل ذكره فيها أيضا رقم [5]:{وَابْتَلُوا الْيَتامى..} . إلخ فإن فيها الدواء الشافي لقلبك، والفضل لله.

وإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها أعز ما تكون عند العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولا غيرها، ولكن أراد به المثل. فإذا كان يوم القيامة عطلت، وتركت هملا بلا راع، أهملها أهلها، وقد كانوا ملازمين لأذنابها، ولم يكن مال أعجب إليهم منها؛ لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. هذا؛ ويقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، ونوق عشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا على القاعدة في تثنية الممدود، وجمعه. وهي أنفس ما يكون عند أهلها، روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق. فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا؛ فلم لا تنظر إليها؟! فقال:

«قد نهاني الله عن ذلك» . ثم تلا: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا..} . إلخ. الآية رقم [88]: من سورة (الحجر)، ورقم [131]: من سورة (طه).

ص: 464

{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي: جمعت، والحشر: الجمع. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. وقال: تحشر الوحوش غدا؛ أي: تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا، فتموت، انظر ما ذكرته في آخر سورة (النبأ) رقم [40]. وقيل: المعنى: أن الوحوش مع نفرتها اليوم من الناس، وتنددها في الصحارى تجمع غدا، وتضم إلى الناس من أهوال ذلك اليوم.

{وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أوقدت، فصارت نارا تضطرم.

وقيل: فجر بعضها في بعض، العذب، والملح؛ حتى صارت البحار كلها بحرا واحدا. وقيل:

صارت مياهها من حميم أهل النار. وقيل: سجرت؛ أي: يبست، وذهب ماؤها، فلم تبق فيها قطرة، انظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [6]: والفضل لله العلي القدير.

قال أبي بن كعب-رضي الله عنه: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم؛ إذ ذهب ضوء الشمس، وبدت النجوم، فتحيروا، ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك؛ إذ وقعت الجبال على الأرض، وتساقطت فتحركت، واضطربت، واحترقت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدواب، والطير، والوحش، وماج بعضهم ببعض، فذلك قوله تعالى:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ} فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر؛ فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك؛ إذ جاءتهم ريح، فأماتتهم. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: هي اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه، وهو قوله تعالى:{وَإِذَا النُّفُوسُ..} . إلخ والله أعلم بمراده.

الإعراب: {إِذَا:} ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {الشَّمْسُ:} نائب فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهذا عند البصريين، وعند الكوفيين فيه ثلاثة أوجه: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: اعتبار {الشَّمْسُ} نائب فاعل مقدما. والثالث: اعتبار {الشَّمْسُ} مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره. انظر الشاهد رقم [990]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ، والكلام عليه فإنه جيد جدا؛ والحمد الله. {كُوِّرَتْ:} فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل لها، ونائب الفاعل يعود إلى {الشَّمْسُ،} والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على مذهب البصريين، وهو المعتمد في هذه المسألة، والفعل المحذوف، وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة {إِذَا} إليها على المشهور المرجوح، وكل الجمل الآتية إعرابها مثلها، وهي جمل متعاطفة، وجواب الجميع قوله تعالى:{عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ} ولا تنس: أن الأسماء المتقدمة، بعضها فاعل، وبعضها نائب فاعل.

ص: 465

{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14)}

الشرح: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ:} قال النعمان بن بشير-رضي الله عنهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله» . وقال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه:

يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة: السابقون زوج، وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الواقعة):{وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً} . وقيل: يلحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهود، والنصراني بالنصارى. وقيل: زوجت النفوس بأعمالها؛ أي: قرنت.

وقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين والمنافقين والفاسقين بالشياطين. قال تعالى في سورة (الصافات):{اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللهِ} . هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [2]: من سورة (القيامة).

{وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ:} الموءودة: المقتولة، وهي الأنثى التي دفنت؛ وهي حية. سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيؤودها؛ أي: يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة. وروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها قد قرب؛ حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية؛ رمت بها في الحفيرة، وردت التراب عليها، وإذا ولدت غلاما؛ حبسته. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها حية ألبسها جبة صوف، أو شعر، وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا أراد تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال: لأمها طيبيها، وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، فإذا نظرت فيها دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب؛ حتى تسوى بالأرض، انظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [58] وما بعدها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [140]. هذا؛ وكان ذوو الشرف من العرب يمتنعون من وأد البنات، ويمنعون منه حتى افتخر به الفرزدق، فقال:[المتقارب]

وجدّي الّذي منع الوائدات

فأحيا الوئيد فلم توأد

يريد جده صعصعة، كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام، وقد أحيا صعصعة سبعين موءودة. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله:{وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ} .

ص: 466

هذا؛ وجاء قيس بن عاصم المنقري-رضي الله عنه-إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة» . قال:

يا رسول الله! إني صاحب إبل. قال: «فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت» . هذا؛ وقوله تعالى: {سُئِلَتْ} سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل؛ إذا ضرب: لم ضربت، وما ذنبك؟! هذا؛ ويقرأ:«(وإذا الموءودة سألت)» . وعليه فالمعنى: تتعلق الجارية بأبيها، فتقول:

بأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر. وختاما: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفيه دليل بيّن على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.

{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير، وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، ولو كان في الدنيا لم يقرأ، ولم يكتب، ومهما كانت لغته، فيقال له:{اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} الآية رقم [14] من سورة (الإسراء). فعند ذلك يقول، كما حكى الله:{وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها} رقم [49]: من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ: (نشرت) بتشديد الشين، وتخفيفها.

{وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ} أي: نزعت، وطويت. وقيل: قلعت كما يقلع السقف. وقيل: كشفت، وأزيلت عمن فيها. انتهى. خازن. وقال القرطبي: الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط، ككشط الجلد عن الكبش، وغيره، والقشط: لغة فيه، وقرئ بالقاف، وهي قراءة شاذة، فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: تطوى كما قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} الآية رقم [104]: من سورة (الأنبياء).

{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ:} أوقدت، فأضرمت للكفار، وزيد في إحمائها. قال قتادة: سعّرها غضب الله، وخطايا بني آدم. وفي الترمذي: عن أبي هريرة-رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أوقد على النار ألف سنة؛ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم» . وروي الحديث موقوفا على أبي هريرة. وعن أنس-رضي الله عنه-قال: تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ} فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتّى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها» . رواه البيهقي، والأصبهاني.

{وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ:} أدنيت، وقربت من المتقين، كما قال تعالى في سورة (ق):{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} . قال الحسن البصري: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها.

{عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ:} يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما أحضرت من خير، وشر، وفي سورة (الانفطار):{عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم-رضي الله عنه-

ص: 467

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمان منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّمه بين يديه، فتستقبله النار؛ فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بشقّ تمرة؛ فليفعل» . ولا تنس الطباق بين: الجحيم، والجنة، فهو من المحسنات البديعية. وانظر سورة (الانفطار) رقم [5].

الإعراب: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ..} . إلخ: الإعراب مثل الآية الأولى بلا فارق، والجمل المتعاطفة مثلها. {بِأَيِّ:} متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي): مضاف، و {ذَنْبٍ} مضاف إليه.

{قُتِلَتْ:} فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، للفعل:(سئل)، والمفعول الأول نائب الفاعل العائد على {الْمَوْؤُدَةُ}. {عَلِمَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث. {نَفْسٌ:} فاعل. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والفعل هنا بمعنى: عرف، يكتفي بمفعول واحد.

{أَحْضَرَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى {نَفْسٌ،} والجملة الفعلية صلة {ما} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: علمت نفس الذي، أو شيئا أحضرته، والجملة الفعلية جواب (إذا) الأولى، وما عطف عليها.

{فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)}

الشرح: {فَلا أُقْسِمُ..} . إلخ: اختلف في (لا) على أوجه: أحدها: أن (لا) صلة؛ أي:

زائدة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى:{وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} الآية رقم [2] من سورة (الحجر)، وجوابه قوله تعالى:

{ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} الآية رقم [2] من سورة (القلم)، ومعنى الكلام: أقسم بالخنس. قاله ابن عباس، وابن جبير وأبو عبيدة-رضي الله عنهم، ومثله قول الشاعر:[الطويل]

تذكّرت ليلى فاعترتني صبابة

فكاد صميم القلب لا يتقطّع

أراد: فكاد صميم القلب يتقطع. وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون: أن المعنى: أقسم. وقال الخازن: وفيه ضعف؛ لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز. انتهى. وهو الحق الذي لا محيص عنه.

وقال بعضهم: (لا): رد لكلامهم؛ حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون!

ص: 468

وهذا قول الفراء، فقد قال: وكثير من النحويين يقولون (لا) صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد (نفي) ثم بجحد يجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك؛ لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه (لا نفي فيه)، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم، وإدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلام العرب، وأشعارهم. قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [456] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]

فلا وأبيك ابنة العامريّ

لا يدّعي القوم أنّي أفر

وأيضا قول المتنخل الهذلي-وهو الشاهد رقم [1086] من كتابنا المذكور-: [الوافر]

فلا والله نادى الحيّ قومي

هدوّا بالمساءة والعلاط

قالوا: وفائدتها تأكيد القسم في الرد كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها، لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. هذا؛ وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعلى هذه القراءة، فاللام لام الابتداء، وجملة:(أقسم بالخنس) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بالخنس، ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ، وعن قراءة الباقين بالمد. وانظر ما أذكره في سورة (البلد) عن ابن هشام-رحمه الله تعالى-.

هذا؛ و (الخنس الجوار الكنس): هي النجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشمس، ونحو هذا المعنى عن علي-كرم الله وجهه، ورضي الله عنه-. وقيل: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجاريها؛ أي: ترجع وراءها في الفلك، وتكنس؛ أي: تستتر وقت اختفائها. وقيل: هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس-رضي الله عنهما. وقيل: هي بقر الوحش. وهو قول ابن مسعود-رضي الله عنه.

والكناس: مكان الظبية؛ التي تأوي إليه. هذا؛ ويقال: خنس عنه، يخنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة. والرجل أخنس، والمرأة خنساء. والخنساء: الشاعرة المشهورة لقبت بذلك لما ذكرت، واسمها الحقيقي: تماضر. والجواري جمع: جارية، من: جرى، يجري. وانظر {الْخَنّاسِ} في سورة (الناس).

{وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ:} إذا أقبل، أو أدبر، فهو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره. قال علقمة بن قرط-وهو قول القرطبي- وقال الزمخشري-وأكده محب الدين الخطيب-هو من قول العجاج:[الرجز]

حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا

وانجاب عنها ليلها وعسعسا

ص: 469

هذا؛ و «عسعسع» : موضع في البادية. قال امرؤ القيس: [الطويل]

ألمّا على الربع القديم بعسعسا

كأنّي أنادي، أو أكلّم أخرسا

و «عسعس» أيضا: اسم رجل. قال الراجز: [الرجز]

وعسعس نعم الفتى تبيّاه

أي: تعتمده، ويقال للذئب: العسعس، والعسعاس، والعسّاس؛ لأنه يعس بالليل، ويطلب الطعام، ويقال للقنافذ: العساعس؛ لكثرة ترددها في الليل. هذا؛ وسعسع مثل عسعس في معنييه، فهو مقلوبه. ولا تنس: أن في الكلام استعارة مكنية، فقد شبه الليل بإنسان يقبل، ويدبر، ثم حذف المشبه، وأخذ منه شيئا من لوازمه وهي لفظة {عَسْعَسَ،} وكذلك قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ} فيه استعارة مكنية.

هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها ما رأيته من لفظ: عسعس، ومنها لفظ «الغابرين» في كثير من الآيات، فإنه اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، ومنها لفظ «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل ابن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [192] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» -: [الكامل]

فلئن عفوت لأعفون جللا

ولئن سطوت لأوهنن عظمي

ومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه وهو الشاهد رقم [193] من كتابنا المذكور: [المتقارب]

بقتل بني أسد ربّهم

ألا كلّ شيء سواه جلل

أي: هين، وحقير لا قيمة له، ومنها:«الجون» للأبيض، والأسود. ومنها:«البين» للقرب، والبعد. ومنها:«الصريم» لليل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة (القلم):{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} ومنها: «الناصع» للأبيض، والأسود، ومنها:«الناهل» للريّان، والظمآن، و «السليم» للديغ، والصحيح، ومنها:«وراء» بمعنى: خلف، وأمام، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و «الصارخ» للمغيث، والمستغيث، و «الهاجد» للمصلي في الليل، والنائم، ومنها «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، ومنها:«التعزير» للإكرام، والإهانة، و «التقريظ» للمدح والذم، ومنها:

«ترب» للغني، والفقير، ومنها:«الإهماد» للسرعة في السير، والإقامة، ومنها:«القرء» للحيض، والطهر. ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [62] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [3] من سورة (الأنبياء):{وَأَسَرُّوا النَّجْوى،} وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [54] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ} كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [472]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ، ورقم [32] من معلقته-:[الطويل]

ص: 470

تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا

عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي

حيث قيل: إن الفعل بمعنى: أخفوا، وأظهروا.

{وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ} أي: أقبل، وبدا أوله. وقيل: أسفر. وفي تنفسه قولان:

أحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما، فجعل ذلك نفسا على المجاز. الثاني: أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس؛ وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، حيث شبه إقبال النهار، وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل؛ التي تحيي القلوب. واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس على طريقة الاستعارة التصريحية. وهذا من لطيف الاستعارة، وأبلغها تصويرا؛ حيث عبر عنه بتنفس الصبح.

{إِنَّهُ} أي: القرآن. {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:} لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الآية رقم [40] من سورة (الحاقة) والمرجح هنا: أن المراد به: جبريل، عليه السلام، بدليل الآيات الآتية. {ذِي قُوَّةٍ:} هو كقوله تعالى في سورة (النجم): {شَدِيدُ الْقُوى:} وكان من قوة جبريل عليه الصلاة والسلام: أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ثم جعل عاليها سافلها. وكان من قوته: أنه أبصر إبليس-لعنه الله- يكلم عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على بعض أعقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بقوم صالح، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف. انتهى. خازن.

{عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} أي: عند صاحب العرش ومالكه، وهو الله تعالى. وانظر شرح العرش في الآية رقم [17] من سورة (الحاقة). {مَكِينٍ} أي: صاحب منزلة عالية، ومكانة رفيعة عند الله عز وجل، فروي عن أبي صالح قال: يدخل جبريل سبعين سرادقا بغير إذن.

{مُطاعٍ ثَمَّ} أي: تطيعه الملائكة في السموات. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل عليه السلام، كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن طاعة الملائكة له: أنهم فتحوا له السموات السبع ليلة الإسراء، وفتح خزنة الجنة له أبوابها، وكذلك فتح له خزنة النار أبوابها؛ حتى نظر إليها. {أَمِينٍ} أي: على وحي الله؛ لأنبيائه، وخاب الفسقة الفجرة الذين يقولون: إن جبريل تاه؛ حيث كلف بإعطاء الرسالة لعلي بن أبي طالب، فتاه فأعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم، لذا روي: أنهم يقولون في آخر صلاتهم: يا حيفه! يا حيفه! تاه الأمين! تاه الأمين! ويضربون بأيديهم على أفخاذهم، فهذا ختم الصلاة عندهم بدون سلام، فإن كان هذا صحيحا عنهم؛ فهم كفار بلا ريب، ولا شك، واليهود والنصارى أحسن حالا منهم.

{وَما صاحِبُكُمْ} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم والخطاب لأهل مكة. {بِمَجْنُونٍ:} هذا أيضا من جواب القسم، أقسم الله على أن القرآن نزل به جبريل عليه السلام، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون، كما

ص: 471

يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إنه مجنون، وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه، فنفى الله عنه المجنون وكون القرآن من عند نفسه. هذا؛ وقال تعالى في سورة (النجم):{ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى} .

هذا؛ وقال الإمام ما معناه: كما أنه سبحانه وتعالى أجرى على جبريل-عليه السلام-هذه الصفات هاهنا أجرى على نبينا صلى الله عليه وسلم صفات في قوله تعالى في سورة (الأحزاب): {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً} فإفراد أحد الشخصين بالذكر، وإجراء صفاته عليه لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر. وقال القاضي: واستدل به على فضل جبريل على محمد، عليهما الصلاة والسّلام؛ حيث عدد فضائل جبريل، واقتصر على نفي الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضعيف؛ إذ المقصود منه رد قولهم:{إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} رقم [103] من سورة (النحل)، وقولهم:{أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} الآية رقم [8] من سورة (سبأ) لا تعداد فضلهما، والموازنة بينهما. ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه، وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفعة منزلة له كالقول في قوله:{ذِي الْعَرْشِ} بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل عليه السلام، كما سبق، والله أعلم. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك.

الإعراب: {فَلا:} الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية، أو صلة، أو هي لام الابتداء حسب ما رأيت في الشرح. {أُقْسِمُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، على اعتبار اللام لام الابتداء، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة أيضا. {بِالْخُنَّسِ:} متعلقان بالفعل قبلهما.

{الْجَوارِ:} صفة (الخنس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. {الْكُنَّسِ:}

صفة ثانية. وقيل: صفة {الْجَوارِ} . {وَاللَّيْلِ:} الواو: حرف عطف. وقيل: واو قسم ثان.

(الليل): معطوف على (الخنس)، أو هو مجرور بواو القسم، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. {إِذا:} ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت عسعسته. قاله أبو البقاء، وغيره. وهو مشكل؛ فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و {إِذا} لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (الليل) أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان عسعسته، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون حالا من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أن {إِذا} للمستقبل، فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن

ص: 472

المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت عسعسته. انتهى. جمل من سورة (النجم). {عَسْعَسَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى الليل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها. {وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.

{إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {لَقَوْلُ:} خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية جواب القسم: (لا أقسم

) إلخ. وما عطف عليه، على اعتبار الواو حرف عطف، وعلى اعتبارها حرف قسم، وجر يكون الجواب محذوفا، لدلالة جواب القسم الأول عليه، و (قول) مضاف، و {رَسُولٍ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {كَرِيمٍ:} صفة {رَسُولٍ} . {ذِي:} صفة ثانية ل: {رَسُولٍ} مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و {ذِي} مضاف، و {قُوَّةٍ} مضاف إليه.

{عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق ب: {مَكِينٍ} بعده، أو هو متعلق بمحذوف حال منه. و {عِنْدَ} مضاف، و {ذِي} مضاف إليه، و {ذِي} مضاف، و {الْعَرْشِ} مضاف إليه. {مَكِينٍ:} صفة ثالثة ل: {رَسُولٍ} . {مُطاعٍ:} صفة رابعة. {ثَمَّ:} ظرف مكان بمعنى هناك مبني على الفتح في محل نصب متعلق ب: {مُطاعٍ} . {أَمِينٍ:} صفة خامسة ل: {رَسُولٍ} .

{وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية تعمل عمل: «ليس» . {صاحِبُكُمْ:} اسم ما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بِمَجْنُونٍ:} الباء: حرف جر صلة. (مجنون): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ..} . إلخ فهي من جملة جواب القسم.

{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)}

الشرح: {وَلَقَدْ رَآهُ:} الفاعل يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والضمير المنصوب يعود إلى جبريل، عليه ألف صلاة، وألف سلام. (الأفق المبين): يعني بالأفق الأعلى، وهو صريح قوله تعالى في سورة (النجم):{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى} من ناحية المشرق إلى حيث تطلع الشمس. هذا؛ وقيل:

الأفق المبين: أقطار السماء، ونواحيها. قال الفرزدق-وهو الشاهد رقم [1168] من كتابنا:

«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

ص: 473

أخذنا بآفاق السّماء عليكم

لنا قمراها والنّجوم الطّوالع

فقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه الصلاة والسلام على صورته التي خلق فيها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، أما التي في الأرض؛ فخذها برواية البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل-عليه الصلاة والسلام: «إني أحبّ أن أراك في صورتك؛ الّتي تكون فيها في السّماء» . قال: «لن تقوى على ذلك!» . قال:

«بلى!» . قال: «فأين تشاء أن أتخيل لك» ؟ قال: «بالأبطح» . قال: «لا يسعني» . قال:

«فبمنى» . قال: «لا يسعني» قال: «فبعرفات» . قال: «ذلك بالحري أن يسعني» . رواية القرطبي، ورواية الخازن: قال: لا يسعني ذلك. قال: «فبحراء» . قال: «إن يسعني» . فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من حيال عرفات بخشخشة، وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خرّ مغشيا عليه، فتحول جبريل عليه السلام عن صورته، وضمه إلى صدره. وقال:

«يا محمد! لا تخف! فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله جل جلاله، وعلا علاؤه، وشأنه حتى يصير، مثل الصعو، يعني العصفور؟! (وفي رواية القرطبي مثل الوصع)، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته» . انتهى. قرطبي، وخازن. هذا؛ وفي المختار: الوصع: طائر أصغر من العصفور، وهو بفتح الصاد، وسكونها، والجمع: وصعان، وفيه أيضا: الصّعوة: طائر، والجمع: صعو، وصعاء.

هذا؛ والمرة الثانية التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل-عليه الصلاة والسلام-كانت بعد الأولى، وكانت ليلة الإسراء، والمعراج عند سدرة المنتهى، وهي صريح قوله تعالى في سورة (النجم):{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى..} . إلخ الآيات، وفي المرة الثانية ثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يغش عليه كما في المرة الأولى، وهو صريح قوله تعالى:{ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى} انظر سورة (النجم)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

{وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ:} على ما يخبره من الوحي إليه، وما اطلع عليه من الغيوب مما كان غائبا من علمه من أحوال الأمم الماضية. {بِضَنِينٍ} أي: ببخيل، من ضننت بالشيء، أضن ضنا، فهو ضنين، يقول: إنه يأتيه علم الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده؛ حتى يأخذ عليه حلوانا، وهو أجرة الكاهن. قال الشاعر:[الطويل]

أجود بمكنون الحديث وإنّني

بسرّك عمّن سالني لضنين

هذا؛ ويقرأ: «(بظنين)» بالظاء المعجمة؛ أي: بمتهم، والظنة: التهمة. قال الشاعر: [الطويل]

أما وكتاب الله لا عن شناءة

هجرت ولكنّ الظّنين ظنين

ص: 474

وقيل: (بظنين) بضعيف. حكاه الفراء، والمبرد، يقال: رجل ظنين؛ أي: ضعيف، وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء. قال الأعشى: [السريع]

ما جعل الجدّ الظّنون الذي

جنّب صوب اللّجب الماطر

مثل الفراتيّ إذا ما طما

يقذف بالبوصيّ والماهر

والظنون: الدّين الذي لا يدرى أيقضيه آخذه، أم لا؟ ومنه حديث علي-رضي الله عنه وكرم الله وجهه-في الرجل يكون له الدين الظّنون. قال: يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون:

الرجل السيئ الخلق، فهو لفظ مشترك. {وَما هُوَ} أي: القرآن. {بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ:} مرجوم ملعون، كما قالت قريش؛ أي: ليس بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة، فقد كانوا يقولون: إن شيطانا يلقيه على لسانه. فنفى الله ذلك عنه. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [210]: {وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ} أي:

ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة. {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} أي: فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان. وقيل: معناه: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة؛ التي قد بينت لكم؟! وهذا كما يقال لتارك الجادة المستقيمة اعتسافا، أو ذاهبا في بنات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله. والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {رَآهُ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والكلام مستأنف، لا محل له. وقال الجمل: معطوف على قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} فهو من جملة المقسم عليه. {بِالْأُفُقِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {الْمُبِينِ:} صفة (الأفق). {وَما:} الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما).

{عَلَى الْغَيْبِ:} متعلقان بما بعدهما. {بِضَنِينٍ:} الباء: حرف جر صلة. (ضنين): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (رأى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. {وَما هُوَ بِقَوْلِ:} مثل سابقه في الإعراب، و (قول) مضاف، و {شَيْطانٍ} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. {رَجِيمٍ:} صفة {شَيْطانٍ،} والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. {فَأَيْنَ:} الفاء: هي الفصيحة. (أين): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بما بعده. {تَذْهَبُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا فإلى أين تذهبون به؟! والكلام مستأنف، لا محل له.

ص: 475

{إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29)}

الشرح: {إِنْ هُوَ} أي: القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. {إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ:} موعظة للخلق أجمعين. {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} أي: يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به، فكأنه لم يوعظ به غيره، وإن كان الناس جميعا موعوظين به. ثم بين الله جلت قدرته: أن مشيئة العبد موقوفة بمشيئته، فقال تعالى:{وَما تَشاؤُنَ..} . إلخ: أعلمهم الله: أن المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وتوفيقه. وفيه إعلام: أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى، ولا يعمل شرا إلا بخذلانه، ومشيئته.

يروى: أن أبا جهل-لعنه الله-قال لما نزل قوله تعالى: {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى:{وَما تَشاؤُنَ..} . إلخ. قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها! وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة؛ فقد كفر.

وخذ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ} الآية رقم [111] من سورة (الأنعام). وقال تعالى: {وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ} الآية رقم [100] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والآي في هذا كثير، وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تبين أن الهداية هداية الله تعالى.

هذا؛ وانظر شرح (العالمين) في الآية رقم [52] من سورة (القلم)، وشرح {أَرادَ} و {شاءَ} في الآية رقم [10] من سورة (الجن)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [3] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أما {يَسْتَقِيمَ} فأصله:(يستقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار (يستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: يستقيم.

الإعراب: {إِنْ:} حرف نفي بمعنى: ما. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر. {ذِكْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {لِلْعالَمِينَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {ذِكْرٌ،} أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

{لِمَنْ:} جار ومجرور بدل من للعالمين بإعادة الجار. {شاءَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْكُمْ:} جار ومجرور

ص: 476

متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. {أَنْ يَسْتَقِيمَ:} فعل مضارع منصوب ب: {إِنْ،} والفاعل يعود إلى (من)، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به.

{وَما:} الواو: واو الحال. (ما): نافية. {تَشاؤُنَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: وما تشاؤون الاستقامة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. {إِلاّ:} أداة استثناء. {أَنْ يَشاءَ:} مضارع منصوب بأن، والمفعول محذوف، التقدير: أن يشاء الاستقامة لكم. {اللهُ:}

فاعل. {رَبُّ:} بدل من لفظ الجلالة، وهو مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة لظرف زمان محذوف، التقدير: إلا وقت مشيئة الله. قاله البيضاوي، وأبو البقاء. وقال مكي:{إِنْ} وما معها في موضع خفض بإضمار الباء، أو في موضع نصب بحذف الخافض، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

انتهت سورة (التكوير) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.

والحمد لله رب العالمين.

ص: 477