الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل التابع من المتبوع وتقدم معموله عليه]
قال ابن مالك: (ويجوز فصله من المتبوع بما لم تتمحّض مباينته إن لم يكن توكيد توكيد، أو نعت مبهم أو شبهه، ولا يتقدّم معمول تابع على متبوع خلافا للكوفيين).
ــ
في التوكيد اللفظي؛ لأن التوكيد اللفظي إنما هو إعادة اللفظ الأول، ومن ثمّ قال المصنف: إن التوكيد المعنوي هو المعتد به في التوابع (1).
قال ناظر الجيش: لا شك أن التابع شديد الالتزام لمتبوعه فحقه أن لا يفصل منه بما يعد أجنبيّا منهما أو من الكلام المتضمنهما؛ ولهذا امتنع: مررت برجل على فرس عاقل أبلق لأن عاقل مباين لفرس وصفته التي هي أبلق، وامتنع أيضا: زيد طعامك وعمرو آكلان؛ لأنك فصلت بمعمول الخبر عنهما وهو أجنبي، وكل ما كان معمولا لما بعد التابع ولما قبله من غير علقة أو كان جملة لا ارتباط لها بالكلام الذي للتابع؛ فهو مباين. أما ما لا يعد أجنبيّا فقد يفصل بينهما فمنه المبتدأ الذي الموصوف جزء من خبره نحو أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (2)، والخبر
الذي الموصوف [مبتدؤه] نحو: زيد قائم العاقل، والفعل وأحد [4/ 103] مفعوليه إذا كان المفعول الآخر مضافا إلى الموصوف نحو أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (3) وجواب القسم إذا كان المقسم به موصوفا نحو قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ (4) ومعمول الموصوف نحو: هذا ضارب زيدا عاقل، ومعمول المضاف إلى الموصوف نحو سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 91 عالِمِ الْغَيْبِ (5) ومعمول الوصف نحو ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (6) أي يسير علينا، وقال الشاعر:
3092 -
[بكيت أخا اللأواء يحمد يومه]
…
كريم رؤوس الدّارعين ضروب (7)
أي ضروب رؤوس الدارعين، والفعل العامل في الموصوف نحو: أزيدا ضربت -
(1) شرح التسهيل (3/ 289) تحقيق د/ عبد الرحمن السيد، د/ محمد بدوي المختون.
(2)
سورة إبراهيم: 10.
(3)
سورة الأنعام: 14.
(4)
سورة سبأ: 13.
(5)
سورة المؤمنون: 91، 92.
(6)
سورة ق: 44.
(7)
شطر بيت من الطويل ذكرنا صدره. واللأواء: الشدة، انظر: شرح المفصل (6/ 70، 71) ونسبه ابن يعيش - لأبي طالب، والكتاب (1/ 57).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القائم والمفسر (نحو) إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (1) ففصل بين امرئ وبين صفته وهي «ليس له ولد» بـ «هلك» المفسر وجملة الاعتراض نحو وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (2) ويقال: جاء زيد وأنا أعرفه العالم والاستثناء نحو ما جاءني أحد إلّا [زيدا] يرا منك والمعطوف إذا لم (يكن) شريكه في الصفة حكى سيبويه:
هذان رجلان وزيد منطلقان (3) وأنشد المصنف قول الشاعر:
3093 -
ألم تر أننّي لاقيت يوما
…
معاشر فيهم رجل جمارا
فقير اللّيل يلقاه غنيّا
…
إذا ما آنس الليل النّهارا (4)
قال: وفيه فصلان فصل (بين) معاشر وصفته أعني خيارا وبين رجل وصفته وهو فقير الليل قال الشيخ: ولا يتعين ما قال لأن قوله فيهم رجل في موضع الصفة لمعاشر فلا فصل إذ كل منهما صفة وأما فقير الليل فيحتمل
أن يكون خبر مبتدأ محذوف (5) - انتهى - والأول ظاهر وأما الثاني ففيه بعد والظاهر أن فقير الليل صفة لرجل إذ المعنى عليه ومن الفصل بين التوكيد ومتبوعه قوله تعالى: وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ (6) فأكد النون من يرضين وفصل بِما آتَيْتَهُنَّ. ومن الفصل بين المتعاطفين الفصل ب وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (7) بين الأيدي والأرجل. قال المصنف: لأن المجموع عمل واحد قصد الإعلام بترتيبه فحسن (8)، وكان ذلك أسهل من الجملة المعترض بها بين شيئين امتزاجهما أشد من امتزاج المعطوف والمعطوف عليه كالموصول والصلة والموصوف والصفة وإلى مثل هذا جمعيه أشار المصنف بقوله:(ويجوز فصله من المتبوع بما لم تتمحض مباينته)، وإنما عدل عن قوله بما لم يباين لأن الفاصل في الأمثلة المذكورة يصدق عليه أنه مباين لكن العلقة الحاصلة بينه وبين التابع أو المتبوع أو بينه وبين الكلام المشتمل عليهما أزالت أجنبيته فلم تتمحض المباينة فجاز الفصل وإنما يمتنع الفصل بما هو -
(1) سورة النساء: 176.
(2)
سورة الواقعة: 76.
(3)
الكتاب (2/ 60، 81).
(4)
من الوافر وانظرها - معا - في التذييل (7/ 285) وشرح التسهيل (3/ 287).
(5)
التذييل (7/ 285).
(6)
سورة الأحزاب: 51.
(7)
سورة المائدة: 6.
(8)
شرح التسهيل (3/ 287).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجنبي من جميع الوجوه. ثم لما كان من التوابع ما هو أشد التزاما لمتبوعه من غيره إما لأمر لفظي أو معنوي امتنع الفصل بينهما مطلقا وإياه عنى المصنف بقوله: إن لم يكن توكيد توكيد إلى آخره (1).
وجملة التوابع التي لا يفصل بينها وبين متبوعها بشيء ستة. ذكر المصنف منها في متن الكتاب ثلاثة (2)، وزاد في الكافية اثنين (3)، وفي شرحه لهذا الكتاب واحدا (4). الأول: توكيد التوكيد نحو فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (5) وكذلك أكتعون وأبصعون. وأجمعون ليس في الحقيقة توكيدا لكلهم بل هو توكيد للملائكة وإنما تجوز المصنف في تسميته بذلك، ولو قال: إن لم يكن توكيدا ثانيا كان أولى. الثاني: وهو الذي ذكره في الشرح: الصفة المشبهة
توكيد التوكيد نحو «اثنين» من لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (6). «وواحدة» من فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (7) وأراد المصنف بذلك كل صفة تفيد التأكيد. الثالث: نعت الاسم المبهم نحو الرجل من ضرب هذا الرجل زيدا فلو قيل: ضرب هذا زيدا الرجل لم يجز، الرابع: نعت ما أشبه الاسم المبهم في عدم الاستغناء عن الصفة نحو العبور من قولهم: طلعت الشعرى العبور، فلو قلت: الشعرى طلعت العبور لم يجز، وكذا الأحمر من قولهم خلف الأحمر - قال الشيخ:
وقد استغنت الشعرى عن الصفة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (8) فاستدرك على المصنف. الخامس: المعطوف المتم ما لا يستغنى عنه من الصفات كقولك: إن امرأ ينصح ولا يقبل خاسر فلو جعل خاسر بين ينصح ولا يقبل لم يجز -
(1) الهامش السابق.
(2)
السابق.
(3)
قال ابن مالك في الكافية الشافية (2/ 1147).
وتابعا بالأجنبيّ المحض لا
…
تفصل وفصل بسواه اقبلا
إن لم يكن توكيد توكيد ولا
…
نعتا لمبهم كسل ذا الرّجلا
(4)
الذي ذكره في الشرح (3/ 287) توكيد التوكيد أو صفة تشبهه أو صفة اسم مبهم وكذلك ما أشبهه الاسم المبهم في عدم الاستغناء عن الصفة.
(5)
سورة الحجر: 30.
(6)
سورة النحل: 51.
(7)
سورة الحاقة: 13.
(8)
سورة النجم: 49، والتذييل (7/ 286).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنهما جزء صفة لا يستغنى عنهما ولا يغني أولهما عن ثانيهما فلو جاز الاكتفاء بأولهما لم يمتنع الفصل كقول الشاعر:
3094 -
إنّ امرأ أمن الحوادث جاهل
…
ورجا الخلود كضارب بقداح (1)
أصل الكلام أن امرأ أمن الحوادث ورجا الخلود ففصل لأن أمن الحوادث صالح للاكتفاء بخلاف ينصح من المثال
المتقدم. السادس: أبيض يقق وأحمر قان وأسود حالك.
قال المصنف: فهو في النعت (كأكتعين) في التوكيد وهذان الخامس والسّادس هما اللذان ذكرهما في الكافية. ثم نبه المصنف على أن التابع لا يتقدم معموله على المتبوع فلا يقال في هذا الرجل يأكل طعامك: هذا طعامك يأكل رجل ولا في نحو قمت فضربت زيدا: زيدا قمت فضربت، هذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون ذلك ووافقهم الزمخشري في تقديم معمول الصفة على الموصوف فعلق «في أنفسهم» من قوله تعالى وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (2) بصفة القول.
قال المصنف: ولا يصح ذلك على طريق البصريين؛ لأن حق المعمول أن لا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل ومعلوم أن التابع لا يتقدم على المتبوع فلا يتقدم عليه معموله. قال:
وأما «في أنفسهم» فمتعلق بـ «قل» . انتهى، ويمكن أن يكون «في أنفسهم» حالا من «قولا» وإنما يكون حالا منه مع قيد وصفه [ببليغا] التقدير: وقل لهم قولا بليغا كائنا في أنفسهم، ويمكن تخريج كلام الزمخشري على هذا فإنه إنما جعل تعلق «في أنفسهم» [4/ 104] بصفة (القول) على أنه تعلق معنوي لا تعلق صناعي. والله تعالى أعلم.
* * *
(1) البيت من الكامل وهو من شواهد الكافية الشافية (2/ 1150).
(2)
سورة النساء: 63.