الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[من حروف العطف: بل، لكن، لا]
قال ابن مالك: (والمعطوف ببل مقرّر بعد تقرير نهي أو نفي صريح أو مؤوّل أو بعد إيجاب لمذكور موطّأ به، أو مردود أو مرجوع عنه وقد تكرّر «بل» رجوعا عن ما ولي المتقدمة أو تنبيها على رجحان ما ولي المتأخّرة وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد التّقرير وغيره «ولكن» قبل المفرد بعد نهي أو نفي كـ «بل»، ويعطف بـ «لا» بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت نحو: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (2)، أو نفي نحو: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (3) فما بعد بل مقرر على كل حال فإن كان قبلها نهي أو نفي فهي بين حكمين مقررين كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ (4) وكقولك:
لا تضرب خالدا بل بشرا، وما قام زيد بل عمرو. فخالد قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد قرر الأمر بضربه وزيد قد قرر نفي القيام عنه وعمرو قد قرر إثبات القيام له.
هذا هو الصحيح ولذلك لم يجز في ما بعد بل من نحو ما زيد قائما بل قاعد إلا الرفع لأن ما لا تعمل إلا في منفي. ووافق المبرد في هذا الحكم وأجاز مع ذلك أن تكون بل ناقلة حكم النهي والنفي لما بعدها (5) وهو خلاف الواقع في كلام العرب كقول الشاعر:
3323 -
لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدى
…
بل أولياء كفاة غير أوكال (6)
وكقول الآخر:
3324 -
وما أتيت إلى خور ولا كشف
…
ولا لئام غداة الرّوع أوزاع
3325 -
بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا
…
شمّ العرانين عند الموت لذّاع (7)
(1) شرح التسهيل (3/ 368).
(2)
سورة الأعلى: 16.
(3)
سورة الفجر: 17.
(4)
سورة آل عمران: 169.
(5)
راجع المقتضب (1/ 12)، (3/ 205)، (4/ 298).
(6)
البيت من البسيط - التذييل (4/ 169) - والأكمال: جمع وكل: من يكل أمره إلى غيره لضعفه أو عجزه.
(7)
البيت من البسيط لضرار بن خطاب - الدرر (2/ 186، 226) والعيني (4/ 157) والهمع (2/ 136، 175) ويروي: انتميت موضع أتيت.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول الآخر:
3326 -
لا تلق ضيفا وإن أملقت معتذرا
…
بعسرة بل غنيّ النّفس جذلانا (1)
وحكم النفي المؤول حكم النفي الصريح نحو: زيد غير قائم. بل قاعد ومنه قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ 39 بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً (2) ومثله أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ (3) وإن كان ما قبل بل موجبا فما بعدها إما مقرر بعد مقرر على سبيل التوطئة كقوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (4) وكقول عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه -: [ربّ إنّا كنّا على عمل النّار كالأنعام بل أضلّ سبيلا](5)، وإما مقرر بعد مردود كقوله تعالى:
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (6) وكقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ (7) وإما مقرر بعد مرجوع عنه لكونه غلطا في اللفظ نحو:
أنت عبدي بل سيدي، أو لكونه غلطا في الإدراك نحو: سمعت رغاء بل صهيلا، ولاح برق بل ضوء نار، أو لعروض نسيان نحو: له عليّ درهمان بل ثلاثة، أو لتبدل رأي نحو: ادع لي زيدا بل عمرا، وائتني بفرس بل بعير، واشتر لي زيتا بل سمنا.
وقد تكرر بل فيكون ما بعد المتقدمة مقصود الانتفاء كقوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ (8) فما بعد الأولى من الإخبار بالأضعاث مقصود الانتفاء لأنه مرجوع عنه، وكذا ما بعد الثانية. وقد تكرر تنبيها على أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد [4/ 166] عليه مع ثبوت معنى ما قبله كقوله تعالى:
وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ 65 بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (9).
وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد الإضراب عن الأول نحو: قام زيد لا بل عمرو، -
(1) البيت من البسيط - شرح العمدة (2/ 632).
(2)
سورة الأنبياء: 39، 40.
(3)
سورة الأنعام: 40، 41.
(4)
سورة الفرقان: 44.
(5)
التذييل (4/ 170).
(6)
سورة الأنبياء: 26.
(7)
سورة المؤمنون: 70.
(8)
سورة الأنبياء: 5.
(9)
سورة النمل: 65، 66.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وخذ هذا لا بل ذاك فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم الأول. وكذا كل ما لا نهي فيه ولا نفي فلو وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو ولا تضرب خالدا لا بل بشرا. فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد بقاء النهي والنفي. ومن زيادة لا مع عدم النفي والنهي قول الشاعر:
3327 -
وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم
…
يقض للشّمس كسفة أو أفول (1)
ومثله:
3328 -
وكأنّما اشتمل الضّجيع بريطة
…
لا بل تزيد وثارة وليانا (2)
ومن زيادتها بعد النفي قول الشاعر:
3329 -
وما سلوتك لا بل زادني شغفا
…
هجر وبعد تمادي لا إلى أجل (3)
ومن زيادتها بعد النهي قول الشاعر:
3330 -
لا تملّنّ طاعة الله لا بل
…
طاعة الله ما حييت استديما (4)
والمعطوف بلكن مثبت مسبوق بنفي أو نهي نحو: ما وجدتني عادلا لكن عادرا فلا تكن لي خاذلا لكن ناصرا، ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن، فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم وقام بشر لكن خالد قعد. والمعطوف بلا منفي بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء نحو: اضرب زيدا لا عمرا، وهذا محمد لا عمرو، ويا سالم لا سلمان.
وزعم ابن سعدان أن العطف بلا على منادى ليس في كلام العرب شاهد على استعماله (5) انتهى كلامه رحمه الله تعالى (6).
(1) البيت من الخفيف - الأشموني (3/ 113)، والتصريح (2/ 148)، والدرر (2/ 187)، والهمع (2/ 136).
(2)
البيت من الكامل - التذييل (4/ 170)، والرّيطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة.
(3)
البيت من البسيط - التذييل (4/ 171).
(4)
البيت من الخفيف - الدرر (2/ 188)، والهمع (2/ 136).
(5)
ينظر الأشموني (3/ 111).
(6)
شرح التسهيل (3/ 370).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنا أذكر الآن ما يتعلق بكل من الأحرف الثلاثة حرفا حرفا.
أما بل: فلم يتعرض عند ذكرها إلى تفصيل الواقع بعدها بين أن يكون جملة أو مفردا.
والإشارة إلى ذلك متعينة فان الواقع بعدها جملة ليست بعاطفة وإنما هي لمجرد الإضراب وظاهر كلامه يقتضي بنسبة العطف إليها على الإطلاق. ونصوص النحاة على أن بل إنما يعطف بها المفرد وكلامه في شرح الكافية يقتضي الإطلاق أيضا.
فإنه قال:
وأما بل فإنها للإضراب وحالها فيه مختلف فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره ولا تكون في القرآن العزيز إلا على هذا الوجه. وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي ولا نهي فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها نحو: جاء زيد بل عمرو، وخذ هذا بل ذاك. وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي آذنت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده فزيد من قولك ما قام زيد بل عمرو قد قرر نفي قيامه وعمرو قد أثبت قيامه وخالد من قولك: لا تضرب خالدا بل بشرا قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد أمر بضربه (1). انتهى.
وقوله: في ما وليت نفيا أو نهيا أنها آذت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده أصرح في المقصود من قوله - أنا أعني في متن الكتاب - أنه مقرر بعد تقرير نهي أو نفي لأنه وإن كان مقررا فلا يدري أهو مقرر الثبوت أم النفي. ولهذا الذي قلته ذكر في الشرح الثبوت والنفي فقال: معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت أو نفي.
على أن هذا الكلام غير واف بالمقصود لأنه وكّل أمر الثبوت والنفي إلى إرادة المتكلم. والغرض أن بل إذا وليت نهيا أو نفيا أفادت إثبات ضد ذلك لما بعدها بالوضع فليس الأمر في ذلك موكولا إلى الإرادة.
ثم إن قوله في شرح الكافية أن بل إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي كانت لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها لا يطابق قوله هنا: أو بعد إيجاب لمذكور موطأ به بل ربما يدافعه؛ لأنه إذا كان موطأ به كان حكمه ثابتا غير مزال.
وقد قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده في الألفية: -
(1) شرح الكافية الشافية (3/ 1233، 1234).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وانقل بها للتّان حكم الأول
…
في الخبر المثبت والأمر الجلي
أن بل بعد غير النفي والنهي لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه مسكوت عنه وجعله لما بعدها (1) وقد أشكل عليّ هذا الموضع وتعذر عليّ الجمع بين ما قاله في التسهيل وما قاله في شرح الكافية وكذا ما قاله في الألفية.
والذي يظهر لي أن الذي ذكره في التسهيل من أنها تكون بعد إيجاب موطأ به ليس راجعا إلى بل العاطفة بل إلى بل التي لمجرد الإضراب، ويدل على ذلك أن المثال الذي مثل به لهذا الحكم وهو قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (2) ليست بل فيه عاطفة لمجيء الجملة بعدها.
وكان المصنف ذكر أحكام ما يذكر قبل بل وبعدها على الإطلاق من غير تعرض إلى تفصيل الواقع بعدها ما هو.
وبعد
…
فأنا أورد كلام ابن عصفور على هذا الحرف فإنه أوضح من كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى ما ملخصه (3):
بل إن وقع بعدها جملة كانت للإضراب عن الكلام الذي قبلها وإثبات الكلام الذي بعدها. والإضراب قسمان:
إضراب انتقال: وعبر هو عن الانتقال بالترك. مثال إضراب الإبطال قوله تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ (4)، ومثال إضراب الانتقال قوله تعالى:
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ 62 بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا (5) قال: ولا تكون إذ ذاك عاطفة؛ لأن المتكلم أضرب عما قبلها واستأنف ما بعدها فصار ما قبلها [4/ 167] بالنظر إلى المعنى كأنه لم يذكر وكأنها هي أول الكلام الذي قصد إثباته.
وإن وقع بعدها مفر كانت عاطفة وتستعمل بعد الإيجاب والنفي والنهي فإن كانت بعد الإيجاب فإنما يؤتى بها لتدارك نسيان أو غلط. فقائل: ضربت زيدا بل عمرا إنما أراد أن يقول: ضربت عمرا فغلط أو نسي فتدارك ببل. وأما بعد النفي والنهي فإنما -
(1) شرح الألفية لبدر الدين (ص 541).
(2)
سورة الفرقان: 44، وقد تقدم ذلك قريبا.
(3)
هذا النص الطويل من شرح الإيضاح المفقود لابن عصفور.
(4)
سورة المؤمنون: 70.
(5)
سورة المؤمنون: 62، 63.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يؤتى بها لإثبات ما نفي أو نهي عنه للثاني. وخلاف المبرد في ذلك معروف (1) قال: ومستنده أن بل لا يتكلم بها إلا غالط. قال: فإذا قلت: رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: رأيت عمرا فغلطت فتداركت ببل وكذلك في النفي فإذا قلت:
ما رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: ما رأيت عمرا فغلطت فأضربت عن الجحد الأول واعتمدت في الجحد على الثاني. ومع قول المبرد بهذا القول أجاز ما أوجبه الجماعة فقال: وقد تكون بمعنى لكن فيكون المعنى: بل رأيت عمرا.
ثم إن ابن عصفور أبطل ما أجازه المبرد بأن قال: بل حرف عطف وحرف العطف إنما ينوب من جهة المعنى مناب العامل فإذا قلت: ما قام زيد بل عمرو فينبغي أن يكون المعنى بل قام عمرو فتنوب بل مناب قام لأنه هو العامل في المعطوف عليه ولا يسوغ أن يكون المعنى بل ما قام عمرو لأن ما غير عاملة فلا يجوز أن تنوب بل منابها من جهة المعنى. ثم أورد على هذا التعليل نحو: ما يقوم زيد وعمرو فإن معناه ما يقوم زيد وما يقوم عمرو فقد ناب حرف العطف مناب حرف النفي من جهة المعنى. وأجاب عن ذلك بأن حرف العطف إنما ناب مناب الفعل وكأنك قلت: ما يقوم زيد ويقوم عمرو لكن يلزم أن يكون ذلك الفعل الذي ناب حرف العطف منابه منفيّا كما يلزم ذلك فيه إذا لفظت به بعد حرف العطف من جهة أنه إذ ذاك يكون معطوفا على الفعل المنفي الذي قبله بالواو وهي من الحروف المشتركة في اللفظ والمعنى ولا يلزم ذلك في العطف ببل؛ لأنها إنما تشرك في اللفظ لا في المعنى.
ثم ذكر ابن عصفور مسألة كأنه يعضد بتقريرها ما كره ردّا على المبرد.
وهي أن بل لا يعطف بها بعد الاستفهام فلا يقال: هل يقوم زيد بل عمرو لأنك إما أن تريد بل يقوم عمرو أو بل هل يقوم عمرو. فلا يجوز أن يراد بل يقوم عمرو لأن إنما يستدرك بها للثاني ما أثبت للأول غلطا أو نسيانا أو ما نفي عنه. والمستفهم لم يثبت لزيد قياما ولا نفاه عنه فيستدركه لعمرو، ولا يجوز أن يراد به: بل هل يقوم عمرو، لما ذكرناه من أن بل إنما تنوب من جهة المعنى مناب العامل في المعطوف عليه وأداة الاستفهام ليست بعاملة فيه
فتنوب بل منابها. قال:
وكون العرب لم تعطف بها بعد الاستفهام دليل على بطلان ما ذهب إليه -
(1) ينظر المقتضب (1/ 12)، (4/ 298)، والمغني (ص 120)، والهمع (2/ 136).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المبرد (1). ثم قد علمت من كلام المصنف أن لا تزاد قبل بل لتأكيد الإضراب عن الأول إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي، وأنه إن وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو، وعلم منه أن لا تزاد قبل بل بعد النفي كما تزاد بعد الإيجاب. وهذا هو المعمول به. لكن نقل ابن عصفور عن ابن درستويه: أن لا تزاد قبل بل بعد الإيجاب وأنها لا تزاد بعد النفي (2). قال:
لأنها حرف نفي فأغنى عنها تقدم النفي فتقول: ما جاءني زيد بل عمرو ليس إلا.
ولا شك أن الجماعة يجيبون عن هذا بأن لا في مثل هذا أتى بها توكيدا.
وأما لكن: فقد كان الواجب أن لا يذكرها المصنف لأن مختاره أنها ليست عاطفة فكيف يذكرها مع العواطف. والعجب قوله في الشرح: والمعطوف بلكن.
أما عبارته في المتن فليس فيها تعرض إلى العطف وإنما تعرض إلى معناها فقال:
ولكن قبل المفرد بعد نهي أو نفي كبل. ومراده بذلك أن لكن إذا تقدمها نفي أو نهي وذكر بعدها مفرد كان الحكم المسلوب عما قبلها ثابتا لما هو بعدها ولكن حينئذ حرف استدراك فقط. وقد تقدم من كلامه ما يعضد ذلك وهو قوله في أول الباب:
فإن وليها مفرد معطوف فعطفه بواو قبلها لا يستغنى عنها إلا قبل جملة مصرح بجزئيها ولا بد قبل المفرد من الواو «ولو كانت لا يستغنى بها عن الواو كما استغنى ببل. وغيرها» وإذا علم أن لكن عنده ليست عاطفة علم أنه إنما ذكرها هنا تبعا لذكر بل وذلك لموافقتها لها في ما تقدم ذكره.
وبعد:
فأنا أورد ما ذكره الجماعة في لكن ليتبين ما وقعت فيه الموافقة والمخالفة لكلام المصنف، قال ابن عصفور في شرح الإيضاح:
لا تكون لا عاطفة إلا إذا وقع بعدها مفرد ولا بد أن يتقدمها نفي أو نهي؛ لأنه نفي في المعنى ويكون المراد بها استدراك ذلك الفعل المنفي أو المنهي عنه لما بعدها.
فإذا قلت: ما ضربت زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن ضربت عمرا وإذا قلت: -
(1) شرح الجمل (1/ 129).
(2)
الأشموني (3/ 113)، والهمع (2/ 136).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تضرب زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن اضرب عمرا. وإنما امتنع وقوعها بعد الإيجاب لأن ما بعدها لا بد أن يخالف ما قبلها لأن وضعها لذلك فيلزم أن يكون ما بعدها منفيّا إذا كان ما قبلها موجبا، والنفي في كلام العرب لا يكون إلا بأداة نفي. وكما امتنع وقوعها بعد الإيجاب امتنع وقوعها بعد الاستفهام لأنها لاستدراك المنفي قبلها أو المنهي عنه لما بعدها والمستفهم لم ينف شيئا ولا أثبته [4/ 168] ولا نهى عن شيء ولا أمر به.
ولا تكون لكن عاطفة عند أكثر النحويين إلا إذا لم تدخل عليها الواو، فإذا دخلت عليها الواو كانت هي العاطفة عندهم وتخلصت لكن لمعنى الاستدراك.
واستعمال لكن إذا وقع بعدها المفرد لفظا وتقديرا بغير واو لم يسمع من كلام العرب، وإنما قاله النحويون بالقياس.
وذكر أبو علي عن يونس أنه كان ينكر أن يقال: ما ضربت زيدا لكن عمرا (1).
قال: وموضع الإنكار أن نقول: إن هذا حرف كان يدخل قبل التخفيف على المبتدأ والخبر فينبغي أن يكون بعد التخفيف كذلك (2). ألا ترى أن سائر أخواتها كذلك. وأطال ابن عصفور الكلام في ذلك ثم قال: والصحيح عندي ما ذكره يونس من أنها لا تستعمل إلا بالواو. وأنشد أبياتا إلا أنه بعد ذلك قال: ولكن مع ذلك هي العاطفة والواو زائدة كما زيدت، ثم لما دخلت عليها الفاء في قول زهير:
3331 -
.....
…
فثمّ إذا أصبحت ....
قال: وذلك لأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة وأن الواو زائدة مثلها في قول الشاعر:
3332 -
ولمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم
…
رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر
وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل
…
وكانوا عليهم مثل راعية البكر (3)
يريد صب عليهم. قال: وعلى ما ذكرته ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش لأنهما قالا إن لكن من حروف العطف فلما مثلا العطف بها مثّلاه بالواو -
(1) الكتاب (1/ 435، 439).
(2)
قاله أبو علي في التذكره - التذييل (4/ 149).
(3)
تقدم البيتان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة عندهما لا الواو. انتهى.
وأما دعواه زيادة الواو مستدلا بأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها فقد عرفت أن المصنف أشار إلى هذه المسألة وقال: الواجب أن يجعل ذلك من عطف الجمل ويضمر له عامل لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة.
وقال في شرح الكافية: «وأما المعطوف بلكن فمحكوم له بالثبوت بعد نفي نحو: ما قام زيد لكن عمرو، أو بعد نهي نحو: لا تضرب زيدا لكن عمرا، فإن دخلت عليها الواو كقوله تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ (1) عريت لكن من العطف وقدر ما بعدها جملة معطوفة على ما قبلها بالواو؛ لأن بقاء لكن بعد الواو عاطفة ممتنع لامتناع دخول عاطف على عاطف وجعل الواو عاطفة وحدها مع كون ما بعد لكن مفردا ممنوع لمخالفته في الحكم للمعطوف عليه.
وحق المعطوف بالواو إن كان مفردا أن يستوي هو والمعطوف عليه في الحكم.
فإن كانا جملتين اغتفر تحالفهما في الحكم كقولك: قام زيد ولم يقم عمرو، واطع الله ولا تتبع الهوى» (2). انتهى.
ولا شك أن ما ذكره أولى مما ذكره ابن عصفور من زيادة الواو. وأما جملة كلام سيبويه وتمثيله على هذا الذي اختاره فهو موقوف على أن سيبويه يجيز زيادة الواو (3) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم قد عرفت من كلام المصنف أن لكن لا يليها إلا جملة فإن صرح بجزأيها فلا كلام وقد تذكر الواو حينئذ وقد لا تذكر وإن كان الذي وليها مفرد قدر مفردا آخر ليصير ما بعدها جملة واقتضى كلامه أنه لا بد مع المفرد من ذكر الواو، أما من لكن عنده عاطفة وقد وليها مفرد فلا يقدر شيئا لأنها إنما يعطف بها المفرد كما أن بل كذلك إلا أن ابن أبي الربيع قال: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنها عاطفة في المفردات والجمل وأنشد قول زهير: -
(1) سورة الأحزاب: 40.
(2)
شرح الكافية الشافية (3/ 1230 - 1231).
(3)
الكتاب (1/ 435 - 440).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3333 -
إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره
…
لكن وقائعه في الحرب تنتظر (1)
ولم يقتصر على لكن بل عدّى الكلام إلى بل فقال: إنها تعطف المفردات والجمل. وما قاله فيه نظر وهو مخالف لنصوص الجماعة. ولما أنهى الشيخ الكلام على الخلافة في لكن قال: فتخلص فيها أقوال: أحدها: أنها ليست عاطفة وأن العطف للواو عطف مفرد على مفرد. الثاني: كذلك إلّا أن العطف هو من باب عطف الجمل. الثالث: أن العطف بها ولا يأتي بالواو. الرابع: كذلك ولا بد من الواو وهي زائدة. الخامس: التخيير بين أن يأتي بالواو وأن لا يأتي بها (2). انتهى.
والذي يقتضيه النظر أن لا مدخل لها في عطف الجمل وأنها إذا وليها مفرد والواو مذكورة فالعطف للواو وهي تفيد الاستدراك لا غير وإن لم تذكر الواو فلكن نفسها هي العاطفة بهذا إن كان مسموعا وإلا فالقياس لا يدفعه، وهذا الذي ذكرته ماش على القواعد وليس فيه مصادمة لشيء تقتضيه الصناعة النحوية.
بقي التنبيه على أمرين:
أحدهما: أن اشتراط تقدم النفي أو النهي على لكن إنما يكون إذا وليها مفرد أما إذا وقع بعد لكن جملة فإنه يجوز أن يتقدمها إيجاب وغير إيجاب وإنما الشرط أن يكون بين ما قبلها وما بعدها منافاة. وقد تقدم قول المصنف: ولا بد من النفي أو النهي قبل لكن فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو قام زيد لكن عمرو لم يقم، وقام بشر لكن خالد قعد.
ثانيهما: قال ابن أبي الربيع: لا أعلم خلافا بين المتقدمين في أن معنى لكن الاستدراك إلا أني رأيت لابن الطراوة كلاما يقتضي أن لكن توجب للثاني ما نفي عن الأول، والاستدراك فيها باطل؛ لأن حقيقته أن تستدرك شيئا فاتك أولا وأنت إذا قلت: ما قام زيد لكن عمرو لم يفتك أولا شيء؛ لأن إخبارك بنفي القيام عن زيد صحيح ولم ينقص منه شيء فيستدرك بالثاني، وإنما جئت بعد لكن بخبر آخر -
(1) البيت من البسيط - ديوانه: (ص 34)، والأشموني (3/ 110)، والدرر (2/ 189)، والمغني (ص 292)، والهمع (2/ 137). هذا: ورواية الديوان: غوائله بدل بوادره.
(2)
التذييل (4/ 171).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو إيجاب القيام لعمرو (1).
وكان الأستاذ أبو علي ينفصل عن هذا بأن يقول:
الكلام بلكن إنما يأتي جوابا لمن يقول [4/ 169] قام زيد فتقول له: ما قام زيد لكن عمرو فقصدك أن تخبر بنفي القيام عن زيد وتثبت أن هناك قياما فكأنك تقول له: أما القيام فحق وأما نسبته لزيد فباطلة إنما هو لعمرو. فتقول: ما قام زيد فإذا قلته تحصل أن القيام منفي عن زيد وبقي عليك الإيجاب لعمرو. فقولك بعد ذلك:
لكن عمرو استدراك لما بقي عليك مما قصدت الإخبار به (2).
وهذا الذي قاله الأستاذ أبو علي صحيح. ومن نظر كلام العرب بأن له ذلك:
قال: وكذلك الكلام في لا بد الاستدراك ببل فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يقول القائل: قام عمرو فتقول ما قام عمرو بل زيد على معنى لكن زيد. انتهى.
وقوله: فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يوافقه قول المصنف المتقدم ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن. وأما لا: فقد عرفت أن المصنف ذكر أنها يعطف بها بعد التحضيض والدعاء. قال: لأنهما في معنى الأمر فيقال هل لا تضرب زيدا لا عمرا وغفر الله لزيد لا بكر. ولما كانت لا تنفي عن التاني ما وجب للأول وجب لذلك أن لا يعطف بها إلا بعد الإيجاب فهي لكن، لأن لكن لا يعطف بها إلّا بعد النفي؛ لأنها توجب للثاني ما نفي عن الأول كما أن لا تنفي عن الثاني ما وجب للأول، وقد ذكروا لكون لا عاطفة شرطين:
أن يكون المعطوف بها مفردا وأن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها.
والمراد بذلك ألا يصح إطلاق ما قبلها على ما بعدها ولا ما بعدها على ما قبلها. وليس في عبارة المصنف تعرض لذكر هذين الشرطين، ولكن تمثيله بما مثل يشعر باشتراطهما.
وقال ابن عصفور (3): إلّا من حروف العطف إلا أنها لا يعطف بها الجمل التي لا موضع لها من الإعراب. ولم يتحقق لي ذلك. ومن الأمثلة التي ذكرها -
(1) ينظر الارتشاف (2/ 646)، والهمع (2/ 137).
(2)
التذييل (4/ 149).
(3)
من شرح الإيضاح المفقود.