الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حذف أحد المتضايفات، والجر بالمضاف المحذوف]
قال ابن مالك: (فصل: يجوز حذف المضاف للعلم به ملتفتا إليه ومطّرحا ويعرب بإعرابه المضاف إليه قياسا إن امتنع استبداده به وإلّا فسماعا.
وفي قيامه مقامه في التّذكير والتّأنيث وجهان. وقد يخلفه في التّنكير إن كان المضاف مثلا، وقد يحذف مضاف ومضاف إليه، ويقام ما أضيف إليه الثّاني أو ما أضيف إليه صفة للثّاني محذوفة مقام ما حذف، وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع. وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع عن الثّاني والثّالث، ويجوز الجرّ بالمضاف محذوفا إثر عاطف متّصل أو منفصل بـ «لا» مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظا ومعنى. وربّما جرّ المضاف المحذوف دون عطف، ومع عاطف مفصول بغير «لا» ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): إذا كان المضاف لا يجهل معناه بحذف لفظه جاز أن يحذف ويجعل المضاف إليه معربا بإعرابه ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله، وإن قدر لفظ المحذوف والتفت إليه رتب على وفقه ما بعد القائم مقامه كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ (2) فإن الأصل:
أو كذي ظلمات؛ فحذف «ذو» وأقيمت ظلمات مقامه لفظا والتفت إليه معنى؛ فذكر الضمير.
ولولا الالتفات إلى المعنى لأنث كما أنث في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها (3) ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها. ومن الالتفات إلى المحذوف قراءة الحسن: (فجعلناها حصيدا كأن لّم يغن بالأمس)(4) بالياء؛ لأن الأصل:
فجعلنا زرعها حصيدا، ومن الالتفات إلى المحذوف قولهم: قرأت هودا؛ بالتنوين يريدون: سورة هود، ولو جعل المضاف مطرحا لفظا ونية لقيل: قرأت هود؛ بلا -
(1) شرح التسهيل (3/ 265).
(2)
سورة النور: 40.
(3)
سورة يوسف: 82.
(4)
البحر المحيط (5/ 144).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنوين لأنه على هذا القصد اسم للسورة فلا ينصرف للتعريف والتأنيث، ومن الالتفات إلى المحذوف قوله:
3039 -
يسقون من ورد البريص عليهم
…
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (1)
أراد: ماء بردى فحذف ملتفتا إلى الماء فذكر، ولولا ذلك لقال: تصفق؛ لأن «بردى» اسم مؤنث، ثم إن القائم مقام المضاف إن امتنع استبداده به فهو قياسي وإن صح استبداده به فهو سماعي والمراد باستبداده به أن يكون المضاف إليه صالحا للفاعلية إن كان المضاف فاعلا، ولغير فاعلية إن كان غير فاعل؛ فالحذف في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (2) قياسي؛ لعدم استبداد [4/ 94] القرية بوقوع السؤال عليها حقيقة. وكذا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ (3) أي: حب العجل هو أيضا قياسي لعدم صلاحية العجل لأن يكون مشربا في قلوبهم، وكذا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ (4) أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، ومنه قول الأعشى:
3040 -
فارقنا قبل أن نفارقه
…
لمّا قضى من جماعنا وطرا (5)
أي: قبل إرادة أن تفارقه لا بد من هذا التقدير؛ لأن الفراق لا يكون من أحد المتفرقين قبل الآخر. وأجاز ابن جني: جلست زيدا؛ على تقدير: جلست جلوس زيد (6)، ولا أرى ذلك؛ لأن المعنى لا يتعين لاحتمال أن يراد: جلست إلى زيد؛ فحذفت «إلى» وانتصب ما كان مجرورا بها بخلاف الأمثلة التي مرت؛ فنوعها قد أمن فيه اللبس وجعل قياسا بخلاف ما يوجد فيه الجزآن صالحين لعمل العامل حقيقة نحو: ضربت غلام زيد؛ فإنه لو قيل فيه: ضربت زيدا، لم يفهم المراد؛ لأن «زيدا» يصح استبداده بمفعولية «ضرب» فيمتنع الحذف من هذا النوع ما لم -
(1) من الكامل لحسان بن ثابت. ديوانه (122)، والأشموني (2/ 272)، والخزانة (2/ 236)، والدرر (64)، والهمع (2/ 51). هذا، والبريص: موضع بالشام، وبردى: نهر بدمشق، والرحيق: الخمر.
(2)
يوسف: 82.
(3)
سورة البقرة: 93.
(4)
سورة الإسراء: 75.
(5)
من المنسرح للربيع بن ضبع. المحتسب (1/ 167)، والمغني (689).
(6)
المغني (604).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
توجد قرينة تدل على المراد كقولك: مررت بالقرية فأكرمتني؛ فإنه جائز وإن كان أهل القرية والقرية صالحين لتعدية المرور إليهما حقيقة لكن ذكر الإكرام بيّن أن المراد الأهل؛ فجاز الحذف، وكذلك لو فهم المراد بغير قرينة لفظية لم يمتنع الحذف أيضا، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة رحمه الله تعالى:
3041 -
لا تلمني عتيق حسبي الّذي بي
…
إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني (1)
أراد بـ «عتيق» ابن أبي عتيق، كذا قال من عني بشعر ابن أبي ربيعة.
ومن هذا النوع قول الشاعر:
3042 -
فمن كان يرجو الصّلح فيه فإنّه
…
كأحمر عاد أو كليب لوائل (2)
أراد: كأحمر أمثال عاد؛ لأن المراد عاقر الناقة، وهو من ثمود لا من عاد؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بعمل العامل، ومثله:
3043 -
وماديا تخيره سليم يكا
…
د شعاعه يغشّي العيونا (3)
أراد: تخيره أبو سليمان؛ فرخم «سليمان» مضطرّا وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه مع صلاحيته للاستبداد بفاعلية «تخيره» ، ومن مستحسن هذا النوع قول الشاعر:
3044 -
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت
…
فلو جنّ النّاس من الحسن جنّت (4)
أراد: فدقّ خصرها وجلت عجيزتها واسبكرت قامتها وأكملت محاسنها؛ فحذف مع صلاحية المضاف إليه لفاعلية كل واحد من هذه الأفعال؛ لأن عطف بعضها على بعض بين المعنى فحسن الحذف. ونبهت بقولي: (ونائبا عنه في ما جيء بالإعراب لأجله) على وقوع المضاف إليه خلفا عن المضاف في ما كان له من فاعلية نحو:
بنو فلان يطؤهم الطريق، ومن مفعولية نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (5)، ومن ظرفية نحو: آتيك طلوع الشمس، ومن مصدرية كقول الأعشى: -
(1) من الخفيف. ديوانه (291)، والتصريح (2/ 55).
(2)
من الطويل. التذييل (7/ 260).
(3)
انظره في التذييل (7/ 260).
(4)
من الطويل للشنفري. مجالس ثعلب (358) برواية: «إنسان» بدل «الناس» .
(5)
سورة يوسف: 82.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3045 -
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
…
[وعادك ما عاد السّليم المسهّدا](1)
أراد: اغتماض ليلة أرمدا؛ فحذف المصدر وجعل «ليلة» قائما مقامه في المصدرية كما قام المصدر مقام الظرف
في طلوع الشمس وشبهه. وجعل ابن جني من هذا رواية بعض رواة أبي عمرو عنه وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (2) بضم النون وتخفيف الزاي على تقدير: ونزل نزول الملائكة تنزيلا (3)، وفيه عندي نظر. وإن كان المضاف المحذوف «مثلا» جاز الحكم على المضاف إليه بالتنكير فينعت به نكرة نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا؛ لأن الأصل: مررت برجل مثل زهير، وهذا زيد مثل زهير؛ فحذف لفظ «مثل» ونوي معناه فجرى مجراه ما نوي فيه معناه وإن كان لفظه لفظ المعرفة. ومن هذا النوع قولهم: تفرّقوا أيادي سبا (4) فجعلوه حالا وهو في اللفظ معرفة؛ لأنهم أرادوا: مثل «أيادي سبأ» فحذف «مثل» وأقيم ما كان مضافا إليه مقامه في التنكير والإعراب.
وروى الثقات: يا أيادي سبا؛ بالسكون مع أن الموضع موضع نصب، لكن خفف للتركيب فألزم السكون كما ألزم السكون يا معديكرب. وقد يحملهم العلم بالمحذوف على حذف مضاف ومضاف إليه مضاف هو إلى ثالث مستغنى به عن الأول والثاني؛ فمن ذلك قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (5) أي: دورانا كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. وقد تكون أربعة أسماء مضاف أولها إلى موصوف بثالث مضاف إلى رابع؛ فتحذف الثلاثة ويكتفى بالرابع كقول الشاعر:
3046 -
طليق الله لم يمنن عليه
…
أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجّاج عيني بنت ماء
…
تقلّب طرفها حذر الصّقور (6)
-
(1) من الطويل. ديوانه (135)، والمحتسب (2/ 121)، والمقتضب (1/ 204).
(2)
سورة الفرقان: 25.
(3)
المحتسب (2/ 120، 121)، والبحر المحيط (6/ 494).
(4)
مثل من أمثال العرب. مجمع الأمثال (1/ 275)، وابن يعيش (4/ 123).
(5)
سورة الأحزاب: 19.
(6)
من الوافر لإمام بن أقرم. الشجري (1/ 344)، والكتاب (1/ 254).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أراد: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء؛ فحذف الأول والثاني والثالث الموصوف به الثاني وأقام مقام الثلاثة الرابع. وقد تكون أسماء مضاف أولها إلى ثانيها، وثانيها إلى ثالثها، وثالثها إلى رابعها، فيحذف الأول والثالث، ويبقى الثاني والرابع قائمين مقامهما فيما كان لهما من الإعراب كقول الشاعر:
3047 -
أبيتنّ إلّا اصطياد القلوب
…
بأعين وجرة حينا فحينا (1)
أراد: بمثل أعين ظباء وجرة؛ فحذف الأول والثالث وأقام مقامها الثاني والرابع، ومثله قول أبي ذؤيب (2):
3048 -
فإنّك منها والتّعذّر بعد ما
…
لججت وشطّت من فطيمة دارها
كمثل الّتي قامت تسبّع سؤرها
…
وقالت حرام أن يرحّل جارها (3)
أراد: تسبع ذا سؤر كلبها؛ ففعل مثل ما فعل قائل البيت الأول. وإلى هذا النوع أشرت بقولي: (وقد يقام مقام مضاف محذوف مضاف إلى محذوف قائم مقامه رابع)[4/ 95] وأشرت إلى أن أصل مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (4): من أثر حافر فرس الرسول؛ بقولي: (وقد يستغنى بمضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى رابع). ثم أشرت إلى حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا وأنه مقيس وغير مقيس. فأما المقيس فما حذف منه مضاف مذكور قبله مثله لفظا ومعنى بشرط كون المحذوف بعد عاطف منفصل بـ «لا» وغير منفصل كقولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (5)، وما مثل أبيك وأخيك يقولان ذلك، وكقوله:
3049 -
أكلّ امرئ تحسبين امرأ
…
ونار توقّد باللّيل نارا (6)
-
(1) من المتقارب. الارتشاف (2/ 530)، والتذييل (7/ 262).
(2)
خويلد بن محرث من بني هذيل شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام أشعر هذيل شهد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ت: 27 هـ). الأعلام (2/ 373)، والشعر والشعراء (2/ 653).
(3)
من الطويل، أنشده الفارسي. التذييل (7/ 262)، والكافية الشافية (2/ 973)، واللسان:
«سبع» . هذا ويروى: «أميمة» موضع «فطيمة» .
(4)
سورة طه: 96.
(5)
مثل يضرب في موضع التهمة. الفاخر (195)، ومجمع الأمثال (2/ 210).
(6)
من المتقارب لأبي داود الإيادي، أو عدي بن زيد. ديوان أبي داود (353) والتصريح (2/ 56)؛ والكتاب (1/ 33)، والهمع (2/ 52).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقوله:
3050 -
ولم أر مثل الخير يتركه الفتى
…
ولا الشّرّ يأتيه امرؤ وهو طائع (1)
وكقوله:
3051 -
لو انّ طبيب الإنس والجنّ داويا ال
…
لذي بي من عفراء ما شفياني (2)
وكقوله:
3052 -
لو أنّ عصم عمايتين ويذبل
…
سمعا حديثك أنزلا الأوعالا (3)
وكقوله:
3053 -
ألم يحزنك أنّ جبال قيس
…
وتغلب قد تباينتا انقطاعا (4)
والأصل: ما كل سوداء ولا كل بيضاء، وما مثل أبيك ومثل أخيك يقولان، وأكل امرئ تحسبين امرأ، وكل نار، ولم أر مثل الخير ولا مثل الشر، ولو أنّ طبيب الإنس وطبيب الجن، ولو أن عصم عمايتين وعصم يذبل، وأن جبال قيس وجبال تغلب. وظن بعضهم أن الحذف في هذا النوع مشروط بتقدم نفي أو استفهام، وليس ذلك مشروطا، بل يجوز مع عدمهما كقول الشاعر:
3054 -
لغير معتبط مغرى بطوع هوى
…
ونادم مولع بالحزم والرّشد (5)
ومثله:
3055 -
كلّ مثر في رهطه طاهر العز
…
ز وذي غربة وفقر مهين (6)
أي: وغير نادم وكل ذي غربة. وأما غير المقيس مما خالف المقيس بخلوه مما قيد به كقراءة ابن جماز (7): (تريدون عرض الدّنيا والله يريد الآخرة)؛ بالجر (8) على -
(1) من الطويل. الارتشاف (2/ 531)، والأشموني (3/ 206)، والتذييل (7/ 263).
(2)
من الطويل لعروة بن حزام. الدرر (2/ 65)، والهمع (2/ 52).
(3)
من الكامل. التذييل (7/ 262، 263).
(4)
من الوافر. وهو في التذييل (7/ 263).
(5)
من البسيط. وانظره في التذييل (7/ 263).
(6)
من الخفيف. الدرر (2/ 65)، والهمع (2/ 52).
(7)
سليمان بن مسلم بن جماز مقرئ جليل أقرأ بحرف أبي جعفر ونافع. مات بعد السبعين ومائة. غاية النهاية (1/ 315).
(8)
البحر المحيط (4/ 518).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقدير: يريد عرض الآخرة، وكقول بعض العرب: رأيت التيمى تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان، حكاه الفارسي (1). وكقول الشاعر:
3056 -
رحم الله أعظما دفنوها
…
بسجستان طلحة الطّلحات (2)
على تقدير: أعظم طلحة الطلحات، وكقول الراجز:
3057 -
الآكل مال اليتيم بطرا
…
يأكل نارا وسيصلى سقرا (3)
على تقدير: الآكل المال مال اليتيم، ومثله:
3058 -
المال ذي كرم ينمي محامده
…
ما دام يبذله في السّرّ والعلن (4)
على تقدير: المال مال ذي كرم؛ فحذف البدل ونوي لفظه فبقي عمله. وعلى هذا يوجه على الأجود ما في حديث الدجال من قول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعين يوما» . أي:
لبث أربعين يوما (5)، ومثله:«خير الخيل الأدهم الأرثم المحجّل ثلاث» (6) أي المحجل: محجل ثلاث؛ فحذف البدل وأبقى عمله كمثل ما فعل في البيتين المتقدمين، وقد يكون على حذف «في» قبل «ثلاث» والأول أجود؛ لتقدم مثل المحذوف. وفي صحيح البخاري:«فلمّا قدم جاءه بالألف دينار» (7)، أي:
بالألف ألف دينار؛ فحذف البدل وأبقى عمله، وهذا في البدل نظير ما جاء في العطف من: نار توقّد، وأمثاله.
وبهذا يوجّه ما رواه الكوفيون من قول العرب: الخمسة الأثواب، أي: الخمسة -
(1) التذييل (4/ 95)، وهي إحدى المسائل التي سأل عنها أبو بكر الشيباني وستأتي قريبا.
(2)
من الخفيف لابن قيس الرقيات. ديوانه (20)، والإنصاف (41)، والدرر (2/ 162)، والهمع (2/ 127).
(3)
وانظره في الارتشاف (2/ 531)، والدرر (2/ 65)، والهمع (2/ 52).
(4)
من البسيط التذييل (7/ 264).
(5)
سنن أبي داود: الملاحم (14)، وشرح العمدة (244)، وشواهد التوضيح (39).
(6)
عن أبي قتادة الأنصاري، وقد تقدم.
(7)
عن أبي هريرة. البخاري: كتاب الكفالة (39) وباب الكفالة في القرض والديون والأبدان وغيرها (1)، وشواهد التوضيح (57).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خمسة الأثواب؛ فحذفوا البدل وأبقوا عمله. وعلى هذه الشواهد وأمثالها نبهت بقولي: (وربما جر المضاف
المحذوف دون عطف ومع عاطف مفصول بغير «لا» .
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (1).
ولكن لا بد من الإشارة إلى أمور:
منها: أن كون المضاف لا يحذف إلا أن يكون معلوما كالمجمع عليه ويقتضي النظر ذلك؛ لأن حذف الشيء مقصود دون دليل ممتنع. وظاهر كلام ابن عصفور ربما يوهم خلاف ذلك فإنه لا يجوز حذف المضاف إلا إذا كان الكلام مشعرا بحذفه فإن لم يشعر الكلام بذلك لم يجز إلا في الضرورة كقوله:
3059 -
عشيّة مرّ الحارثيّون بعد ما
…
قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر (2)
يريد: ابن هوبر (3). والذي يفهم من كلام المصنف أن ما في هذا البيت إنما يحكم بضرورته من أجل إقامة المضاف إليه مقام المضاف في الإعراب؛ لأنه قال:
إن القائم مقام المضاف في الإعراب إن امتنع استبداده به فهو قياسي، وإن صح استبداده به فهو سماعي .. إلى آخر كلامه المتقدم.
ومنها: أن كلام المصنف يقتضي أن قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها (4) من قبل ما اطرح فيه النظر إلى المضاف المحذوف؛ لأنه قال: ولو التفت هنا لقيل: الذين كنا فيها، وما قاله لا يظهر؛ لأن المقصود بالوصف هو القرية لا أهل القرية. ويجوز أن يقال في غير القرآن العزيز: اسأل أهل القرية التي كنا فيها؛ فيجري الوصف على القرية مع كون المضاف إليها مذكورا، ولو كان المضاف هو المقصود بالوصف لم يجز بعد التصريح به إجراؤه على القرية التي هي المضاف إليه بل كان يتعين إجراؤه على المضاف.
والحق أن لا يمثل لهذا الحكم بهذه الآية الشريفة، وإنما يمثل له بقوله تعالى: -
(1) شرح التسهيل (3/ 272).
(2)
من الطويل لذي الرمة. ديوانه (235)، والدرر (2/ 64)، وشرح المفصل (3/ 23)، والهمع (2/ 51).
(3)
المقرب (1/ 214)، (2/ 205).
(4)
سورة يوسف: 82.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (1) في القراءة المشهورة؛ لأن الأصل فجعلنا زرعها حصيدا، وكذا يمثل له أيضا بقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (2)؛ فقوله تعالى: أَهْلَكْناها فَجاءَها إنما هو
بالنظر إلى اطراح المحذوف، وكما كان هذا بالنظر إلى اطراح المحذوف كأن قوله تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ بالنظر إلى الالتفات إليه فقد اشتملت الآية الشريفة على الأمرين.
ومنها: أن المصنف ذكر كما عرفت [4/ 96] أن المضاف إليه يخلف المضاف في التنكير بعد الحذف إن كان المضاف «مثلا» نحو: مررت برجل زهير شعرا، وهذا زيد زهير شعرا. فقال الشيخ: قد ردوا على الخليل قوله في نحو: له صوت صوت الحمار؛ أن «صوت الحمار» صفة لـ «صوت» وإن كان بصورة المعرفة (3)؛ لأنه على تقدير: مثل صوت الحمار فاكتسى التنكير من المضاف المحذوف (4). قال:
وقد ضعفه سيبويه وقبحه. وقال في مسألة: له صوت صوت حمار، وله خوار خوار ثور: إن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالا (5).
قال الشيخ: فعلى هذا لا تجوز المسألة التي قررها المصنف واتبع فيها الخليل؛ إذ ردّها سيبويه ومنعها (6). انتهى.
وللمصنف أن يقول: إني أرى جواز هذه المسألة كما رآه الخليل ولا يلزمني موافقة سيبويه في ما رآه فيها. وكان الواجب أن يبطل الشيخ هذا الرأي بالدليل، لا أن يبطل قولا بقول. ثم قال الشيخ: وإذا كان المضاف مؤنثا مضافا إلى مذكر أو مذكرا مضافا إلى مؤنث جاز اعتبار التذكير والتأنيث فيقال: فقئ زيد وفقئت زيدا، على مراعاة: فقئت عين زيد، وجدعت هند وجدع هند على مراعاة: جدع أنف هند (7). -
(1) سورة يونس: 24.
(2)
سورة الأعراف: 4.
(3)
الكتاب (1/ 361).
(4)
التذييل (7/ 261)، والكتاب (1/ 361).
(5)
السابق.
(6)
التذييل (7/ 261).
(7)
التذييل (7/ 261، 262).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: أنه قد يحذف مع المضاف غيره من مضاف آخر. والذي ذكره المصنف من ذلك أربع مسائل:
الأولى:
حذف فيها مضاف ثم المضاف إليه ذلك المضاف، وأقيم الثالث كما في قوله تعالى: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (1) أي: كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت.
الثانية:
حذف فيها ثلاثة متضايفات كالأولى وصفة وأقيم الرابع وهو ما كانت الصفة مضافة إليه كما في قول القائل:
3060 -
ولا الحجّاج عيني بنت ماء
التقدير: ولا الحجاج صاحب عين مثل عيني بنت ماء.
الثالثة:
حذف فيها مضاف أول وبقي ما أضيف إليه وهو الثاني، ثم حذف مضاف آخر وهو الثالث وبقي ما أضيف إليه وهو الرابع كما في البيت المتقدم:
بأعين وجرة
التقدير: بمثل أعين ظباء وجرة.
الرابعة:
أن يكون في الكلام متضايفات أربع فيحذف ثان وثالث ويبقى أول ورابع كما في قوله تعالى: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (2) أي: من أثر حافر فرس الرسول.
ومنها: أن ابن عصفور قال في المقرب: وقد لا يعرب المضاف إليه بعد الحذف بإعراب المضاف، وذلك إذا تقدم في اللفظ ذكر المحذوف نحو قولهم: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (3). فقال الشيخ: ظاهر كلامه - يعني -
(1) سورة الأحزاب: 19.
(2)
سورة طه: 96.
(3)
المقرب (1/ 214).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عصفور - أنه لا يشترط العطف لا متصلا ولا منفصلا بـ «لا» بخلاف كلام المصنف
…
فيكون من ذلك «طلحة الطّلحات» (1). انتهى.
ولقائل أن يقول: لا شك أن الجار عامل ضعيف؛ لافتقاره إلى ذكر شيء معه لعدم استقلاله. ولا يليق بما هو ضعيف أن يعمل محذوفا، ولهذا يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف بعد حذفه وإنما بقي الجر بعد الحذف في مثل: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة؛ لموجب وهو الفرار من العطف على عاملين فجعل لذلك المضاف
المحذوف في حكم المذكور مع تقدم ذكر مضاف مثل المحذوف. وأما بقاء الجر بعد حذف المضاف دون عطف إذا تقدم ذكر مثل المضاف المحذوف فلا شك في ثبوته.
وقد ذكر المصنف - كما عرفت عليه - شواهد ولكنه غير مقيس؛ إذ لا موجب للقول به بخلاف ما إذا وجد العطف؛ فإن للقول به موجبا وهو الفرار من العطف على عاملين، ولهذا كان مقيسا. وعلى هذا فالذي ينبغي الاستمساك بكلام المصنف والوقوف عنده.
على أن ابن عصفور لم يمثل المسألة إلا بالعطف وربما تمثيله بذلك يصرف كلامه عن ظاهره.
ثم إن الشيخ لما ذكر ما قاله المصنف عن الفارسي وهو أن بعض العرب يقول:
رأيت التيمي تيم فلان؛ على تقدير: أحد تيم فلان (2). قال: وهذه المسألة إحدى المسائل التي سأل عنها أبو بكر الشيباني (3) أنفدها من طبرية إلى أبي القاسم الزجاجي بدمشق وهي: هذا زيد السعدي سعد بكر؛ كيف يعرب «سعد» ؟ وما الاختيار فيه؟ فقال: يختار فيه الكوفيون الخفض على معنى «زيد» من «سعد» ثم يقول: سعد بكر؛ على الترجمة لأنا نريد بهذا الكلام الإضافة وليس يمتنعون من إجازة نصبه. فأما أصحابنا البصريون فلا يجيزون خفض هذا ألبتة. وإنما يجيزون النصب بتقدير: أعني، والرفع بتقدير: هو (4). انتهى.
ولا شك أن هذا النقل عن البصريين يمنع أن يكون ابن عصفور لا يشترط العطف في هذه المسألة - أعني بقاء جر المضاف إليه بعد حذف المضاف إذا كان مسبوقا بمضاف مثل المحذوف - لأنه لا يخرج عن مذهب البصريين.
(1) التذييل (7/ 263).
(2)
التذييل (4/ 95).
(3)
شعبة بن عياش الأسدي من أعلام القراء، وهو راوية عاصم كان فقيها في الدين (ت: 193 هـ).
الأعلام (3/ 242)، والنشر (1/ 156).
(4)
التذييل (4/ 95).