الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[من أحكام إضافة أسماء الزمان المبهمة]
قال ابن مالك: (فصل: تضاف أسماء الزّمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل فتبنى وجوبا إن لزمت الإضافة وجوازا راجحا إن لم تلزم وصدّرت الجملة بفعل مبنيّ، فإن صدّرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين.
وإن صدّرت بـ «لا» التبرئة بقي اسمها على ما كان وقد يجرّ ويرفع. وإن كانت المّحمولة على «ليس» ، أو «ما» أختها لم يختلف حكمهما.
ولا يضاف اسم زمان إلى جملة اسمية غير ماضية المعنى إلّا قليلا. وقد تضاف «آية» بمعنى: علامة إلى الفعل المتصرّف مجردا أو مقرونا بـ «ما» المصدرية أو النّافية ويشاركها في الإضافة إلى المتصرّف المثبت «لدن» و «ريث» وقد تفصل «لدن» و «الحين» بـ «أن» و «ريث» بـ «ما» .
وقالوا: اذهب بذي تسلم أي: بذي سلامتك، ولا بذي تسلم ما كان كذا.
ويختلف فاعلا «اذهب» و «تسلم» بحسب المخاطب، وعود ضمير من الجملة إلى اسم الزّمان المضاف إليها نادر؛ ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبنيّ من اسم ناقص الدّلالة ما لم يشبه تامّ الدّلالة).
ــ
هذا يشكل قوله: ولا بد من التنوين.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): أسماء الزمان المبهمة تعم ما لم يختص بوجه ما كـ «حين ومدّة ووقت وزمان» ، وما يختص بوجه دون وجه كنهار وصباح ومساء وغداة وعشيّة. فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ:«يومين وأسبوع وشهر» . واحترزت بـ (صريحة) من دلالة النهار على اثنتي عشرة ساعة؛ فإن ذلك لا يستحضر بذكر النهار كاستحضار عدد أيام الأسبوع بذكر أسبوع وكاستحضار عدد أيام الشهر بذكر شهر فلا يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان إلا العاري من دلالة صريحة على عدد فيضاف إليها زمن أو زمان، -
(1) انظر: شرح التسهيل (3/ 252).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويوم وأيام، وليلة وليال، وغداة وعشية وعصر وأشباهها، ومن شواهد ذلك:
2993 -
زمن العاذلي على الحبّ معذو
…
لـ عصيت الهوى فكنت مطيعا (1)
ومنها:
2994 -
أزمان قومي والجماعة كالّذي
…
لزم الرحالة أن تميل مميلا (2)
ومنها:
2995 -
أيّام لو تحتلّ وسط مفازة
…
فاضت معاطشها بشرب سابح (3)
ومنها:
2996 -
في ليال منهنّ ليلة باتت
…
ناقتي والها تجرّ الزماما (4)
ومنها:
2997 -
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة
…
حصين عبيطات السّدائف والخمر (5)
ومنها:
2998 -
عشيّة سعدى لو تراءت لراهب
…
بدومة تجر حوله وحجيج
قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها
…
على الشّوق إخوان العزاء هيوج (6)
ومنها:
2999 -
طحابك قلب في الحسان طروب
…
بعيد الشّباب عصر حان مشيب (7)
-
(1) انظره في التذييل (7/ 237).
(2)
بعده في شرح التسهيل لابن مالك: ومنها:
كأنّي غداة البين يوم ترحّلوا
…
لدى سمرات الحيّ نائف حنظل
هذا، والبيت من الكامل لعبيد بن حصين الراعي. الجمهرة (930)، والكتاب (1/ 154)، والمقرب (1/ 160) ويروي:«منع الدعامة» بدل «لزم الرحالة» .
(3)
من الكامل لزياد الأعجم. وينظر: التذييل (7/ 237)، والشعر والشعراء (397).
(4)
من المنسرح، وانظره في التذييل (7/ 238).
(5)
من الطويل للفرزدق. ديوانه (254)، والإنصاف (187)، والتصريح (1/ 247)، وشرح المفصل (1/ 32)، (8/ 70).
(6)
البيتان من الطويل نسبهما في اللسان للراعي. الأشموني (2/ 297)، والعيني (4/ 536)، والكتاب (1/ 56)، واللسان:«أخا» ، و «هيج» .
(7)
من الطويل لعلقمة الفحل، أو رجل من عبد القيس. الحلل (54)، والكتاب (2/ 379).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يضاف إليها «يومان» ولا «ليلتان» ولا «أسبوع» ولا «شهر» ؛ لأن أصل المضافات إلى الجمل «إذ» و «إذا» فأجري مجراهما من أسماء الزمان ما ساواهما في الإبهام، أو قاربهما لا ما باينهما من أسماء الزمان كـ «يومين» ولا ما ليس اسم كـ «آية». وأجاز ابن كيسان إضافة يومين إلى الجملة (1). والصحيح منع ذلك؛ لعدم السماع ولمخالفة «إذ» و «إذا» بالدلالة على العدد صريحا ونبهت بقولي:
(وجوبا) على إضافة «إذ» و «إذا» مع أن الكلام على ذلك قد تقدم في باب الظروف ثم قلت: (وجوازا راجحا إن لم يلزم وصدرت الجملة بفعل مبني) فنبهت على جواز الإعراب وترجيح البناء في نحو قوله:
3000 -
على حين عاتبت المشيب على الصّبا
…
وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع (2)
وفي نحو قول الآخر:
3001 -
لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما
…
على حين يستصبين كلّ حليم (3)
فإن كانت الجملة اسمية أو فعلية مصدرة بمضارع معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء عند الكوفيين دون البصريين والصحيح في هذه المسألة قول الكوفيين؛ لصحة الدلالة على ذلك نقلا وعقلا. فمن الدلائل النقلية قراءة نافع: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم (4) بنصب اليوم (5) مع أن المشار إليه هو اليوم؛ لاتفاق الستة على الرفع فلو جعلت الفتحة فتحة إعراب لا متنع أن يكون المشار إليه اليوم؛ لاستلزام ذلك اتحاد الظرف والمظروف وكان يجب أن يكون التقدير مباينا للتقدير في القراءاة الأخرى مع كون الوقت واحدا والمعنى واحدا؛ لأن المراد حكاية القول في ذلك اليوم فلا بد من كونها كذا مما يقتضي اتحاد المعنى دون تعدده وكفتحة يَوْمُ يَنْفَعُ (6) فتحة يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ (7) في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، ومسمى يوم لا تملك في -
(1) ينظر رأيه في التذييل (7/ 236).
(2)
من الطويل للنابغة الذبياني. ديوانه (51)، والأشموني (2/ 256)، والدرر (1/ 187)، والكتاب (1/ 369)، والمغني (517)، والهمع (1/ 218).
(3)
من الطويل. الأشموني (2/ 256)، والتصريح (2/ 42)، والدرر (1/ 187)، والهمع (1/ 218).
(4)
سورة المائدة: 119.
(5)
البحر المحيط (4/ 63)، وحجة ابن زنجلة (242)، وابن مجاهد (250).
(6)
سورة المائدة: 119.
(7)
سورة الانفطار: 19. وهي قراءة زيد بن علي والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج وباقي السبعة. -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قراءتهما هو «يوم الدّين» فلا يكون غيره في قراءة غيرهما. فيلزم من ذلك كون الفتحة بنائية وكون ما هي فيه مرفوع المحل ولا يقدر: «أغنى» ؛ لأن تقدير «أغنى» لا يصلح إلا بعد ما يدل على المسمى دلالة تعيين و «يوم الدّين» دالّ على مسماه دلالة تعيين فتقدير «أغنى» بعده غير صالح ومن شواهد البناء قبل فعل معرب قول الشاعر [4/ 89]:
3002 -
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني
…
نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر (1)
ومن شواهد البناء قبل الجملة الاسمية قول أسيد بن عنقاء الفزاري:
3003 -
دعاني فأنساني ولو ضنّ لم ألم
…
على حين لا بدو يرجّى ولا حضر (2)
ومثله:
3004 -
على حين خلّاني من القوم خلّة
…
كهول وولّى ربقتي وشبابي (3)
ومثله:
3005 -
تذكّر ما تذكّر من سليمى
…
على حين التّراجع غير دان (4)
ومثله:
3006 -
ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني
…
كريم على حين الكرام قليل
وإنّي لا أخرى إذا قيل مملق
…
سخيّ وأخزى أن يقال بخيل (5)
ومثله:
3007 -
أعليّ أحين ما الحرب جاءت
…
صلت بغيّا وكنت قبل ذليلا (6)
-
- راجع البحر المحيط (8/ 437)، وحجة ابن زنجلة (753، 754).
(1)
من الطويل لأبي صخر الهذلي. شرح السكري (957)، والمغني (62، 299).
(2)
من الطويل لابن المعتز. التوطئة (348)، والدرر (1/ 187)، والهمع (1/ 218).
(3)
من الطويل وانظره في التذييل (7/ 241).
(4)
من الوافر. الأشموني (2/ 257)، والتصريح (2/ 42)، والعيني (236)، ويروى «التواصل» بدل «التراجع» .
(5)
من الطويل لمويال بن جهم المذحجي، أو بشر بن هذيل الفزاري. الأشموني (2/ 257)، والدرر (1/ 187)، والعيني (3/ 412)، والهمع (1/ 218).
(6)
انظره في التذييل (7/ 241).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هكذا نقلت هذه الأبيات بالفتح بناء، مع أن الإضافة فيها إلى جمل مصدرة بمعرب إعرابا أصليّا فلأن يثبت بناء ما أضيف إلى جملة مصدرة بمعرب أصله البناء أحق وأولى، وهذه دلالة عقلية تقتضي بناء المضاف إلى الجملة المصدرة بفعل معرب. وأقوى منها أن يقال: سبب بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني إما قصد المشاكلة وإما غير ذلك. فلا يجوز أن يكون قصد المشاكلة؛ لأمرين:
أحدهما: أن البناء قد ثبت مع تصدير الجملة المضاف إليها اسم معرب ولا مشاكلة فامتنع أن يكون البناء لقصدها.
الثاني: أن بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني لو كان سببه قصد المشاكلة لكان بناء ما أضيف إلى اسم مبني أولى؛ لأن إضافة ما أضيف إلى اسم مفرد إضافة في اللفظ والمعنى وإضافة ما أضيف إلى جملة إضافة إليها في اللفظ وإلى مصدر في التقدير، وتأثير ما يخالف لفظه معناه أضعف من تأثير ما لا تخالف فيه أعني إضافة اسم الزمان إلى مفرد من الأسماء مبني، ولا خلاف في انتفاء سببه الأقوى؛ فانتفاء سببه الأضعف أولى. فثبت بهذا كون بناء المضاف إلى الجملة مسببا عن أمر آخر وهو شبه المضاف إليها بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه وإلى غيره. فإن «قمت» من قولك: حين قمت قمت، وإن قمت قمت؛ كان كلاما تامّا قبل دخول «حين» و «إن» عليه وبدخولهما عليه حدث له افتقار إليهما وإلى ما بعدهما فشبه «حين» وأمثاله بـ «أن» وجعل ذلك سببا للبناء المشار إليه على وجه لا يخالف القاعدة العامة وهي ترتيب بناء الأسماء على مناسبة الحرف بوجه.
وقد يضاف اسم الزمان إلى جملة مصدرة بـ «لا» التبرئة فيبقى اسمها على ما كان عليه من بناء، أو نصب، وقد يجر، وقد يرفع. فمن ذلك ما حكى أبو الحسن من قول بعض العرب: جئتك يوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد (1)، وأنشد:
3008 -
تركتني حين لا مال أعيش به
…
وحين جنّ زمان النّاس أو كلبا (2)
-
(1) الارتشاف (2/ 521).
(2)
من البسيط لأبي الطفيل. وجوز الفارسي في «المسائل المنثورة» الحركات الثلاث في «مال» . أمالي الشجري (1/ 239)، والدرر (1/ 188)، والكتاب (1/ 357)، والهمع (1/ 218).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تكون «لا» المصدرية العاملة عمل «ليس» فيتعين بقاء عملها، وكذلك حكم «ما» أختها، ومن شواهد ذلك قول سواد بن قارب رضي الله عنه (1):
3009 -
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
…
بمغن فتيلا عن سواد بن قارب (2)
ومنها قول الآخر:
3010 -
تبدّت لقلبي فانصرفت بودّها
…
على حين ما هذا بحين تصابي (3)
وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة اسمية امتنع عند سيبويه أن تكون مستقبلة المعنى والذي حمله على ذلك أن الأصل في ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان «إذ» في الماضي و «إذا» في المستقبل وغيرهما تبع لهما. فللجاري مجرى «إذ» أن يضاف إلى جملة اسمية وإلى جملة فعلية؛ لصحة إضافة «إذ» إليهما، وليس لما جرى مجرى «إذ» في قصد الاستقبال أن يضاف إلا إلى جملة فعلية فيقال: آتيك حين يذهب زيد، وحين زيد يذهب؛ كما يقال:
آتيك إذ يذهب زيد، وإذ زيد يذهب، ولا يقال: آتيك حين زيد ذاهب؛ كما لا يقال: آتيك إذا زيد ذاهب (4). هذا مقتضى مذهب سيبويه - رحمه الله تعالى - أعني منع جواز دخول «إذا» على جملة اسمية، ومنع جواز دخول ما جرى مجراها على جملة اسمية، والصحيح جواز الأمرين لكن على قلة.
وقد أشرت إلى جواز ذلك في باب الظروف، وذكرت دلائل صحته نثرا ونظما، فأغنى ذلك عن قول ثان. وقيدت الفعل الذي يضاف إليه «آية» بكونه متصرفا؛ ليعلم أنها لا تضاف إلى غير متصرف كـ «عسى» و «ليس» ، ومن إضافتها إلى الفعل المجرد قول الشاعر: -
(1) الأزدي شاعر جاهلي صحابي في الإسلام عاش إلى خلافة عمر (ت: 15 هـ) بالبصرة. الإصابة (ت 3576)، والأعلام (3/ 213)، والروض الأنف (1/ 139).
(2)
من الطويل. الأشموني (1/ 251)، (2/ 256)، والتصريح (1/ 201)، (2/ 41)، والمغني (419، 582).
(3)
من الطويل. الدرر (1/ 188)، والهمع (1/ 218).
(4)
الكتاب (3/ 119).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3011 -
ألكني إلى سلمى بآية أو مأت
…
بكفّ خضيب تحت كفّ مدرع (1)
وإلى مقرون بـ «ما» المصدرية قول الآخر:
3012 -
ألا من مبلغ عنّي تميما
…
بآية ما يحبّون الطّعاما (2)
وإلى مقرون بـ «ما» النافية قول الآخر (3):
3013 -
ألكني إلى قومي السّلام رسالة
…
بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا (4)
وفي هذا البيت دلالة على أنه لا حاجة إلى تقدير حرف مصدري بين «آية» والفعل المجرد كما زعم ابن جني في
قول الشاعر:
3014 -
بآية يقدمون الخيل شعثا
…
كأنّ على سنابكها مداما (5)
فزعم أنه أراد: بآية ما يقدمون (6)، وهو خلاف قول سيبويه (7). وكذا زعم ابن جني أن «ما» في قول الآخر:
3015 -
بآية ما يحبّون الطّعاما
مصدرية (8)، وجعلها سيبويه زائدة ذكر ذلك في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء (9). ووجه الاستدلال بقول القائل:
3016 -
آية ما كانوا ضعافا ولا عزلا
أن «آية» فيه مضافة إلى فعل منفي بـ «ما» وتقدير «ما» المصدرية قبل «ما» النافية ممتنع؛ فصحت إضافة «آية» إلى فعل مستغن عن «ما» المصدرية ويشارك «آية» -
(1) من الطويل. التذييل (7/ 246).
(2)
من الوافر ليزيد بن الصعق. الخزانة (3/ 138)، والكتاب (1/ 460)، والمغني (420، 638)، والهمع (2/ 51).
(3)
ش: كقول الشاعر.
(4)
من الطويل لعمرو بن شأس. الخصائص (3/ 247)، والدرر (2/ 64)، والعيني (3/ 596)، والكتاب (1/ 101)، واللسان:«ألك» ، والهمع (2/ 50). هذا، وألك: فيه معنى التبليغ والإرسال.
(5)
من الوافر. نسبه في الكتاب للأعشى وليس في ديوانه، والدرر (2/ 63)، والكتاب (1/ 460)، والهمع (2/ 51).
(6)
المغني (420).
(7)
الكتاب (1/ 460)، (3/ 117، 118).
(8)
المغني (2/ 420).
(9)
الكتاب (3/ 118).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الإضافة إلى فعل متصرف مثبت «لدن» و «ريث» وهما أحق بذلك من «آية» .
أما «لدن» ؛ فلأنها تدل على مبدأ الغاية زمانا أو مكانا، فإذا دلت على المبدأ الزماني فجريها مجرى أسمائه المبهمة ليس ببدع. فمن ذلك قول [4/ 90] الشاعر:
3017 -
لزمنا لدن سألتمونا وفاقكم
…
فلا يك منكم للخلاف جنوح (1)
وقد تتوسط «أن» بينها وبين الفعل زائدة أو مصدرية كقول الشاعر:
3018 -
وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا
…
قرابة ذي قربي ولا حقّ مسلم (2)
وأما «ريث» فهو مصدر «راث - يرث» إذا أبطأ؛ فعومل في الإضافة إلى الجمل معاملة أسماء الزمان كما عوملت المصادر معاملة أسماء الزمان في التوقيت.
ومن إضافة «ريث» إلى الجملة قول الشاعر:
3019 -
خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة
…
من العرصات المذكرات عهودا (3)
وقد يتوسط بينه وبين الفعل «ما» زائدة أو مصدرية كقول الشاعر:
3020 -
بمحيّاه حين يلقى ينال الس
…
سؤل راجيه ريثما يتسنّى (4)
وعلى كل حال ففي إضافة الثلاثة إلى الجمل شذوذ؛ لتساويها في استبدادها بالإضافة إلى الجمل دون النظائر كاستبداد «آية» دون «علامة» و «سمة» ، وكاستبداد «لدن» دون «لدى» و «عند» وكاستبداد «ريث» دون «بطء» و «لبث». وقد تتوسط «أن» بين «حين» والجملة كقول أوس بن حجر (5):
3021 -
وحالت على وحشيّها أمّ جابر
…
على حين أن نالوا الرّبيع وأمرعوا (6)
وأشد من إضافة الثلاثة إضافة «ذي» بمعنى «صاحب» إلى مضارع «سلم» مسندا إلى المخاطب بعد «اذهب» في قولهم: اذهب بذي تسلم، وفي التأنيث: -
(1) من الطويل. التذييل (7/ 247)، والمغني (421).
(2)
من الطويل. التذييل (7/ 247).
(3)
من الطويل. الدرر (1/ 182)، والمغني (421)، والهمع (1/ 213).
(4)
انظره في التذييل (7/ 248).
(5)
التميمي شاعر جاهلي غزل مغرم بالنساء وهو زوج أم زهير بن أبي سلمى (ت: 2 ق. هـ) الأعلام (1/ 374)، والأغاني طبعة الدار (11/ 70)، ومعاهد التنصيص (1/ 132).
(6)
من الطويل وهو بنسبته في التذييل (7/ 248).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اذهبي بذي تسلمين، وفي التثنية: اذهبا بذي تسلمان، وفي الجمع: اذهبوا بذي تسلمون، واذهبن بذي تسلمن. وقالوا أيضا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا؛ حكاه ابن السكيت (1) رحمه الله تعالى.
وقد اتفقت هنا الإضافة إلى الفعل لفظا وإلى المصدر تقديرا على أن كل مضاف إلى جملة مقدر الإضافة إلى المصدر من معناها، ومن أجل ذلك لا يعود منها ضمير إلى المضاف إليها. كما لا يعود من المصدر. فإن سمع ذلك عد نادرا كقول الأعشى:
3022 -
وتبرد برد رداء العرو
…
س في الصّيّف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع
…
نباحا بها الكلب إلّا هريرا (2)
ومثله:
3023 -
مضت سنة لعام ولدت فيه
…
وعشر بعد ذلك وحجّتان (3)
وهذا مما خفي على أكثر النحويين. ولذلك قال ابن السراج: فإن قلت: أعجبني يوم قمت فيه؛ امتنعت الإضافة؛ لأن الجملة حينئذ صفة ولا يضاف موصوف إلى صفة (4). ونبهت بقولي: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) على جواز بناء «غير» و «دون» و «بين» وشبهها من الأسماء التي لا تتم دلالتها على ما يراد بها إلا بما تضاف إليه مع مناسبتها الحروف بعدم قبولها للنعت والتعريف بالألف واللام والتثنية والجمع وبعدم اشتقاقها والاشتقاق منها؛ فإن ما فيها من مناسبة الحروف صالح لجعله سبب بناء على الإطلاق، لكنه ألغي في الإضافة إلى معرب واعتبر في الإضافة إلى مبني قصدا للمشاكلة. وبعضها أحق بالبناء من بعض لكونه أزيد مناسبة كما ترى في «غير» من وقوعها موقع «إلا» وموقع «لا» نحو: قاموا غير زيد وزيد غير بخيل ولا جبان. وحكى الفراء أن بعض بني أسد وقضاعة يبنون «غيرا» على الفتح إذا وقعت موقع «إلا» تمّ الكلام -
(1) يعقوب بن إسحق أبو يوسف، كان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة، وهو راوية ثقة أخذ عنه السكري وغيره. له إصلاح المنطق والألفاظ (ت: 244 هـ). الأعلام (9/ 255)، والإنباه (4/ 50) والنزهة (178) وانظر: الارتشاف (2/ 528)، والتذييل (7/ 248).
(2)
من المتقارب. ديوانه (69)، والدرر (1/ 189)، والمغني (592)، والهمع (1/ 219).
(3)
من الوافر للنابغة الجعدي، وقيل: للنمر بن تولب. ديوان الجعدي (161)، والدرر (1/ 189)، وابن سلام (104)، والمقرب (1/ 216).
(4)
الأصول (2/ 8) وانظره (2/ 5).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلها أم لم يتم، نحو: ما قام أحد غيرك وما قام غيرك (1). وأنشد عن الكسائي:
3024 -
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
…
حمامة في غصون ذات أو قال (2)
ومن شواهد بناء «دون» قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ (3) ففتح نونه وهو موضع رفع بالابتداء، ومن بناء «بين» قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ (4) ففتح النون وهو في موضع رفع؛ لقيامه مقام الفاعل ومثله قول الشاعر:
3025 -
ولم يترك النّبل المخالف بينها
…
أخا لأخ يرجى ومأثورة الهند (5)
هكذا ضبطه من يوثق بضبطه بفتح النون من «بينها» أجرى قوم منهم الزمخشري (6) وابن عصفور (7)«مثلا» مجرى «غير» في جواز البناء عند الإضافة إلى مبني واستشهدوا بقراءة الحرميين، والصريحين، وحفص (8): إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (9) بفتح اللام (10) وهو في موضع رفع صفة لـ (حقّ)(11) وبقراءة بعض السلف: أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح (12)، وبقول الشاعر:
3026 -
[فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم]
…
إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر (13)
-
(1) معاني الفراء (1/ 383)، والتصريح (1/ 15)، وشرح المفصل (3/ 80)، (8/ 135)، والمغني (159)، والهمع (1/ 219).
(2)
من البسيط لأبي قيس بن الأسلت. الإنصاف (287)، والشجري (1/ 46)، (2/ 264)، والكتاب (1/ 369) والمصادر السابقة.
(3)
سورة الجن: 11.
(4)
سورة سبأ: 54.
(5)
من الطويل. التذييل (7/ 256).
(6)
في الكشاف (2/ 230)، (4/ 318).
(7)
شرح المفصل (3/ 80)، (8/ 35)، والمغني (159)، والهمع (1/ 219).
(8)
ابن عمر النحوي الأزدي إمام القراءة في عصره وأول من جمع القراءات. (ت: 246 هـ).
الأعلام (2/ 291)، وغاية النهاية (1/ 254)، والنشر (1/ 156).
(9)
سورة الذاريات: 23.
(10)
ينظر في ذلك: البحر المحيط (8/ 136)، وحجة ابن زنجلة (679).
(11)
في شرح التسهيل لابن مالك: على أنه نعت خبر «أن» .
(12)
سورة هود: 89. وهي قراءة مجاهد والجحدري وابن أبي إسحق ورويت عن نافع. وراجع البحر المحيط (5/ 255).
(13)
من البسيط للفرزدق والمذكور عجزه، وذكرنا صدره. ديوانه (223)، والعيني (2/ 96)، والكتاب (1/ 29)، والمقتضب (4/ 191).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أن «مثلهم» مبتدأ، ولا ينبغي لـ «مثل» أن يجري مجرى «غير» ؛ لأنه وإن وافقه في أن دلالته على معناه لا تتم إلا بما يضاف إليه فقد خالفه بمشابهة التام الدلالة في قبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق منه. وكل ما استشهدوا به على البناء فخرج على الإعراب أحسن تخريج؛ فيجعل (حق) اسم فاعل من «حق - يحق» ثم قصر كما فعل بـ «بار، وسار» حين قيل فيهما: بر وسر، وبقي فيه الضمير الذي كان فيه قبل القصر وجعل مِثْلَ ما حالا منه. وأما قراءة من قرأ:
أن يصيبكم مثل ما أصاب (1)؛ بالنصب فوجهه أنه منصوب على المصدرية وفاعل (يصيبكم) ضمير عائد على (الله) من: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (2)؛ كأنه قيل: ولا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم الله مثل ما أصاب قوم نوح، وإنما يحتاج إلى هذا إذا سلم بناء «غير» وما بعدها في المواضع المذكورة. وهو وإن كان أشهر من بناء «مثل» ضعيف عندي؛ لأن الإضافة فيها قياسية، فلا ينبغي أن تكون سبب بناء؛ لأنها من خصائص الأسماء، فحقها أن تكف سبب البناء وتقلبه؛ لأنها تقتضي الرجوع إلى الأصل والسبب الكائن معها يقتضي الخروج عن الأصل وما يدعو إلى مراجعة الأصل راجع على ما يدعو إلى مفارقته. ولذلك رجح شبه «أي» بـ «كل» و «بعض» على شبهها [4/ 91] بحرفي الشرط والاستفهام في المعنى وبالحرف المصدري في لزوم الافتقار. وإذا ثبت هذا وجب توجيه ما أوهم بناء «غير» وشبهه للإضافة إلى مبني بما لا يخالف الأصول ولا يعسر القبول؛ فيخرج قول بني أسد وقضاعة: ما جاء غيرك؛ بفتح الراء على أن يكون المراد: ما جاء جاء غيرك؛ فنصب «غيرك» على أنه حال أو منصوب على الاستثناء، وساغ حذف «جاء» وهو فاعل؛ لأنه بعد نفي والعموم فيه مقصود وحذف مثل هذا بعد النفي والنهي كثير. فمن بعد النفي قوله عليه الصلاة والسلام:«لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (3) أي: ولا يشرب الشارب. ومثله قول الراجز: -
(1) سورة هود: 89.
(2)
سورة هود: 88.
(3)
هو عن أبي هريرة رضي الله عنه. البخاري: كتاب الحدود (8/ 195، 196)، وابن حنبل (2/ 217)، (4/ 252) والدارمي: أشربة (11)، وأبو داود: سنة (15)، وابن ماجه: فتن (3)، ومسلم:
إيمان (100)، والنسائي: قطع السارق (1)، وقسامة (9).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3027 -
ما سار في سبل المعالي سيره
…
ولا كفى في النّائبات غيره (1)
أراد: ما سار سائر غيره، ولا كفى كاف غيره. ومثله قول الشاعر:
3028 -
فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني
…
إلى قطريّ لا إخالك راضيا (2)
أراد: فإن كان لا يرضيك مرض، ومن وقوعه بعد النهي قراءة هشام (3):
ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا (4)، أي: ولا يحسبن حاسب، وعلى هذا يحمل قول الشاعر:
3029 -
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
كأنه قال لم يمنع الشرب منها مانع غير أن نطقت، والنصب على الحالية أو على الاستثناء. وأما قوله تعالى: مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ (5) فعلى تقدير: ومنا صنف دون ذلك؛ فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه كما قال الشاعر:
3030 -
لكم مسجد الله المزوران والحصى
…
لكم قبصة من بين أثرى وأقترا (6)
أراد: من بين من أثرى ومن أقتر؛ فحذف «من» وهي نكرة موصوفة وأبقى صفتها وبمثل هذا يوجه قوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ (7)؛ فحذف «حول» مصدر (حيل) وأقيمت صفته مقامه ومثله قول الشاعر:
3031 -
ولم يترك النّبل المخالف بينها
…
أخ لأخ يرجى ومأثورة الهند (8)
أراد: المخالف خلاف بينها؛ فحذف الموصوف وهو مفعول ما لم يسم فاعله -
(1) انظره في التذييل (7/ 257).
(2)
من الطويل لسوار بن المضرب. الأشموني (2/ 45)، والخصائص (2/ 433)، والشجري (1/ 185) والمحتسب (2/ 192).
(3)
هشام بن عمار بن ميسرة السلمي من القراء المعروفين وله «فضائل القرآن» (ت: 245 هـ) - الأعلام (9/ 83)، وميزان الاعتدال (3/ 255).
(4)
سورة آل عمران: 169، وينظر: البحر المحيط (3/ 112).
(5)
سورة الجن: 11.
(6)
من الطويل للكميت. الأشموني (3/ 70)، والإنصاف (721)، والعيني (4/ 84)، واللسان:«قبص» .
(7)
سورة سبأ: 54.
(8)
تقدم ذكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأقام صفته مقامه. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (1).
ويتعلق به أبحاث:
الأول:
ظاهر ما ذكره أن الإضافة إلى الجمل مقصورة على ما ذكره وهو أسماء الزمان المبهمة وأربع الكلمات التي تضمنها الفصل وهي «آية» بمعنى: علامة، و «لدن» ، و «ريث» ، و «ذو» من قولهم: اذهب بذي تسلم، وليس كذلك؛ فإن «حيث» تضاف إلى الجملة وليست ظرف زمان ولا هي من الكلمات التي ذكرها؛ بل هي ظرف مكان. ثم ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان وغيرها منه ما إضافته إليها واجبة، ومنه ما إضافته جائزة كما عرف ذلك من تفاصيل الأبواب. وأفهم قوله:
(أسماء الزمان) أن اسم الزمان يضاف إلى الجملة على الإطلاق سواء كان ظرفا أم غير ظرف.
قال الشيخ (2): وقوله: (غير المحدودة) تأكيد؛ لأن (المبهمة) كان يغني عن الوصف بـ (غير المحدودة). ولقائل أن يقول: إن المختص من أسماء الزمان هو المتعين الزمان منها، كأسماء الأيام والشهور فإنها تعين مسماها، وما لا يتعين مسماه فهو المبهم. ثم المبهم منه معدود وغير معدود؛ فـ «يومان» مثلا مبهم معدود و «وقت» و «زمن» و «حين» مثلا مبهم غير معدود. ولا شك أن المعدود محدود، وإذا كان الأمر كذلك والفرض أن المحدود لا يجوز فيه الإضافة المذكورة تعين أن يقيد قوله:(المبهمة) بقوله: (غير المحدودة). وقد تقدم في باب المفعول المطلق أن المعدود من قبيل المختص؛ فيكون قسيما للمبهم. والآن قد ذكرنا أن المعدود من قبيل المبهم فيكون قسما منه. والذي يظهر أن كونه قسما أولى من كونه قسيما.
الثاني:
ذكر المصنف في شرح باب «لا» العاملة عمل «إن» عن المبرد أنه قال: العرب -
(1) انظر: شرح التسهيل (3/ 265).
(2)
التذييل (7/ 236).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقول: أعجبني يوم زرتني؛ فتبني، وأعجبني يوما زرتني؛ فتعرب (1). وهذا صريح في جواز إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجملة.
وجرى ذكر هذه المسألة مرة في مجلس فيه المعتبرون من أهل الفن فذكرت لهم ما ذكره المصنف عن المبرد فقال بعض الجماعة: هذا منقوض بقوله في باب الإضافة:
(تضاف أسماء الزمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل) فأجبت بأن لا مناقضة؛ وذلك أنه إنما قيد الأسماء المذكورة بعدم التحديد ليرتب على ذلك بناءها ومن ثم قال: فيبنى وجوبا إن كان كذا وجوازا إن كان كذا، وإذا كان كذلك فلا يمتنع إضافة أسماء الزمان المحدودة إلى الجمل، لكنها إذا أضيفت تكون معربة، ولا يجيء فيها البناء كما كان في غير المحدودة. فاستحسنه الجماعة وكنت جازما بذلك.
لكن لما وقفت على قوله في الشرح هنا: ولا يضاف إليها يوما ولا ليلتان ولا أسبوع ولا شهر أشكل الأمر؛ لأنه صرح بأن المحدودة لا تضاف وأطلق وحينئذ يعود السؤال وهو أن يقال: كيف قال هنا: إن المحدودة من أسماء الزمان لا تضاف وقال في باب «لا» : إن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني؛ فتعرب، ولا شك أن اليومين مضافان إلى «زرتني» مع أنهما معربان حال إضافتهما.
والذي ذكره المصنف هنا قد صرح به ابن عصفور حيث قال: ولا يضاف إلى جملة أسماء الزمان غير المثناة. وكلام الشيخ (2) موافق لذلك. وذكر السهيلي العلة في امتناع إضافة المبني إلى الجمل. فقال: لأن الحدث إنما يقع مضافا للظرف الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر (3).
قال: ووجه آخر وهو أن الجملة المضاف إليها هي نعت للظرف في المعنى فقولك:
يوم قدم زيد؛ كقولك: يوم قدم زيد فيه، في المعنى. والفعل لا تدخله التثنية فلا يصح [4/ 92] أن يضاف إليه الاثنان كما لا يصح أن ينعت الاثنان بواحد. ووجه ثالث وهو أن قولك: قام زيد؛ لا يصح إلا أن يكون جوابا لـ «متى» ، واليومان جواب لـ «كم» وما هو جواب لـ «كم» لا يكون جوابا لـ «متى» أصلا؛ فإن -
(1) المقتضب (4/ 374) وما بعدها.
(2)
في التذييل (7/ 236) قال: (وذهب ابن كيسان إلى جواز إضافة المثنى إلى الجملة، والصحيح المنع؛ إذ لم يسمع، نصّ على ذلك ابن السراج).
(3)
التذييل (7/ 237).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أضفت اليومين كنت مناقضا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا لـ «متى» (1).
هذا ما نقلته من شرح الشيخ.
ولم أفهم شيئا من الوجه الأول، ولا الثاني، ولا الثالث. ثم إني لم أعلم الموجب لاقتصار ابن عصفور على إخراج المثناة. ولا شك أن قول المصنف:(غير المحدودة) يشمل المثنى وغيره مما هو محدود؛ ولهذا قال: فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ: «يومين» و «أسبوع» و «شهر» .
ولكن قال الشيخ: وأما ما كان من الظروف غير مثنى ودل على استحضار ما تحته من العدد استحضارا أوليّا كـ: «أسبوع» و «شهر» و «عام» فنص بعض أصحابنا على جواز إضافته إلى الجمل. ومنع المصنف ذلك في كل ما دل على عدد دلالة صريحة كـ: «أسبوع» و «شهر» (2).
وأقول: إن الذي ذكره المصنف هو الظاهر بل الحق. ويدل على صحته أن الشيخ بعد ذكره ما تقدم نقل عن صاحب البديع (3) أنه قال: الأوقات التي تضاف إلى الجمل هي ما كانت حينا وزمانا لا يختص به شيء دون شيء ويقبح في الموقت نحو: «شهر» ، و «سنة» حتى قالوا: لا يضاف شيء له عدد نحو: «يومين» (4).
انتهى. وهذا موافق لما ذكره المصنف.
ومما ينبه عليه أن الجمع ليس حكمه حكم المثنى؛ لأنه غير محدود وإنما حكمه حكم المفرد. وقد تقدم ما أنشده المصنف من قول الشاعر:
3032 -
أزمان قومي والجماعة
…
... البيت
وقول الآخر:
3033 -
أيّام لو تحتلّ وسط مفازة
ومنه قول الآخر:
3034 -
ليالي أفناد الهوى ويقودني
…
تحول بنا ريحانه وتحاوله (5)
-
(1) المصدر السابق.
(2)
السابق.
(3)
هو محمد بن مسعود الغزني، أكثر أبو حيان من النقل عنه، وذكره ابن هشام في المغني، وله ذكر في جمع الجوامع (ت: 421 هـ). وانظر: البغية (1/ 245)، وكشف الظنون (236).
(4)
التذييل (7/ 237).
(5)
من الطويل لجرير. ديوانه (479)، والتصريح (1/ 318)، (2/ 199)، والدرر (2/ 145)، -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البحث الثالث:
ذكر الشيخ عن صاحب البسيط (1) أن هذه الإضافة - أعني إلى الجمل - هل تفيد تعريفا، أو لا؟ قال: فقد يقال: لا تفيد تعريفا؛ لأن الجمل نكرات، وقد يقال: إن الجمل تقدر بالمصادر والمصدر يضاف في التقدير إلى الفاعل أو المفعول، فكان معرفة إن كان المضاف إليه كذلك؛ لأن إضافة المصدر محضة، قال: وفيه نظر؛ لأن تقدير الجملة تقدير المصنف ليس على جهة أن الظرف سابك، وإنما هو تقدير المعنى كما في همزة التسوية، وإذا كان كذلك فلا التفات إلى هذه الإضافة بالنسبة إلى التعريف كما لا يتعرف قولك: غلام رجل، وأنت تريد واحدا بعينه، وأيضا فإنه لا يلزم في المصدر أن يضاف؛ بل قد يقدر منونا عاملا (2). انتهى.
وهو كلام حسن إلا أنه قال: وحصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه يدل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف (3).
وأقول: إن حصر النحويين الإضافة التي لا تفيد تعريفا في ما حصروه إلى آخره ليس فيه دليل على أن هذه الإضافة تفيد التعريف؛ لأن الإضافة إلى الجمل إنما هي على خلاف الأصل إذ الأصل الإضافة إلى المفرد، فالتقسيم الذي ذكروه - وهو أن الإضافة تفيد تعريفا ولا تفيده - إنما هو راجع إلى ما هو الأصل وهو الإضافة إلى المفرد، أما المضاف إلى الجملة من أسماء الزمان وغيرها فله حكم نفسه؛ إن كان معلوما قبل أن يضاف فمعلوم بعد الإضافة، أو غير معلوم فغير معلوم، ولا مدخل للإضافة في إفادة ذلك.
البحث الرابع:
قد عرفت أن المصنف اختار مذهب الكوفيين وهو جواز بناء اسم الزمان المضاف إلى جملة مصدرة باسم أو فعل معرب، وقد استدل على ذلك بما تقدم ذكره. -
- وشرح المفصل (4/ 35)، والعيني (3/ 7)، (4/ 311)، والنقائض (632)، والهمع (2/ 111).
(1)
هو ابن العلج وقد تقدم.
(2)
التذييل (7/ 239).
(3)
السابق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال الشيخ فيه: تأول البصريون قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (1) على أن هذا ليس إشارة إلى اليوم
في قراءة النصب بل هو إشارة إلى الوعد وهذا مبتدأ، ويَوْمُ يَنْفَعُ خبره كأنه قيل: هذا الوعد يوم ينفع، وكذلك تأولوا يَوْمَ لا تَمْلِكُ (2) على أنه منتصب بإضمار فعل؛ أي: اذكر يوم لا تملك، وكذلك يحتمل قوله:
3035 -
إذا قلت هذا حين أسلو
أن يكون التقدير: هذا حالي حين أسلو؛ فيكون خبر «هذا» محذوفا لفهم المعنى (3). ثم قال: وما ذكره - يعني المصنف - لا يلزم؛ لأنه بناه على أن هذا إشارة إلى اليوم كهو في قراءة من رفع (4)، وقد ذكرنا أن البصريين تأولوا ذلك. قال: وأما مباينة التقدير باعتبار القرائن فلا تضر؛ لأن القراءتين تتنزلان في الآية الواحدة منزلة الآيتين، وأما كون الوقت واحدا فيمكن أن يقع فيه أقوال متباينة. وأما أن المعنى واحد فغير مسلم؛ وقد تتعدد المقولات المحكية والزمان واحد وأما يَوْمَ لا تَمْلِكُ؛ فقد ذكرنا أن نصبه على تقدير:«اذكر» (5). انتهى.
والناظر الحاذق إذا قابل ما ذكره وما أشار إليه من تأويل البصريين بما ذكره المصنف علم ما بينهما من التفاوت وأن كلام المصنف في النقاع والكلام الذي قوبل به في الحضيض.
وفي شرح الشيخ: ومما يجوز فيه الإعراب والبناء هذه الظروف إذا أضيفت إلى «إذ» التي لحقها تنوين العوض نحو: «حينئذ» و «ساعتئذ» و «ليلتئذ» و «يومئذ» أو التي لم يلحقها نحو: جئت يومئذ قام زيد (6)، وقال في قول المصنف:(فإن صدرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين): إن ذكر جواز الإعراب في هذه المسألة ليس جيدا؛ لأن الإعراب في المسألتين متحتم عند البصريين وجائز عند الكوفيين؛ إذ يخيرون في المسألتين بين الإعراب والبناء.
قال: فقد اختلف مدرك المذهبين؛ فلا يمكن [4/ 93] أن يقال في ذلك: جاز -
(1) سورة المائدة: 119.
(2)
سورة الانفطار: 19.
(3)
التذييل (7/ 241، 242).
(4)
الرفع في هذا يوم ينفع قراءة غير نافع وفي يوم لا تملك لابن كثير وأبي عمرو. راجع البحر المحيط (4/ 63)، (8/ 437)، وحجة ابن زنجلة (242، 753، 754)، وابن مجاهد (250).
(5)
التذييل (7/ 242).
(6)
التذييل (7/ 243).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإعراب باتفاق (1). انتهى.
والجواب: أننا نعرف تحتّم الإعراب عند البصريين من قوله: (والبناء خلافا للبصريين) فكلامه سديد، لا مؤاخذة فيه.
البحث الخامس:
قد عرفت أن المصنف فسر قولهم: بذي تسلم: بذي سلامتك، ففهم من كلامه أن «ذي» بمعنى «صاحب» كما هي في قولهم: بذي سلامة، قالوا:
والمعنى: اذهب في وقت ذي سلامة، وقد ذكروا في معناه غير ذلك والظاهر ما أشرنا إليه. وقد عرفت ما ذكره المصنف عن ابن السكيت أنه حكاه عن العرب وهو أنهم قالوا في القسم: لا بذي تسلم ما كان كذا.
وفي شرح الشيخ: وقالوا: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، (ولا أفعل بذي تسلمون)(2)، وفي الأبيات أيضا يعني أنهم يقولون: افعل بذي تسلم (3)، وفي شرح الشيخ أيضا: أن بعضهم ذهب إلى أن «ذي» من قولهم:
بذي تسلم - بمعنى «الذي» فهي موصولة و «تسلم» صلة لها وذلك على لغة طيئ وأعربت على لغة بعضهم، والمعنى اذهب في الوقت الذي تسلم فيه ثم اتسع فحذف الجار وأوصل الفعل فصار تسلمه ثم حذف الضمير. قال: فعلى هذا القول لا إضافة ولا شذوذ. قال: وإلى نحو هذا ذهب ابن الطراوة (4).
البحث السادس:
قد عرفت أن الجملة المضاف إليها اسم الزمان لا يعود منها ضمير عليه، وأنه إن ورد ذلك عدّ نادرا كقوله:
3036 -
وتسخن ليلة لا يستطيع
…
نباحا بها الكلب إلّا هريرا (5)
-
(1) التذييل (7/ 240، 241).
(2)
ليس في التذييل.
(3)
التذييل (7/ 248).
(4)
التذييل (7/ 248)، والارتشاف (2/ 528)، وابن الطراوة: أبو الحسين سليمان بن محمد.
سمع من الأعلم كتاب سيبويه، كان جريئا في آرائه وغلط سيبويه في «باب النعت» . له الترشيح، والمقدمات على الكتاب (ت: 528 هـ). سبقت ترجمته.
(5)
تقدم ذكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكقول الآخر:
3037 -
مضت سنة لعام ولدت فيه
…
وعشر بعد ذلك وحجّتان (1)
هذا رأي المصنف كما تقدم له ذكره.
وأما ابن عصفور فإنه منع ذلك جملة؛ لأنه لما ذكر أن ذلك لا يجوز. قال: فإن كان ضمير عائد عليه فصلته عن الإضافة وكانت الجملة صفة: فأما قوله:
مضت سنة .....
…
........ البيت
فيتخرج على أن يكون «فيه» متعلقا بفعل مضمر التقدير: أعني فيه، ويكون «أعني» مع معمولها جملة اعتراض (2). وغير ابن عصفور قدّر «ولدت» أخرى وجعلها العاملة التقدير لعام ولدت ولدت فيه. وأما البيت الآخر فقد خرج على حذف التنوين من ليلة كما حذف من قول الآخر:
3038 -
شلّت يدا وحشيّ من قاتل (3)
وأما المصنف فلم يعرج على تخريج، وإنما جعل الضمير عائدا من الجملة المضاف إليها على اسم الزمان على سبيل الندور.
المبحث السابع:
قد يفهم قول المصنف: (ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبني من اسم ناقص الدلالة) أنه لا يرى ذلك. ويدل على أن هذا مراده أنه خرج جميع ما استشهد به على البناء أحسن تخريج كما عرفت. ولم يطعن الشيخ في شيء من ذلك غير أنه بعد أن أورد كلامه قال: وما ذهب إليه من حذف الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله هو منزع كوفي وليس مذهب البصريين (4). ولم يزد الشيخ على ذلك. وهذا عجب؛ فإن المصنف استدل على حذف الفاعل بعد النهي بالآية الشريفة، وبعد النفي بالحديث الشريف؛ فكان الواجب أن يجيب عن الاستدلال المذكور. ولا شك أن ما استدل به ظاهر الدلالة في المراد لا دافع له؛ فوجب القبول.
(1) تقدم ذكره.
(2)
المقرب (1/ 216).
(3)
انظره في التذييل (7/ 249).
(4)
التذييل (7/ 258).