المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[بعض أحكامه من جر وحذف الحرف] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٧

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الحادي والأربعون باب الإضافة

- ‌[تعريفها - أثرها]

- ‌[الأثر المعنوي للإضافة ومواقعه]

- ‌[تقدم معمول المضاف إليه على المضاف وما يكتسبه الاسم بالإضافة]

- ‌[ما لازم الإضافة لفظا ومعنى وأحكامه]

- ‌[ما لازم الإضافة معنى فقط وأحكامه]

- ‌[من أحكام ما لازم الإضافة]

- ‌[من أحكام إضافة أسماء الزمان المبهمة]

- ‌[حذف أحد المتضايفات، والجر بالمضاف المحذوف]

- ‌[الفصل بين المتضايفين، وأحكامه]

- ‌[الإضافة إلى ياء المتكلم وأحكامها]

- ‌الباب الثاني والأربعون باب التّابع

- ‌[تعريفه، وأقسامه]

- ‌[فصل التابع من المتبوع وتقدم معموله عليه]

- ‌الباب الثالث والأربعون باب التّوكيد

- ‌[أقسامه، وذكر أحكام التوكيد بالنفس والعين]

- ‌[من أغراض التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام بعض ألفاظ التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام ألفاظ التوكيد المعنوي]

- ‌[التوكيد اللفظي: حقيقته، وبعض أحكامه]

- ‌[توكيد الضمير المتصل مرفوعا أو منصوبا]

- ‌الباب الرابع والأربعون باب النّعت

- ‌[تعريفه - وأغراضه]

- ‌[إتباع النعت منعوته وغيره]

- ‌[ذكر ما ينعت به، وأحكام الجملة الواقعة نعتا]

- ‌[بعض أحكام النعت المفرد]

- ‌[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]

- ‌[من أحكام النعت]

- ‌[أقسام الأسماء من حيث ما ينعت به وينعت]

- ‌[الاستغناء عن المنعوت، وعن النعت]

- ‌الباب الخامس والأربعون باب عطف البيان

- ‌[تعريفه، أغراضه، موافقته ومخالفته متبوعه]

- ‌[جواز جعل عطف البيان بدلا وعدمه]

- ‌الباب السادس والأربعون باب البدل

- ‌[تعريفه، موافقته ومخالفته المتبوع، الإبدال من المضمر والظاهر]

- ‌[أقسام البدل وما يختص به كل قسم]

- ‌[من أحكام البدل وحكم اجتماع التوابع]

- ‌الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق

- ‌[تعريفه، وذكر حروفه]

- ‌[معاني حروف العطف: الواو - الفاء - ثم - حتى - أم - أو - بل - لا]

- ‌[حديث خاص بالواو]

- ‌[حديث خاص بثم والفاء]

- ‌[حديث خاص بحتى وأم وأو]

- ‌[«إما» العاطفة معانيها، وأحكامها]

- ‌[من حروف العطف: بل، لكن، لا]

- ‌[ما لا يشترط وما يشترط في صحة العطف]

- ‌[العطف على الضمير المتصل، والعطف على عاملين]

- ‌[من أحكام الواو، والفاء، وأم، وأو

- ‌[عطف الفعل على الاسم والماضي على المضارع، وعكسه]

- ‌[الفصل بين العاطف والمعطوف]

- ‌الباب الثامن والأربعون باب النّداء

- ‌[بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

- ‌[بناء المنادى وإعرابه]

- ‌[أحكام المنقوص والمضموم المنون اضطرارا في النداء]

- ‌[من أحكام أسلوب النداء (لا ينادى ما فيه أل)]

- ‌[تابع المنادى وأحكامه]

- ‌[الضمير مع تابع المنادى]

- ‌[أحكام المنادى المضاف إلى ياء المتكلم]

- ‌[المنادى غير المصرح باسمه]

- ‌الباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بها

- ‌[تعريف الاستغاثة وأحكامها]

- ‌الباب الخمسون باب النّدبة

- ‌[تعريف المندوب - مساواته للمنادى في أحكامه]

- ‌[من أحكام المندوب]

- ‌[من أحكام ألف الندبة]

- ‌[أحكام أخرى لألف الندبة]

- ‌الباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداء

- ‌[ذكرها وما يتعلّق بها من أحكام]

- ‌الباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادى

- ‌[ما يرخم، وما لا يرخم]

- ‌تقدير ثبوت المحذوف للترخيم

- ‌[أحكام آخر المرخم]

- ‌الباب الثالث والخمسون باب الاختصاص

- ‌[دواعيه وأحكامه]

- ‌الباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهما

- ‌[ما ينصب على ذلك - إظهار العامل وإضماره]

- ‌[ما يلحق بالتحذير والإغراء]

- ‌[مسائل وأمثلة أخرى في إضمار العامل]

الفصل: ‌[بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

‌الباب الثامن والأربعون باب النّداء

(1)

[بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

قال ابن مالك: (المنادى منصوب لفظا أو تقديرا بأنادي، لازم الإضمار، استغناء بظهور معناه مع قصد الانتفاء وكثرة الاستعمال، وجعلهم كعوض منه في القرب همزة، وفي البعد حقيقة أو حكما «يا»، أو «أيا»، أو «هيا»، أو «آ»، أو «أي» أو «آي»، ولا يلزم الحرف إلا مع الله، والضّمير، والمستغاث، والمتعجّب منه، والمندوب، ويقلّ حذفه مع اسم الإشارة واسم الجنس المبنى للنّداء. وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدّعاء فتلزم «يا»، وإن وليها «ليت» أو «ربّ» أو «حبّذا» فهي [للتنبيه]، لا للنّداء. وقد يعمل عامل المنادى في المصدر والظّرف والحال. وقد يفصل حرف النّداء بأمر).

قال ناظر الجيش: قال المصنف (2): المنادى مفعول في المعنى؛ لأنه مدعو فيستحق النصب لفظا إن كان معربا قابلا لحركة الإعراب كيا عبد الله وتقديرا إن كان مبنيّا أو معربا غير قابل لحركة الإعراب كيا زيد ويارقاش

ويافتى ويا أخي.

وناصبة أنادي لازم الإضمار لظهور معناه مع كثرة الاستعمال وقصد الإنشاء ولجعل العرب أحد الحروف المذكورة كالعوض منه. وكل واحد من هذه الأسباب كاف في إيجاب لزوم الإضمار ولا سيما قصد الإنشاء فإن الاهتمام به في غاية الوكادة؛ لأن إظهار أنادي يوهم أن المتكلم مخبر بأنه سيوقع نداء والغرض علم السامع بأنه منشئ له والإضمار معين على ذلك فكان واجبا مع كون الحرف كالعوض منه، فلم يجمع بينهما كما لم يجمع بين العوض المحض والمعوض منه نحو: ما وكان في: -

(1) ينظر في هذا الباب: الأشموني (3/ 133 - 161)، الأصول (1/ 329 - 379)، أوضح المسالك (4/ 3 - 46)، التذييل (4/ 183)، التصريح (2/ 63 - 180)، الرضي (1/ 131 - 148، 159 - 161، 2/ 381)، شرح الجمل (2/ 82 - 133)، شرح اللمع (251 - 254)، شرح المفصل (1/ 127، 130، 2/ 132)، شرح الكافية الشافية (3/ 1288 - 1376)، الكتاب (1/ 53، 291، 2/ 97، 182 - 233، 237، 278، 287، 291، 3/ 170، 202)، الكفاية (49 - 57، 225)، المقرب (1/ 175 - 188)، والهمع (1/ 171 - 178).

(2)

انظر شرح التسهيل لابن مالك (3/ 385) تحقيق: د/ عبد الرحمن السيد، ود/ محمد بدوي المختون.

ص: 3525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ما أنت ذا نفر ونحوها، وواو القسم في ها الله. وكون الهمزة للقريب وما سواها للبعيد هو الصحيح، لأن سيبويه أخبر بذلك رواية عن العرب (1). ومن زعم أن أي كالهمزة [4/ 179] في الاختصاص بالقرب لم يعتمد في ذلك إلّا على رأيه، والرواية لا تعارض بالرأي.

وصاحب هذا الرأي هو المبرد وتبعه كثير من المتأخرين (2). ولم يذكر مع حروف النداء آا وآي بالمد إلا الكوفيون رووهما عن عرب يثقون بعربيتهم ورواية العدل مقبولة. ولا يجوز حذف حرف النداء إن كان المنادى الله أو ضميرا أو مستغاثا أو متعجبا منه أو مندوبا نحو يا الله، ويا إياك، ويا لزيد، ويا للماء، ويا زيداه، فإن كان غير هذه الخمسة جاز الحذف إلا أن جوازه يقل مع اسم الإشارة واسم الجنس المبني للنداء، ومن شواهد الحذف مع اسم الإشارة قول ذي الرمة:

3376 -

إذا هملت عيني لها قال صاحبي

بمثلك هذا لوعة وغرام (3)

أراد بمثلك يا هذا، ومنها قول رجل من طيئ:

3377 -

إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم

هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا (4)

ومنها قوله:

3378 -

ذي دعي اللّوم في العطّاء فإنّ ال

لوم يغري الكريم بالإجزال (5)

ومنها قوله:

3379 -

لا يغرّنّكم ألاء من القو

م جنوح للسّلم فهو خداع (6)

ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اشتدّي أزمة تنفرجي» (7) وقوله صلى الله عليه وسلم مترجما عن موسى عليه السلام: «ثوبي حجر، ثوبي -

(1) الكتاب (2/ 229) وما بعدها.

(2)

المقتضب (4/ 233، 235).

(3)

من الطويل - ديوانه (ص 563)، والأشموني (3/ 136)، والتصريح (2/ 165)، والدرر (1/ 150)، والهمع (1/ 174).

(4)

من البسيط - الأشموني (3/ 136)، والتذييل (4/ 186).

(5)

من الخفيف - التذييل (4/ 186).

(6)

من الخفيف وانظره في التذييل (4/ 186).

(7)

ينظر: كشف الخفاء (1/ 128)، والنهاية (1/ 47)، وكذا أسرار النداء (ص 25)، وشرح العمدة (ص 110) هذا: وقوله: «اشتدّي أزمة تنفرجي» جزء بيت من المتدارك ليوسف بن التوزي - -

ص: 3526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

حجر» (1) أراد: يا أزمة ويا حجر فحذف وكلامه من أفصح الكلام. ومن نداء الضمير ما ذكر أبو عبيدة من أن الأحوض اليربوعي وفد مع أبيه على معاوية (2) رحمه الله تعالى فخطب فوثب أبوه ليخطب فكفّه وقال: يا إيّاك قد كفيتك (3).

وأنشد أبو زيد:

3380 -

يا أبجر بن أبجر يا أنتا

أنت الّذي طلقت عام جعتا (4)

فقول الأحوص: يا إياك جار على القياس؛ لأن المنادى مفعول محذوف العامل وما كان كذلك وجيء به ضميرا وجب أن يكون أحد الضمائر الموضوعة للنصب كقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (5) وكقول الشاعر:

3381 -

إيّاك خلتك لي ردءا فكنت لهم

علّي في ما أرادوا بي من الضّرر (6)

وأما يا أنت فشاذ، لأن الموضع موضع نصب وأنت ضمير رفع فحقه أن لا يجوز كما لا يجوز في إياك والأسد: أنت والأسد لكن العرب قد تجعل بعض الضمائر نائبا بمن غيره كقولهم: رأيتك أنت بمعنى: رأيتك إياك فناب

ضمير الرفع عن ضمير النصب وعكسه قراءة الحسن - رضي الله تعالى عنه - (إيّاك يعبد)(7) بنيابة ضمير النصب عن ضمير الرفع؛ فلذلك قالوا: يا أنت والأصل يا إياك لما ذكرت لك ولأن الموضع موضع اطراد في الواقع فيه إذا كان مفردا معرفة كونه على صورة مرفوع فحسن أن يخلفه ضمير الرفع كما حسن أن يكون تابعه مرفوعا. وكان حق المنادى أن يمنع حذفه لأن عامله قد حذف لزوما فأشبه الأشياء التي حذف عاملها وصارت -

- الدرر (1/ 149)، والهمع (1/ 174).

(1)

البخاري: غسل (20)، أنبياء (20، 28)، ومسلم: حيض (75) وأسرار النداء (25)، وروح المعاني (22/ 94)، والهمع (1/ 174).

(2)

ابن أبي سفيان قرشي أسس الدولة الأموية في الشام، أسلم يوم فتح مكة ت 60 هـ - الأعلام (8/ 172)، والطبري (6/ 180)، والمسعودي (2/ 42).

(3)

وانظر الأشموني (3/ 135)، والهمع (1/ 174).

(4)

رجز لسالم بن دارة - الأشموني (3/ 135)، وشرح المفصل (1/ 127، 130)، والعيني (4/ 232)، والهمع (1/ 174).

(5)

سورة البقرة: 40، وانظر: سورة النحل: 51.

(6)

من البسيط لابن لنكك - أسرار البلاغة (ص 133)، والتذييل (4/ 186).

(7)

البحر المحيط (1/ 23).

ص: 3527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

هي بدلا من اللفظ به كما قال في التحذير: وكسقيا له في الدعاء، إلا أن العرب أجازت حذف المنادى والتزمت في حذفه بقاء «يا» دليلا عليه، وكون ما بعده أمرا أو دعاء لأن الآمر والداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء، فاستعمل النداء قبلهما كثيرا حتى صار الموضع منبها على المنادى إذا حذف وبقيت «يا» فحسن حذفه لذلك.

فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * (1) ويا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ * (2) ويا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ (3) ويا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا (4) ويا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ (5) ومن ثبوته قبل الدعاء يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ (6) ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا (7) ويا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ (8) ومنه قول الراجز:

3382 -

يا ربّ هب لي من لدّنك مغفرة

تمحو خطاياي وأكفي المعذرة (9)

ومن حذفه قبل الأمر قوله تعالى في قراءة الكسائي ألا يا اسجدوا (10) أراد ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومن حذفه قبل الدعاء قول الشاعر:

3383 -

يا لعنة الله والأقوام كلّهم

والصّالحين على سمعان من جار (11)

ومثله:

3384 -

ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى

ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (12)

ومثله: -

(1) سورة البقرة: 35، وسورة الأعراف:19.

(2)

سورة البقرة: 40، 122.

(3)

سورة الأعراف: 31.

(4)

سورة هود: 42.

(5)

سورة مريم: 12.

(6)

سورة الأعراف: 134.

(7)

سورة يوسف: 97.

(8)

سورة الزخرف: 77.

(9)

انظره في التذييل (4/ 187).

(10)

سورة النمل: 25، وانظر البحر (7/ 68)، وابن زنجلة (ص 526)، وابن مجاهد (ص 480).

(11)

من البسيط - الإنصاف (ص 118)، والسمط (ص 546)، والكتاب (1/ 320)، والهمع (1/ 74، 2/ 70).

(12)

من الطويل - لذي الرمة - ديوانه (ص 210)، والتصريح (1/ 185)، والشجري (2/ 151)، والمغني (234).

ص: 3528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

3385 -

ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني

كريم على حين الكرام قليل

وأنّي لأخزى إذا قيل مملّق

سخيّ وأخزى أن يقال بخيل (1)

وليس من ذلك قولهم: يا ليت ويا ربّ ويا حبذا؛ لأن قولي يا أحد هذه الثلاثة قد يكون وحده فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف كقول مريم عليها السلام:

يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (2) ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان موضع ادعاء الحذف مستعملا فيه الثبوت، كحذف المنادى قبل الأمر والدعاء، فإنه جاز لكثرة ثبوته بخلاف ما قبل الكلم المذكور، فإن ثبوت المنادى

فيه غير معهود فادعاء الحذف فيه مردود ولكن يا فيه لمجرد التنبيه والاستفتاح مثل ألا.

وقد يجمع بينهما توكيدا في نداء وغير نداء. فاجتماعهما في النداء كقول الشاعر:

3386 -

ألا يابن الّذين فنوا وبادوا

أما والله ما ذهبوا لتبقى (3)

واجتماعهما في غير النداء كقول الآخر:

3387 -

ألا يا ليت أيّاما تولّت

يكون إلى إعادتها سبيل (4)

وقد يعمل عمل المنادى في مصدر كقول الشاعر:

3388 -

يا هند دعوة صبّ هائم دنف

منّى بوصل وإلّا مات [أو] كربا (5)

وفي ظرف كقوله:

3389 -

يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت

يد النّوى بالألى كانوا أهاليك (6)

وفي حال كقوله:

3390 -

يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته

كم قد بدلت لمن وافاك أفراحا (7)

وقد يفصل بأمر المنادى بينه وبين النداء كقول جذامة بنت خالد [4/ 180] النخعية تخاطب ابنتها لطيفة (8): -

(1) من الطويل - المغني (ص 518).

(2)

سورة مريم: 23.

(3)

من الوافر - التذييل (4/ 187).

(4)

كسابقه (4/ 88).

(5)

من البسيط - الدرر (1/ 148)، والهمع (1/ 173).

(6)

من البسيط - الدرر (1/ 149)، والهمع (1/ 173).

(7)

كسابقه - التذييل (4/ 188).

(8)

التذييل والدرر: أمتها.

ص: 3529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

3391 -

ألا يا فابك شوالا لطيفا

وأجري الدّمع تسكابا وكيفا (1)

أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت بفعل الأمر (2).

انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.

وليعلم أن النداء مصدر نادى والكثير كسر نونه قالوا: ويجوز ضمها لأنه صوت وهمزته منقلبة من حرف العلة، كهمزة رداء وأصلها الواو. ومن ندوت القوم ندوا:

دعوتهم. والنداء رفع الصوت للمنادى ليقبل عليك، وأورد على ذلك أنهم قد نادوا الديار. وأجيب بأنهم أرادوا بذلك تنبيه أنفسهم على تذكّر أحوالهم في تلك الديار وجعلوها من الأشياء التي تخاطب فأجروا عليها حكم المخاطبين وعليه جاء:

3392 -

[شربت بها والدّيك يدعو صباحه]

إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا (3)

لما وصفهم بالدنو والتصوب جمعهم جمع من يعقل، فكذا لمّا خاطبوا الديار أجروا عليها حكم من يعقل فنادوها.

وبعد هذا: فأنا أشير إلى أمور:

منها: أن المنادى هو المطلوب إقباله بـ «يا» أو ما قام مقامها لفظا أو تقديرا.

واختلف فيه، والذي عليه الجمهور أنه مفعول. وقال السيرافي: إنه لشبه بالمفعول به، وقرر ذلك بما لا طائل تحته مع اعترافه أن «يا» حرف (4)، وردّ قوله بأنه مؤدّ إلى أن يستقل الحرف والاسم كلاما.

ومنها: أنهم اختلفوا في النداء هل خبر أو إنشاء. والحق أنه ليس بخبر لأنه يحتمل الصدق والكذب. وقد قيل إنه خبر؛ لأنه يحتمل الصدق والكذب بدليل أنه لو قال رجل لآخر: يا زاني عدّ قاذفا، ولو لم يحتمل الصدق والكذب لما كان خبرا، ولو لم يكن خبرا لما عدّ قاذفا. وأجيب بأنه إنما عدّ قاذفا لأجل أن النداء بالمشتق وفيه معنى -

(1) من الوافر - الدرر (1/ 150)، والهمع (1/ 174).

(2)

شرح التسهيل (3/ 390).

(3)

عجز بيت من الطويل ذكرنا صدره - للجعدي - ديوانه (ص 4)، وشرح المفصل (5/ 105)، والكتاب (1/ 240)، والمغني (ص 365)، والمقتضب (2/ 226). وهذا ويروى صدره - كذلك - تمزرتها.

(4)

شرحه على الكتاب (34 / أ).

ص: 3530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الصفة ولولا الاشتقاق لما عد قاذفا. ولا شك أنه إذا كان بغير مشتق لا يحتمل الصدق والكذب، وكذا الفعل المقدر هو إنشاء وليس بخبر لأنه الدال عليه ليس بخبر وهو يا زيد فالنداء والفعل المحذوف متطابقان في عدم

الخبرية.

ثم إنك قد علمت من كلام المصنف العلة لوجوب حذف الفعل ما هي.

ومنها: أن بعضهم ذهب إلى أن حرف النداء هو العامل في المنادى النصب لأنه ناب عن الفعل فعمل. قال: ولذا جازت إمالته وتعلق به حرف الجر في نحو: يا لزيد، وأجيب عن ذلك أما الإمالة فمسلم أنها للنيابة عن الفعل أما في العمل فلا، ومثله إمالة بلى لما جاز حذف الفعل بعدها في الجواب أمالوها وإن لم تكن عاملة بالإجماع. وأما حرف الجر فلا نسلم تعلقه بيا بل بالفعل المحذوف ولأن المنادى ينصب مع حذف حرف النداء، ولو كان الحرف هو الناصب لم يجز حذفه والنصب يغير عوض؛ لأن الحرف ضعيف فلا يعمل محذوفا من غير عوض بخلاف الفعل وقيل: حرف النداء اسم فعل وليس بشيء لأنه لو كان للزم أن يكون فيه ضمير ولو كان لجاز تأكيده كالضمير في أسماء الأفعال وفي عدم ذلك دليل على عدم كونه اسم فعل (1).

ومنها: أن الشيخ قال: «الذي يظهر من استقراء كلام العرب أن «يا» أعم الحروف وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا» لكن قد عرفت أن سيبويه يرى خلاف ذلك (2) وقد قال هو - أعني الشيخ - إن سيبويه روى عن العرب أن الهمزة للقريب وما سواها للبعيد. وشاهد النداء بالهمزة قول الشاعر:

3393 -

أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا

فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم (3)

وشاهد النداء بأيا قول الشاعر:

3394 -

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم (4)

وشاهد النداء بهيا قول الآخر: -

(1) التذييل (4/ 185).

(2)

سبق قريبا، وانظر الكتاب (2/ 229) وما بعدها.

(3)

من الطويل - الكتاب (2/ 183)، واللسان: حنا، وابن يعيش (2/ 4) - والأحناء جمع حنو، وهي الأطراف والنواحي.

(4)

تقدم هذا البيت في عطف النسق.

ص: 3531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

3395 -

هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم

بعينه أبصار الوشاة سبيل (1)

وشاهد النداء بأي قول الآخر:

3396 -

ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى

بكاء حمامات لهنّ هدير (2)

وذكر ابن عصفور أن النداء بما عدا يا، ووا من الحروف المذكورة إنما يجيء في الشعر، ويقل استعمالها في الكلام (3).

ومنها: أن كلام المصنف يعطي أن نداء المضمر جائز على الإطلاق. والجماعة لا يرون ذلك وابن عصفور يشعر كلامه بالمنع أو بأن ذلك لا يجوز إلّا في الضرورة (4) فإنه قال: «الأسماء كلها تنادى إلّا المضمرات. أما ضمير الغيبة وضمير المتكلم فهما مناقضان لحرف النداء؛ لأن حرف النداء يقتضي الخطاب ولم يجمع بين حرف النداء وضمير الخطاب؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر فلم يجمع بينهما إلّا في الشعر كقوله:

3397 -

يا أبجر بن أبجر يا أنتا (5)

وفيه خلاف. فمنهم من جعل «يا» تنبيها وجعل أنت مبتدأ وأنت الثاني في قوله:

3398 -

.....

أنت الذي طلقت عام جعتا

توكيدا أو بدلا أو فصلا.

قال الشيخ: يظهر أن استناد من أجاز ذلك إنما هو إلى هذا البيت وإلى الحكاية الأخوصية إذ لم يذكروا غير ذلك (6) قال: وينبغي أن لا يجعل ذلك قاعدة في جواز نداء المضمر لا بصورة ضمير النصب ولا بصورة ضمير الرفع؛ لأن ذلك لا حجة فيه. أما البيت فالأمر فيه كذا وكذا، وذكر تخريج ابن عصفور (7). قال: وأما إيّاك قد كفيتك فإن يا فيه حرف تنبيه أيضا وإياك مفعول بفعل محذوف يدل عليه الفعل -

(1) من الطويل - الدرر (1/ 148)، والهمع (1/ 172).

(2)

من الطويل لكثير - ديوانه (1/ 231)، والدرر (1/ 147)، والمغني (ص 71)، الأمير والهمع (1/ 172)، ويروي: هديل موضع هدير.

(3)

لم أجده في كتبه فلعلّه في شرح الإيضاح.

(4)

شرح الجمل (2/ 87).

(5)

السابق، وقد تقدم البيت قريبا.

(6)

التذييل (4/ 186).

(7)

التذييل (4/ 186).

ص: 3532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المذكور، التقدير: إياك قد كفيت قد كفيتك، وذلك كما يقدر في قوله تعالى:

وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (1) أي وإياي ارهبوا فارهبون وكذا يقدر في قول الشاعر:

3399 -

إيّاك خلتك لي ردءا .....

.........

إياك خلت ردءا خلتك لي ردءا (2). قال: وهذا تخريج سهل حسن واضح جار على قواعد الصنعة (3).

ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف أجاز حذف المنادى بقوله: وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدعاء فتلزم يا، وأنه قرر ذلك في الشرح [4/ 181] كما تقدم ذكره، فقال الشيخ: هذه مسألة خلاف. وهل يجوز حذف المنادى أولا (4) قال: والذي يقتضيه النظر إنه لا يجوز ولم يرد بذلك سماع عن العرب فيقبل، بل كل موضع يدعى فيه الحذف وإبقاء الحرف يسوغ أن يجعل الحرف للتنبيه، ولم يكونوا ليحذفوا فعل النداء ثم يحذفون بعده متعلق النداء، وهو المنادى فيكون ذلك إجحافا كثيرا.

والمنادى (في ذلك)(5) كالمنصوبات التي حذف عاملها وجوبا نحو: إياك والشر، وزيدا ضربته، وكليهما وتمرا، وما شاكل ذلك ولا يجوز حذف شيء منها (6) قال:

وما ذكره المصنف من الدليل على الحذف تلفيق هذياني (واستقراء لا يسوغ)(7). ثم ما استشهد به لا حجة فيه على حذف المنادى بل «يا» فيه للتنبيه.

أما في الآية الشريفة فيا توكيد لقوله ألا. وكذا في قول القائل: ألا يا اسلمي، وأما يا لعنة الله فهي للتنبيه كألا. قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (8) وكذلك في: يا عمرك كأنه قال: ألا عمرك وهي جملة اعتراض بين «ألم تعلمي» و «أنني» (9) انتهى.

وهذا الذي فعله الشيخ يقتضي أن المصنف وحده هو القائل بجواز حذف المنادى والأمر ليس كذلك فقد قال هو إن المسألة خلافية؛ فالرد إن ثبت لا يكون ردّا على -

(1) سورة البقرة: 40، وسورة النحل:51.

(2)

التذييل (4/ 186).

(3)

السابق.

(4)

التذييل (4/ 187).

(5)

من التذييل.

(6)

التذييل (4/ 187).

(7)

من التذييل.

(8)

سورة هود: 18.

(9)

التذييل (4/ 187).

ص: 3533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المصنف وحده بل على القائلين بجواز الحذف أجمعين ثم نسب كلام المصنف إلى الهذيان والتلفيق ولم يبين وجه ذلك. وغاية ما قال آخرا: إن ما استدل به المصنف يخرج على أن يا فيه للتنبيه وليس ثم نداء. فيقول المصنف: هذا الاحتمال لا يبطل ما ادعيته. وقصارى الأمر أن تكون يا في ما ذكرته للتنبيه قول يمكن ثبوته ويمكن دفعه. فكيف يكون قاطعا ببطلان ما ذكرته.

ثم اعلم أن في تمثيل المصنف لثبوت المنادى قيل الدعاء بقوله تعالى: يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ (1) ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا (2) نظرا؛ لأن «ادع» ليس دعاء وإنما هو أمر بالدعاء، وكذا «استغفر» أمر بطلب الاستغفار وليس استغفارا.

ومنها: أنك قد عرفت أن المنادى قد يعمل في المصدر والظرف والحال، وتقدم استشهاد المصنف على الأول بقول القائل:

3400 -

يا هند دعوة صبّ هائم

وعلى الثاني بقول الآخر:

3401 -

يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت

وعلى الثالث بقول الآخر:

3402 -

يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته

لكن الشيخ قال: إن الظرف الذي هو بين النقاء والجزع ليس معمولا لفعل النداء، بل هو معمول لمحذوف غير فعل النداء؛ لأن الظرف المذكور في موضع الحال فالعامل فيها محذوف تقديره كائنة بين النقا والجزع (3).

والذي ذكره الشيخ حق .. ؛ لأن الذي بين النقاء والجزع إنما هو الدار لا النداء، وعلى هذا فعامل المنادى إنما عمل في حال لا ظرف وإنما يجيء الحال من المنادى.

وذكر الشيخ أن فيه مذاهب:

أحدها: الجواز مطلقا وهو مذهب المبرد، وابن طاهر، وابن طلحة (4).

الثاني: المنع وهو مذهب الكوفيين وبعض البصريين.

(1) سورة الأعراف: 134.

(2)

سورة يوسف: 97.

(3)

التذييل (4/ 188).

(4)

ينظر الارتشاف (ص 995).

ص: 3534