المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٧

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الحادي والأربعون باب الإضافة

- ‌[تعريفها - أثرها]

- ‌[الأثر المعنوي للإضافة ومواقعه]

- ‌[تقدم معمول المضاف إليه على المضاف وما يكتسبه الاسم بالإضافة]

- ‌[ما لازم الإضافة لفظا ومعنى وأحكامه]

- ‌[ما لازم الإضافة معنى فقط وأحكامه]

- ‌[من أحكام ما لازم الإضافة]

- ‌[من أحكام إضافة أسماء الزمان المبهمة]

- ‌[حذف أحد المتضايفات، والجر بالمضاف المحذوف]

- ‌[الفصل بين المتضايفين، وأحكامه]

- ‌[الإضافة إلى ياء المتكلم وأحكامها]

- ‌الباب الثاني والأربعون باب التّابع

- ‌[تعريفه، وأقسامه]

- ‌[فصل التابع من المتبوع وتقدم معموله عليه]

- ‌الباب الثالث والأربعون باب التّوكيد

- ‌[أقسامه، وذكر أحكام التوكيد بالنفس والعين]

- ‌[من أغراض التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام بعض ألفاظ التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام التوكيد المعنوي]

- ‌[من أحكام ألفاظ التوكيد المعنوي]

- ‌[التوكيد اللفظي: حقيقته، وبعض أحكامه]

- ‌[توكيد الضمير المتصل مرفوعا أو منصوبا]

- ‌الباب الرابع والأربعون باب النّعت

- ‌[تعريفه - وأغراضه]

- ‌[إتباع النعت منعوته وغيره]

- ‌[ذكر ما ينعت به، وأحكام الجملة الواقعة نعتا]

- ‌[بعض أحكام النعت المفرد]

- ‌[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]

- ‌[من أحكام النعت]

- ‌[أقسام الأسماء من حيث ما ينعت به وينعت]

- ‌[الاستغناء عن المنعوت، وعن النعت]

- ‌الباب الخامس والأربعون باب عطف البيان

- ‌[تعريفه، أغراضه، موافقته ومخالفته متبوعه]

- ‌[جواز جعل عطف البيان بدلا وعدمه]

- ‌الباب السادس والأربعون باب البدل

- ‌[تعريفه، موافقته ومخالفته المتبوع، الإبدال من المضمر والظاهر]

- ‌[أقسام البدل وما يختص به كل قسم]

- ‌[من أحكام البدل وحكم اجتماع التوابع]

- ‌الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق

- ‌[تعريفه، وذكر حروفه]

- ‌[معاني حروف العطف: الواو - الفاء - ثم - حتى - أم - أو - بل - لا]

- ‌[حديث خاص بالواو]

- ‌[حديث خاص بثم والفاء]

- ‌[حديث خاص بحتى وأم وأو]

- ‌[«إما» العاطفة معانيها، وأحكامها]

- ‌[من حروف العطف: بل، لكن، لا]

- ‌[ما لا يشترط وما يشترط في صحة العطف]

- ‌[العطف على الضمير المتصل، والعطف على عاملين]

- ‌[من أحكام الواو، والفاء، وأم، وأو

- ‌[عطف الفعل على الاسم والماضي على المضارع، وعكسه]

- ‌[الفصل بين العاطف والمعطوف]

- ‌الباب الثامن والأربعون باب النّداء

- ‌[بعض أحكامه من جر وحذف الحرف]

- ‌[بناء المنادى وإعرابه]

- ‌[أحكام المنقوص والمضموم المنون اضطرارا في النداء]

- ‌[من أحكام أسلوب النداء (لا ينادى ما فيه أل)]

- ‌[تابع المنادى وأحكامه]

- ‌[الضمير مع تابع المنادى]

- ‌[أحكام المنادى المضاف إلى ياء المتكلم]

- ‌[المنادى غير المصرح باسمه]

- ‌الباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بها

- ‌[تعريف الاستغاثة وأحكامها]

- ‌الباب الخمسون باب النّدبة

- ‌[تعريف المندوب - مساواته للمنادى في أحكامه]

- ‌[من أحكام المندوب]

- ‌[من أحكام ألف الندبة]

- ‌[أحكام أخرى لألف الندبة]

- ‌الباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداء

- ‌[ذكرها وما يتعلّق بها من أحكام]

- ‌الباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادى

- ‌[ما يرخم، وما لا يرخم]

- ‌تقدير ثبوت المحذوف للترخيم

- ‌[أحكام آخر المرخم]

- ‌الباب الثالث والخمسون باب الاختصاص

- ‌[دواعيه وأحكامه]

- ‌الباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهما

- ‌[ما ينصب على ذلك - إظهار العامل وإضماره]

- ‌[ما يلحق بالتحذير والإغراء]

- ‌[مسائل وأمثلة أخرى في إضمار العامل]

الفصل: ‌[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]

[تفريق النعت وجمعه وإتباعه وقطعه]

قال ابن مالك: فصل (يفرّق نعت غير الواحد بالعطف إذا اختلف ويجمع إذا اتّفق، ويغلّب التّذكير والعقل عند الشّمول وجوبا، وعند التّفصيل اختيارا، وإن تعدّد العامل واتّحد عمله ومعناه ولفظه أو جنسه جاز الإتباع مطلقا، خلافا لمن خصّص ذلك بنعت فاعلي فعلين وخبري مبتدأين، فإن عدم الاتّحاد وجب القطع بالرّفع على إضمار مبتدأ، أو بالنّصب على إضمار فعل لائق ممنوع الإظهار في غير تخصيص بوجهيه في نعت غير مؤكّد ولا ملتزم ولا جار على مشار به، وإن كان لنكرة فيشترط تأخّره عن آخر وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته أتبعت أو قطعت أو أتبع بعض دون بعض وقدّم المتبع).

قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على أمرين:

أحدهما: الإشارة إلى حكم النعوت بالنسبة إلى التفريق والجمع إذا كانت لغير واحد.

ثانيهما: الإشارة إلى ما يجوز فيه القطع من النعوت وما يجب فيه ذلك وما يمتنع.

أما الأمر الأول: فإن التفريق يجب عند الاختلاف، والجمع يجب عند الاتفاق فالتفريق نحو: مررت برجلين كريم وبخيل، ورغبت في الزيدين القريشي والتميمي، وأنشد المصنف:

3159 -

فأفنيناهم منّا بجمع

كأسد الغاب مردان وشيب (1)

والجمع نحو: أويت [4/ 123] إلى رجلين كريمين واستعنت بالزيدين القرشيين.

ويغلب التذكير والعقل وجوبا عند الشمول فيقال في تغليب التذكير: مررت بزيد وهند الصالحين وبزيد والهندين الصالحين، ويقال في تغليب العقل: اشتريت عبدين وفرسين مختارين ويغلبان اختيارا أي في الاختيار عند التفصيل فتقول في تغليب التذكير: قاصد رجل وامرأة مررت باثنين صالح وصالح، وباثنين صالح وصالحة، -

(1) البيت من الهزج، وانظره في التذييل (7/ 360).

ص: 3343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وصالحة وصالح وكذا مررت باثنين ذي عذرة وذي عذار وذات عذرة، وتقول في تغليب العقل: انتفعت بعبيد وأفراس سابقين وسابقين، ويجوز سابقين وسابقات.

ثم إن الشيخ ناقش المصنف في البيت الذي أنشده فقال أنه ليس من الذي ذكره (1)، قال: لأنه قال غير الواحد قال: والمنعوت هنا ليس بمثنى ولا مجموع بل هو اسم مفرد. وهو قوله: بجمع فلا يطلق عليه أنه غير الواحد، بل هو مفرد وإن كان مدلوله كثيرا؛ ولذلك صحت تثنيته في قوله تعالى: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ * (2) قال:

فليس البيت نظير تمثيله وهو: مررت برجلين كريم وبخيل (3). انتهى.

والجواب: أن غير الواحد يصدق على ما هو غير واحد في اللفظ كالمثنى والمجموع وعلى ما هو غير واحد في المعنى وإن كان واحدا في اللفظ كاسم الجمع مثلا ولا يرتاب في ذلك. ومن ثمّ مثل المصنف برجلين والزيدين للقسم الأول ومثل بالبيت للقسم الآخر.

وأما الأمر الثاني: وهو الإشارة إلى قطع المنعوت وجوبا ومنعا وجوازا. فقد تضمنه قول المصنف وإن تعدد العامل إلى قوله: وقدم المتبع.

وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ثم أردفه بما سيوقف عليه إن شاء الله تعالى.

قال في شرح هذا الموضع (4): مثال تعدد العامل واتحاد عمله ومعناه ولفظه:

ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا بكر وهذا بشر الفاضلان، ورأيت محمدا ورأيت خالدا الشجاعين، وعجبت من أبيك وعجبت من أخيك المحسنين.

ومثال اتحاد الجنس: هذا زيد وذاك عمرو الحسنيان، وذهب بكر وانطلق بشر الحارثيان، ورأيت عليّا وأبصرت سعيدا الماجدين، وسيق المال إلى عامر ولسالم المفضلين، فهذه الأمثلة وأشباهها جائز فيها الإتباع، وإن لم يكن

العامل في اللفظ عاملا واحدا لأن ثاني العاملين فيها صالح لأن يعد توكيدا وأولهما صالح للاستغناء به ولانفراده بالعمل في النعت فيؤمن بذلك إعمال عاملين في معمول واحد. وفي كلام سيبويه ما يوهم منع جواز الإتباع عند تعدد العامل في غير مبتدأين وفاعلين، -

(1) التذييل (7/ 361).

(2)

سورة آل عمران: 155، 166، وسورة الأنفال:41.

(3)

التذييل (7/ 361).

(4)

شرح التسهيل (3/ 317).

ص: 3344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فإنه قال في باب ما ينتصب فيه الاسم: لأنه لا سبيل إلى أن يكون صفة بعد أن مثل بهذا فرس أخوي ابنيك العقلاء (1)، ثم قال: ولا يجوز أن يجري وصفا لما انجر من وجهين كما لم يجز في ما اختلف إعرابه (2).

ثم قال: وتقول: هذا عبد الله وذاك أبوك الصالحان لأنهما ارتفعا من وجه واحد وهما اسمان بنيا على مبتدأين، وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين (3)، فمن النحويين من أخذ من هذا الكلام أن مذهبه تخصيص نعت فاعلي الفعلين وخبري المبتدأين بجواز الإتباع. والأولى أن يجعل مذهبه على وفق ما قررته قبل؛ لأنه منع الاشتراك في إعراب ما انجر من وجهين كما هو في: هذا فرس أخوي ابنيك. وسكت عن المجرورين من وجه واحد وعن المنصوبين من وجه واحد، فعلم أنهما عنده غير ممتنعين، ويعضد هذا التأويل قوله في: هذا عبد الله، وذاك أبوك الصالحان «لأنهما ارتفعا من وجه واحد» فإن عدم اتحاد العمل وجب القطع بالرفع على إضمار مبتدأ وبالنصب على إضمار فعل نحو: مررت بزيد ولقيت عمرا الكريمان والكريمين، وكذلك إن اتحد العمل واختلف المعنى أو الجنس نحو: مررت بزيد واستعنت بعمرو، ومررت بزيد إمام عمرو، فقطع النعت الواقع بعد هذه المجرورات المختلفة وأشباهها متعين. وقولي: بفعل لائق: نبهت به على أن بعض المواضع يليق به أمدح نحو: شكرت لزيد، ورضيت عن عمرو المحسنين، وبعضها يليق أذم نحو: أعرضت عن زيد وغضبت على عمرو الخبيثين، وبعضها يليق به أرحم نحو: رثيت لزيد وأسيت على عمرو المسكينين، وبعضها يليق به أعني وذلك إذا كان المذكور غير متعين نحو أن تقول: لذي أخوين اثنين مررت بأخيك والتفت إلى ابنك الكبيرين. وإذا كان المضمر أمدح أو أذم أو أرحم لم يجز الإظهار. وإذا كان المضمر أعني جاز الإظهار والإضمار وموضع تقدير، أعني هو موضع التخصيص المنبه عليه بقولي: ممنوع الإظهار في غير تخصيص.

ويجوز القطع بوجهيه، أي بالرفع والنصب في نعت غير مؤكد نحو لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (4) ولا يلتزم نحو: الشعرى العبور ولا: جار على مشاربه نحو: -

(1) بعده في الكتاب (2/ 59): الحلماء.

(2)

الكتاب (2/ 59، 60).

(3)

السابق.

(4)

سورة النحل: 51.

ص: 3345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مررت بذلك الرجل، وما سوى نعوت هذه الثلاثة فالقطع فيها جائز على الوجهين المذكورين وإن كان المنعوت نكرة اشترط في قطع نعته مقاربته المعرفة بتقدم نعت غير مقطوع كقول الشاعر:

3160 -

ويأوي إلى نسوة عطّل

وشعثا مراضيع مثل السّعالي (1)

ومنه قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «نزلنا على خال لنا ذو مال وذو هيئة» (2) وإذا كثرت النعوت والمنعوت لا يتعين إلا بجميعها لزم اتباعها كقولك:

ائتني برجل مسلم عربي النسب فقيه كاتب نحوي حاسب واكسه من الثياب الجيدة الجديدة السابغة المخيطة أحسنها. فهذه النعوت المتوالية على هذا الوجه وأشباهها بمنزلة نعت واحد لا يستغنى عنه فلا تقطع كما لا يقطع. فلو حصل التعيين بدونها جاز للمتكلم أن يتبعها وأن يقطعها وأن يتبع بعضها ويقطع بعضها بشرط تقديم المتبع وتأخير المقطوع والإتباع [4/ 124] أجود وكذلك يجوز الإتباع والقطع في ما لا يحصل التعيين بدونه إذا قصد المتكلم تنزيله منزلة ما يحصل التعيين بدونه لتعظيم أو غيره ومنه قول الخرنق (3):

3161 -

لا يبعدن قومي الّذين هم

سمّ العداة وآفة الجزر

النّازلين بكلّ معترك

والطيّبين معاقد الأزر (4)

ويروى الطيبون، ويروى النازلون والطيبين [والنازلين](5) أربعة أوجه.

انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وقوله في المتن: بوجهيه في نعت غير مؤكّد لم يكن متعلقا بما قبله ولم يذكر بعده ما يتعلق به. والنسخ كلها متطابقة على قوله: بوجهيه دون تقدم شيء. -

(1) من المتقارب لأمية بن أبي عائذ - ديوان الهذليين (2/ 184) والتصريح (2/ 117) وشرح المفصل (2/ 18)، ومعاني الفراء (1/ 108).

(2)

الهمع: (2/ 119).

(3)

بنت بدر بن هفان أخت طرفة من أمة شاعرة جاهلية (ت 50 ق. هـ). الأعلام (2/ 347)، والسمط (2/ 780).

(4)

من الكامل - ديوانها (ص 29)، والأصول (2/ 40)، والإنصاف (ص 468)، والمحتسب (2/ 189)، ومعاني الفراء (1/ 105).

(5)

شرح التسهيل (3/ 319).

ص: 3346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قد أوقع الله تعالى في خاطري أن كلمة سقطت قبل قوله: بوجهيه وهي «ويجوز» أي ويجوز القطع بوجهيه أي بالرفع والنصب في غير كذا وكذا، وجزمت بذلك إلى أن وقفت على كلام المصنف في الشرح فرأيته قد صرح بهذه الكلمة التي ذكرتها كما تقدم ذكر ذلك عنه. فالحمد لله الهادي إلى الصواب بمنه وكرمه.

وبعد: فقد تلخص من كلام المصنف أن قطع النعت له ثلاث أحوال تقدم الإشارة منا إليها وهي حالة وجوب، وحالة امتناع، وحالة جواز.

أما حالة الوجوب ففي ثلاث صور وهي:

إذا كان العامل في المنعوت غير واحد ولم يتحدا في العمل نحو: «مررت بزيد ولقيت عمرا، أو اتحدا في العمل ولم يتحدا في المعنى نحو: «مررت بزيد واستعنت بعمرو» أو اتحدا في المعنى والعمل ولم يتحدا في اللفظ أو الجنس نحو: «قام زيد وذهب عمرو» والقطع في هذه الصور واجب سواء أكان النعت للبيان أم لغيره كالمدح والذم مثلا. ولا يفترق الأمر بينهما إلا في أن إضمار أحد (الجزئين) واجب إذا كان النعت لغير البيان وجائز الإظهار والإضمار إذا كان للبيان.

وأما حال الامتناع ففي أربع صور وهي:

أن يكون النعت للتوكيد، أو يكون ملتزم الذكر مع المنعوت، أو يكون جاريا على مشار به، وقد تقدمت أمثلة ذلك، أو يكون نعتا لنكرة ولم يتقدمه نعت آخر لها، وسبب الامتناع في هذه الصور ظاهر لأن التوكيد لو قطع لخرج عن أن يكون توكيدا والملتزم تبعيته لا يجوز أن يكون غير تابع والنكرة محتاجة إلى البيان. وأما المشار به فسيأتي تعليله.

وأما حال الجواز ففي ثلاث صور وهي:

إذا لم يكن أحد الثلاثة المذكورة أعني النعت التوكيدي والنعت الملتزم ذكره مع ذلك المتبوع ونعت المشار به

سواء أكان النعت للبيان أم لغير البيان من مدح أو ذم أو ترحم وكان نعتا لمعرفة أو نعتا لنكرة وقد تقدم عليه نعت آخر أو كان النعت أكثر من واحد والمنعوت معلوم أو منزل منزلة المعلوم. والصورة الأولى من صور الجواز استفيدت من قوله بوجهيه في نعت غير مؤكد إلى آخره لأن التقدير: ويجوز القطع -

ص: 3347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بوجهيه في غير كذا وكذا. وعرف أنه قصد بهذا المعرفة لقوله بعد: وإن كان لنكرة فيشترط تأخره عن آخر؛ وإذ قد قرر هذا فلا شك أن شرط قطع النعت أن يكون المنعوت معلوما بدون النعت والمصنف لم يتعرض إلى ذكر هذا الشرط إلا عند ذكر تعدد النعت حيث قال:

«وإن كثرت نعوت معلوم أو منزل منزلته، وكان الواجب حين قال بوجهيه في كذا أن يقول في نعت معلوم أو منزل منزلته، وقد يقال إن المصنف إنما لم يذكر ذلك؛ لأنه استغنى عنه باشتراطه مع تعدد النعوت. ووجهه أن يقال: إذا كان القطع مع تعدد النعوت إنما يجوز بشرط كون المنعوت معلوما كان كون ذلك شرطا مع كون النعت لم يتعدد أحق وأولى. وقد استوفى المصنف الكلام على مسائل القطع وأورد ذلك بأخصر عبارة وألطف إشارة ما في كلامه من القلق.

وكلام ابن عصفور على هذه المسألة أبسط وأبين وربما اشتمل على زيادة وذكر خلاف لم يتضمنه كلام المصنف. فأنا أورده لقصد الإيضاح والبيان:

قال رحمه الله تعالى (1):

«اعلم أن الصفة لا تخلو من أن تتكرر أو لا تتكرر. فإن لم تتكرر فالمنعوت إما معلوم أو مجهول فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا، نحو: مررت برجل عاقب وبزيد الكريم، إذا لم يكن زيد معلوما عند المخاطب إلا أن يقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم فإنه إذ ذاك يجوز فيه الإتباع والقطع وكان المخاطب يبنى على أن الصفة تتبين بهذا الموصوف وإن لم تورد تابعة فإنها لا تليق إلا به وذلك نحو: مررت برجل كريم وكريما. وإن كان المنعوت معلوما عند المخاطب فإما أن تكون الصفة صفة مدح أو ذم أو ترحم أو غير ذلك فإن كانت غير ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة وكان الموصوف معلوما عند المخاطب جاز الإتباع والقطع وإذا قطعت فإلى الرفع على خبر ابتداء مضمر وإلى النصب بإضمار فعل تقديره أمدح أو أذم أو أرحم. ومن الناس من لم يجز القطع إلا بشرط تكرار الصفة وذلك فاسد؛ لأنه قد حكي من كلامهم الحمد لله أهل الحمد والحمد لله -

(1) هذا نقل طويل نقله ناظر الجيش من شرح الجمل لابن عصفور وهو أكثر من خمس صفحات. انظر شرح الجمل: (1/ 207، 215).

ص: 3348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الحميد بنصب الحميد وأهل الحمد حكى ذلك سيبويه (1)، فإن تكررت النعوت فلا يخلو أن يكون المنعوت معلوما أو مجهولا فإن كان مجهولا فالإتباع ليس إلا في موضعين فإنه يجوز الإتباع والقطع.

أحدهما: أن تقدره وإن كان مجهولا تقدير المعلوم تعظيما له وكان المخاطب يبني على أن الصفة وإن لم تورد تابعة يتبين بها الموصوف لأنها لا تليق إلا به نحو قولك:

مررت برجل كبير الأقدام شريف الآباء.

والآخر: أن تكون الصفة المقطوعة قد تقدمها صفة متبعة تقاربها في المعنى وذلك نحو قولك: مررت برجل [4/ 125] شجاع فارس؛ لأن الشجاعة يفهم منها الفروسية ومن ذلك قوله:

3162 -

ويأوي إلى نسوة عطّل

وشعثا مراضيع مثل السّعالي (2)

فنصب (شعثا) على القطع؛ لأنه لما وصفهن بالعطل فهم من ذلك أنهن شعث.

فإن كان المنعوت معلوما فالصفة إما للمدح أو للذم أو للترحم، فإن لم تكن لشيء من ذلك فالإتباع ليس إلا نحو: مررت بزيد الطويل الأبيض الأشم، وإن كانت الصفة أحد الثلاثة - أعني المدح والذم والترحم - جاز لك ثلاثة أوجه: إتباع الجميع، وقطع الجميع، واتباع بعض وقطع بعض. وتبدأ بالإتباع قبل القطع ولا يجوز القطع ثم الإتباع؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية.

وإذا اجتمع نعوت ومنعوتون فإما أن [تفرقهما](3) أو تجمعهما أو تفرق المنعوتين وتجمع النعوت أو تفرق النعوت وتجمع المنعوتين فإن جمعتهما نحو: قام الزيدون العقلاء أو فرقتهما نحو: زيد العاقل وعمرو الكريم وعبد الله الظريف أو جمعت المنعوتين وفرقت النعوت نحو قام الزيدون العاقل والكريم والشجاع كان حكم ذلك كله حكم المنعوت المفرد في الإتباع والقطع في أماكن القطع؛ لأنه يجوز جمع المنعوتين وتفريق النعوت في جميع الأسماء نحو قوله: -

(1) الكتاب (2/ 26) في باب ما ينتصب على التعظيم.

(2)

البيت من بحر المتقارب وهو لأمية بن أبي عائد الهذلي وشاهده واضح وهو في المفصل (49)، والكتاب (1/ 199).

(3)

هذا الفعل وخمسة الأفعال بعده في الأصل بياء الغياب بدل تاء الخطاب.

ص: 3349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

3163 -

بكيت وما بكا رجل حزين

على ربعين مسلوب وبال (1)

إلا في أسماء الإشارة فإنه لا يجوز ذلك فيها. فلا يقال: مررت بهذين الطويل والقصير؛ وسبب ذلك أن كل نعت لا بد فيه من ضمير يعود على المنعوت ليربطه به إلا أسماء الإشارة فإنها لا توصف إلا بالجوامد نحو: مررت بهذا الرجل، وإن وصفت بالمشتق فعلى أن يكون قائما مقام الجامد نحو: مررت بهذا العاقل - تريد بهذا الرجل العاقل - فحذفت الموصوف وأقمت الصفة مقامه؛ ولهذا يقل مجيء المشتق نعتا لأسماء الإشارة. فإذا تقرر أنها توصف بالجوامد والجوامد لا تتحمل الضمير جعلوا نائبا عن الضمير في الربط كونه موافقا لموصوفه في الإفراد والتثنية والجمع.

فإن فرقت المنعوتين وجمعت النعوت فإما أن يتفق الإعراب أو يختلف.

فإن اختلف فالقطع ليس إلّا نحو: ضرب زيد عمرا العاقلان بالرفع على خبر ابتداء مضمر أو بالنصب على إضمار فعل، هذا مذهب البصريين.

وأما الكوفيون فإنما يوجبون القطع في المختلف الإعراب المختلف المعنى نحو المثال المتقدم.

وأما المختلف الإعراب المتفق المعنى فإنهم يجيزون فيه الإتباع بالنظر إلى المعنى والقطع في أماكن القطع وذلك نحو: ضارب زيد عمرا، فإن كل واحد من الاسمين ضارب ومضروب في المعنى فأجازوا العاقلان بالرفع نعتا لزيد وعمرو على معنى عمرو فيغلب المرفوع خاصة لأنه عمدة. وهو مذهب الفراء (2).

ومنهم من أجاز الرفع والنصب على الإتباع فيغلب تارة المرفوع وتارة المنصوب؛ لأن كل واحد من الاسمين معناه معنى المرفوع من حيث هو ضارب، ومعنى المنصوب من حيث هو مضروب (وهو مذهب ابن سعدان)(3).

والصحيح أنه لا يجوز إلّا القطع بدليل أنه لا يجوز: ضارب زيد هندا العاقلة برفع العاقلة نعتا لهند على المعنى باتفاق من البصريين والكوفيين. فإن اتفق الإعراب -

(1) من الوافر لابن ميادة - في التذييل (7/ 361) والكتاب (1/ 214) والمقرب (1/ 225)، والربع: المنزل أو الربيع خاصة هذا وفي الأصل بكاء أربعين وبهما ينكسر الوزن.

(2)

ينظر في ذلك: التصريح (2/ 114) ومجالس ثعلب (417) والهمع (2/ 119).

(3)

من شرح الجمل: ورأى ابن سعدان هذا في الهمع (2/ 119).

ص: 3350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فإما أن تتفق الأسماء في التعريف أو التنكير أو تختلف.

فإن اختلفت فالقطع ليس إلّا نحو: قام زيد ورجل الكريمان على أنه خبر ابتداء مضمر، والكريمين على النصب بإضمار فعل، ولا يجوز الإتباع؛ لأن المعرفة تطلب نعتها معرفة، والنكرة تطلب نعتها نكرة، وذلك لا يمكن في اسم واحد في حال واحد. فإن اتفق الإعراب والتعريف والتنكير فإما أن يكون بعض المنعوتين مستفهما عنه وبعضهم غير مستفهم عنه؛ فلا يجوز إلا القطع نحو: من أخوك، وهذا محمد العاقلان على الخبرية والعاقلين على النصب بفعل مضمر (1).

فإن اتفق المنعوتون في الإعراب والتعريف والتنكير والاستفهام أو غيره؛ فالعامل إما واحد أو أزيد، إن كان واحدا فالإتباع والقطع في أماكن القطع نحو: أعلمت زيدا بكرا أخاك العقلاء ونحو قولك: قام زيد وعمرو وجعفر العقلاء؛ لأن قام هو العامل في زيد بنفسه وفي عمرو وجعفر [بواسطة] حرف العطف.

فإن كان العامل أزيد من واحد فإما أن يتفق جنس العمل أو يختلف، واختلاف العامل في الجنس أن يكون أحدهما اسما والآخر فعلا أو حرفا. والحروف المختلفة المعاني أيضا بمنزلة العوامل المختلفة الجنس، فإن اختلفت العوامل في الجنس فالقطع ليس إلا خلافا للجرمي، فإنه يجيز الإتباع والقطع في أماكن القطع (2) وذلك نحو قولك: قام زيد وهذا محمد العاقلان على أنه خبر ابتداء مضمر، والعاقلين على النصب بإضمار فعل. وكذلك لو قلت: مررت بزيد ودخلت إلى أبيك العاقلين أو العاقلان ليس فيه إلّا القطع بمنزلة ما تقدم لمخالفة معنى الباء لمعنى اللام.

وإن اتفقت العوامل في الجنس فإما أن تتفق في اللفظ والمعنى نحو: قام زيد وقام عمرو، أو في اللفظ لا في المعنى نحو: وجد الضالة زيد ووجد علي بكر عمرو أي غضب، أو تتفق في المعنى لا في اللفظ نحو ذهب زيد وانطلق بكر، أو تختلف في اللفظ والمعنى نحو: أقبل زيد وأدبر عمرو. فإن اختلفت في اللفظ والمعنى أو في المعنى دون اللفظ فمذهب [4/ 126] سيبويه ومن أخذ بمذهبه الإتباع والقطع في -

(1) بعده في شرح الجمل (1/ 211) أعني: ولا يجوز أن يكون العاقلان نعتا لمحمد وأخوك لما نذكر إن شاء الله تعالى.

(2)

ينظر التصريح (2/ 116)، والمقتضب (4/ 314)، والهمع (2/ 118).

ص: 3351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أماكن القطع (1) ومذهب المبرد وأبي بكر بن السراج القطع ليس إلا (2) لما يذكر بعد.

وإن اتفقا في المعنى واختلفا في اللفظ نحو ما تقدم من: ذهب زيد وانطلق عمرو فمذهب سيبويه والمبرد ومن

أخذ بمذهبهما الإتباع والقطع في أماكن القطع، ومذهب أبي بكر القطع ليس إلا (3) لما يتبين بعد. وإن اتفق اللفظ والمعنى نحو ما تقدم من: قام زيد وقام عمرو فمذهب (النحويين كافة)(4) الإتباع والقطع في أماكن القطع إلا أبا بكر فإنه يقطع ولا يجيز الإتباع إلا بشرط أن يقدر الاسم الثاني معطوفا على الاسم الأول ويكون العامل الثاني توكيدا للأول غير عامل في الاسم الثاني فحينئذ يجوز الإتباع والقطع؛ لأن العامل واحد نحو: قام زيد وقام عمرو إذا قدرت قام الثاني تأكيدا للأول (5). فأما امتناع الإتباع إذا اختلف الإعراب فلأنّ أحد المنعوتين يطلب النعت مرفوعا والآخر يطلبه منصوبا أو مخفوضا، ولا يتصور أن يكون اسم واحد في حين واحد مرفوعا وغير مرفوع.

وأما امتناع الإتباع إذا كان بعض المنعوتين مستفهما عنه وبعضهم غير مستفهم عنه فمن قبيل أن النعت داخل في ما يدخل فيه المنعوت في المعنى. فإذا قلت: من أخوك العاقل، فالعاقل مستفهم عنه كالأخ، حتى كأنك قلت: من العاقل والمستفهم عنه مجهول. وإذا قلت: هذا زيد العاقل فالعاقل، خبر هذا كزيد حتى كأنك قلت: هذا العاقل، والعاقل معلوم، فلو قلت: هذا زيد ومن أخوك العاقلان على النعت لزيد والأخ لوجب أن يكون العاقلان معلوما مجهولا في حال واحد فلذلك عدل إلى القطع.

وأما امتناع الإتباع إذا اختلف العامل فسببه أن النعت داخل في معنى المنعوت كما تقدم، فإذا قلت: قام زيد العاقل فالعاقل فاعل في المعنى كأنك قلت: قام العاقل فلو قلت: هذا زيد وقام عمرو العاقلان على الإتباع لكان العاقلان خبرا من حيث -

(1) الكتاب (2/ 57 - 60، 150، 151).

(2)

المقتضب (4/ 315) والأصول (2/ 32).

(3)

المصادر السابقة والهمع (2/ 116 / 118).

(4)

الأصل: كافة النحويين.

(5)

الأصول (2/ 32) والهمع (2/ 119).

ص: 3352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

هو نعت للخبر ومخبرا عنه من حيث هو نعت للفاعل والفاعل مخبر عنه واسم واحد لا يكون خبرا مخبرا عنه في حال واحد. وكذلك حرفا الجر المختلفا المعنى بمنزلة العوامل المختلفة الجنس؛ وذلك أنك إذا قلت: مررت بزيد العاقل فالعاقل مجرور به حتى كأنك قلت: مررت بالعاقل. فإذا قلت: دخلت إلى أخيك الكريم، فالكريم مدخول إليه حتى كأنك قلت: دخلت إلى الكريم فلو قلت: مررت بزيد ودخلت إلى أخيك العاقلين لكان العاقلان وهو اسم واحد

مجرورا على الإلصاق وعلى انتهاء الغاية، واسم واحد لا ينجر على معنيين مختلفين.

وتوهم الجرمي أن منع ذلك إنما هو من طريق أن العاملين لا يعملان في معمول واحد. وتقرر عنده أن العامل في النعت إنما هو التبعية كما نذهب نحن إليه فأجاز الإتباع، وأما الامتناع عندنا لما ذكرت. وأما الامتناع عند المبرد إذا اختلفت العوامل في اللفظ والمعنى نحو: أقبل زيد وأدبر عمرو، أو في المعنى لا في اللفظ نحو:

وجدت الضالة زيد ووجد علي بكر عمرو فمن طريق أنك إذا قلت: أقبل زيد العاقل فالعاقل في المعنى مقبل، وإذا قلت: أدبر زيد العاقل فالمعنى أيضا أدبر العاقل فلو أتبعت في أقبل زيد وأدبر عمرو العاقلان لكان العاقلان فاعلين على أن يكون أحدهما فعل خلاف فعل الآخر وذلك غير جائز عنده إذ لم يحضره لذلك نظير في كلامهم، وهو عندنا جائز بدليل قولهم: اختلف الزيدان، فالزيدان فاعل وقد فعل أحدهما خلاف ما فعل الآخر فإن قال: فقد اتفقا في جنس الاختلاف قيل له:

وكذلك في مسألتنا قد اتفق زيد وعمرو في جنس الفعل.

وأما امتناع الإتباع إذا اتفق معنى العاملين واختلف لفظهما أو اتفق اللفظ والمعنى عند أبي بكر في نحو: ذهب زيد وانطلق بكر أو قام زيد وقام عمرو فلأن العامل عنده في النعت هو العامل في المنعوت فيؤدي الإتباع عنده في ذلك إلى إعمال عاملين في معمول واحد فلذلك يمتنع الإتباع للمنعوتين إذا لم يعمل فيهم عامل واحد، ولم يجز: قام زيد وقام عمرو العاقلان على الإتباع إلا بشرط تقدير قام الثاني توكيدا.

على أن هذا التقدير يبعد لأن التأكيد حكمه أن يكون يلي المؤكد فكان ينبغي أن -

ص: 3353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يكون، قام زيد وعمرو ولما كان العامل في النعت عندنا إنما هو الإتباع أجزنا الإتباع في هذه المسائل.

والذي يدل على أن العامل في النعت إنما هو التبع للمنعوت لا العامل في المنعوت أنا قد وجدنا من النعوت ما لا يصح دخول العامل عليه نحو: مررت بهم الجماء الغفير ولا يجوز في الغفير إلا أن يكون بعد الجماء، وكذلك أيضا وجدناهم يقولون:

ما زيد بأخيك العاقل بالنصب على موضع الاسم، ولا يتصور أن يكون العامل فيه هو العامل في المنعوت وهو الباء لأن الباء إذا عملت في شيء جرته. فدل ذلك على أن العامل إنما هو التبع له في اللفظ أو في المعنى. هذا آخر كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى (1).

وملخص ما قال: أن المنعوت إذا كان واحدا، أي غير متعدد، فإما أن لا يتكرر نعته أو يتكرر، فإن لم يتكرر فالمنعوت إما مجهول فالإتباع، وإما معلوم فالإتباع أيضا إن كان النعت ليس بمدح ولا ذم ولا ترحم، وإن كان

لشيء من هذه الثلاثة جاز الإتباع والقطع. ولا يشترط في القطع حينئذ تكرر النعت خلافا لمن اشترط ذلك.

وإن تكررت النعوت فالمنعوت إما مجهول فالإتباع [4/ 127] إلا أن يتقدم النعت نعت آخر يقاربه في المعنى. وإما معلوم فالإتباع أيضا إن كان النعت لغير الثلاثة - أعني المدح والذم والترحم - وإن كان لشيء من هذه الثلاثة جاز الأمران وجاز أيضا إتباع بعض وقطع بعض، وإن تعدد المنعوتون مع تعدد النعوت، وصور ذلك أربع ففي ثلاث صور منها الحكم فيها بالنسبة إلى الإتباع والقطع كالحكم مع المنعوت المفرد، والصور الثلاث أن يجمع المنعوتون والنعوت وأن يفرقا وأن يجمع المنعوتون وتفرق النعوت، وأما الصورة الرابعة وهي أن يفرق المنعوتون وتجمع النعوت فإن اختلف الإعراب فالقطع. والكوفيون يجيزون الإتباع في المختلف الإعراب المتفق المعنى على التفصيل الذي في ذلك كما ذكره. وإن اتفق الإعراب وحصل اختلاف في التعريف أو التنكير فالقطع وإن اتفق الإعراب والتعريف أو التنكير وكان منهما ما هو مستفهم عنه وما هو غير مستفهم عنه فالقطع. وإن اتفق -

(1) من شرحه على الجمل (1/ 215).

ص: 3354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الإعراب والتعريف أو التنكير والاستفهام أو الخبر وكان العامل واحدا فالإتباع والقطع بشرطه جائزان.

وإن كان العامل أزيد من واحد واختلفت العوامل في الجنس فالقطع، وإن اتفقت في الجنس فإما أن تتفق في اللفظ والمعنى أو تختلف فيهما أو تتفق في أحدهما دون الآخر فالصور أربع. ومذهب سيبويه جواز الإتباع والقطع بشرطه في الصور كلها (1). ومذهب أبي بكر وجوب القطع فيها كلها (2) والمبرد وافق سيبويه في جواز الإتباع في صورتين وهما: أن يحصل الاتفاق في المعنى والاختلاف في اللفظ وأن يحصل الاتفاق في اللفظ والمعنى (3) وخالفه في صورتين فأوجب القطع فيهما وهما أن يحصل الاختلاف في اللفظ والمعنى أو في المعنى دون اللفظ.

وتضمن كلامه أن النعت لا يقطع إلا إن كان لمدح أو ذم أو ترحم، وليس الأمر كذلك بل قطع النعت موقوف على كون المنعوت معلوما أو غير معلوم. إن كان غير معلوم فالإتباع واجب وإن كان معلوما جاز القطع وإن كان النعت للبيان في الأصل كما عرفت ذلك من كلام المصنف. وقد نص على ذلك ابن أبي الربيع فقال بعد أن مثل بقوله:

جاءني زيد الخياط: إذا قطعت يجوز إظهار الفعل إذا نصبت، وإظهار المبتدأ إذا رفعت وكأنه في النصب جواب من قال من يعني، وفي الرفع جواب من قال من هو. لأن المنعوت لا يفتقر إلى بيان به. فلا فرق في القطع بين النعت

الذي هو لأحد الثلاثة والذي هو للبيان إذا كان المنعوت معلوما بدون النعت وإنما الفرق بين النعت الذي هو للبيان وبين ما هو لأحد الثلاثة أن إضمار الرافع أو الناصب للنعت المقطوع واجب إذا كان النعت لغير البيان وجائز إضماره وإظهاره إذا كان للبيان (4).

ثم كلام ابن عصفور يتضمن أن توافق المنعوتين في التعريف أو التنكير وفي الاستفهام أو الخبر شرط في جواز الإتباع وليس في كلام المصنف إشارة إلى ذلك. -

(1) الكتاب (2/ 57: 60، 150، 151).

(2)

الأصول (2/ 42).

(3)

المقتضب (4/ 315).

(4)

التذييل (4/ 127) بغير نسبة.

ص: 3355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقد يعتذر عن المصنف بأن يقال: لا شك أنه قرر كما قرر غيره أن من شرط التابع موافقة متبوعه التعريف والتنكير فإذا كان أحد المنعوتين معرفة والآخر نكرة تعين امتناع الإتباع؛ لأن النعت المعرفة لا يجري على النكرة والنعت النكرة لا يجري على المعرفة. وإذا كان الأمر كذلك استغني عن التعرض إلى اشتراط الموافقة في التعريف والتنكير إذا أريد الإتباع وأما أمر الموافقة في الاستفهام وعدمه فقد يقول المصنف:

لا حاجة إلى التعرض لذلك؛ لأن نعت المستفهم عنه ممنوع من الأصل. ويدل على ما قلته قول سيبويه في الباب المترجم بقوله: «هذا باب ما ينصب فيه الاسم لأنه لا سبيل له إلى أن يكون صفة، واعلم أنه لا يجوز: من عبد الله وهذا زيد الرجلين الصالحين رفعت أو نصبت؛ لأنك لا تثني إلا على من أثبتّه وعلمته ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وإنما الصفة علم في من قد علمته» (1). انتهى.

ولا شك أن مقتضى كلامه أن وصف المستفهم عنه لا يجوز وهو الذي يقتضيه النظر.

ثم كلام المصنف يقتضي أن عوامل المنعوتين إذا تعددت يشترط في جواز الإتباع بعد اتحادها في العمل [اتحادها] في المعنى واللفظ أو في المعنى والجنس. ومقتضاه أنه إذا عدم الاتحاد في المعنى امتنع الإتباع ووجب القطع.

وابن عصفور قد قال: إن مذهب سيبويه في مثل ذلك جواز الإتباع وأن الذي يوجب القطع هو المبرد، وهذا الأمر يتوقف على مراجعة كلام سيبويه فإن صح عنه ذلك تبين أن المصنف اختار مذهب المبرد، والظاهر أن سيبويه لو كان يجيز الإتباع وأن المصنف يختار مذهب المبرد لكان ينبه على ذلك إما في متن كتابه أو في شرحه (2).

(1) الكتاب (2/ 59، 60).

(2)

ينظر الأصول (2/ 42)، والكتاب (1/ 247)، بولاق، والمقتضب (4/ 315)، والهمع (2/ 118).

ص: 3356