الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل بين المتضايفين، وأحكامه]
قال ابن مالك (فصل: يجوز في الشّعر فصل المضاف بالظّرف والجار والمجرور بقوّة إن تعلّقا به، وإلّا فبضعف ومثله في الضّعف الفصل بمفعول به متعلّق بغير المضاف وبفاعل مطلقا وبنداء ونعت وفعل ملغى.
وإن كان المضاف مصدرا جاز أن يضاف نظما ونثرا إلى فاعله مفصولا بمفعوله، وربّما فصل في اختيار اسم الفاعل المضاف إلى المفعول بمفعول آخر أو جار ومجرور).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): من أمثلة فصل المضاف بالظرف قول الشاعر:
3061 -
فرشني بخير لا أكونن ومدحتى
…
كناحت يوما صخرة بعسيل (2)
[4/ 97] ومن أمثلة فصله بالجار والمجرور قول الآخر:
3062 -
لأنت معتاد في الهيجا مصابرة
…
يصلى بها كلّ من عاداك نيرانا (3)
فتقدير الأول: كناحت صخرة يوما، وتقدير الثاني: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا؛ فهذا النوع من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف فكان فيه قوة وهو جدير بأن يجوز في الاختيار ولا يخص بالاضطرار، وبذلك أقول؛ لوروده في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» (4) ففصل بالجار والمجرور؛ لأنه متعلق بالمضاف، وهو أفصح الناس؛ فدل ذلك على ضعف قول من خصه بالضرورة.
وفي كلام بعض من يوثق بعربيته: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها (5).
ففصل في الاختيار بالظرف فعلم أن مثله لا حجر على المتكلم به ناظما وناثرا وإنما يحجر على من فصل بما لا يتعلق بالمضاف كقول الشاعر: -
(1) شرح التسهيل لابن مالك (3/ 273).
(2)
من الطويل. الأشموني (3/ 308)، والتصريح (3/ 58)، والعيني (3/ 347).
(3)
من البسيط. التذييل (7/ 267)، والعيني (3/ 485).
(4)
في خصومة وقعت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. البخاري (5/ 5)، (6/ 5)، والتصريح (2/ 58)، وشرح العمدة (236)، وشواهد التوضيح (163)، والكافية الشافية (2/ 992)، والهمع (2/ 52).
(5)
ينظر التذييل (7/ 267)، والتصريح (2/ 58)، والهمع (2/ 52).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3063 -
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما
…
يهوديّ يقارب أو يزيل (1)
ففصل بين «كف» و «يهودي» بـ «يوما» وهو متعلق بـ «خط» ، فمثل هذا ضعيف حقيق بأن لا يجوز إلا في الضرورة
لما فيه من الفصل بأجنبي. ومثله في الضعف والاختصاص بالضرورة الفصل بمفعول به متعلق بغير المضاف كقول جرير:
3064 -
تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها
…
كما تضمّن ماء المزنة الرّصف (2)
أراد: تسقي ندى ريقتها المسواك. ومثله في الضعف الفصل بالفاعل مطلقا، أي:
سواء في ذلك ما تعلق بالمضاف وما تعلق بغير المضاف؛ فالمتعلق به كقول الشاعر:
3065 -
نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي
…
ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم (3)
أراد: ولا ترعوي عن أن تنقض أهواؤنا العزم؛ ففصل بـ «أهواؤنا» وهو فاعل النقض بينه وبين المفعول المضاف إليه وهو «العزم» ، والمتعلق بغيره كقول الشاعر:
3066 -
أنجب أيّام والداه به
…
إذ نجلاه فنعم ما نجلا (4)
أراد: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه؛ ففصل بين «أيام» و «إذ» بفاعل «أنجب» ولا عمل لـ «أيام» فيه كما كان للنقض في الأهواء. ومن الفصل بفاعل مرتفع بالمضاف قول الراجز:
3067 -
ما إن عرفنا للهوى من طبّ
…
ولا جهلنا قهر وجد صبّ (5)
وزعم السيرافي أن قول الشاعر:
3068 -
تمرّ على ما يستمرّ وقد شفت
…
غلائل عبد القيس منها صدورها (6)
-
(1) من الوافر لأبي حية النميري الأشموني (2/ 278)، والتصريح (2/ 59)، والعيني (3/ 470)، والكتاب (1/ 91)، والمقتضب (1/ 237)، (4/ 377)، والهمع (2/ 52).
(2)
من البسيط. ديوانه (305)، الأشموني (2/ 277)، والتصريح (2/ 58)، والدرر (3/ 66)، والعيني (3/ 374)، والهمع (2/ 52).
(3)
من الطويل للأشموني (2/ 279)، والعيني (3/ 488).
(4)
من المنسرح. إصلاح المنطق (51)، والأشموني (2/ 277، 279)، واللسان:«نجب» ، و «نجل» ، والمحتسب (1/ 152)، والهمع (2/ 53). هذا، والبيت للأعشى. ديوانه (175).
(5)
رجز. الأشموني (2/ 279)، والدرر (2/ 67)، وشرح العمدة (188)، والكافية الشافية (2/ 993)، ويروي:«وجدنا» بدل «عرفنا» ، و «عدمنا» موضع «جهلنا» .
(6)
من الطويل. الإنصاف (428)، والتذييل (7/ 268)، والخزانة (2/ 450)، والكافية الشافية (2/ 991).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد فصل فيه «عبد القيس» وهو فاعل «شفت» بين «غلائل» و «صدورها» وهما مضاف ومضاف إليه (1)، والذي قاله غير متعين؛ لإمكان جعل «غلائل» غير مضاف، وجعله ساقط التنوين لمنعه الصرف، وانجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله:«منها» . وهذا التوجيه راجح على ما ذهب إليه السيرافي لكثرة نظائره وعدم أمر لا يستباح إلا في الضرورة أو على سبيل الندور. ومثله في الضعف والندور الفصل بالنداء كقول الشاعر:
3069 -
وفاق كعب بجير منقذ لك من
…
تعجيل تهلكة والخلد في سقرا (2)
أراد: وفاق بجير يا كعب، والمراد: بجير (3) وكعب ابنا زهير رضي الله عن بجير ورحم كعبا وكقول الآخر:
3070 -
كأنّ برذون أبا عصام
…
زيد حمار دقّ باللّجام (4)
أراد: كأن برذون زيد، ومثله قول الفرزدق:
3071 -
إذا ما أبا حفص أتتك رأيتها
…
على شعراء النّاس يعلو قصيدها (5)
أراد: إذا ما أتتك يا أبا حفص. ومثله في الضعف الفصل بالنعت كقول الشاعر يخاطب معاوية رضي الله تعالى عنه:
3072 -
نجوت وقد بلّ المراديّ سيفه
…
من ابن أبي شيخ الأباطح طالب (6)
أراد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، ومثله قول الفرزدق:
3073 -
ولئن حلفت على يديك لأحلفن
…
بيمين أصدق من يمينك مقسم (7)
أراد: فصل بين «أبي» و «طالب» بـ «شيخ الأباطح» ، ومثله قول سويد بن -
(1) وانظر في رأي السيرافي المصادر السابقة، والتصريح (2/ 58).
(2)
من الطويل. الأشموني (2/ 279)، والدرر (2/ 67)، والعيني (3/ 489)، والهمع (2/ 53).
(3)
انظر في ترجمة بجير: الأعلام (3/ 87)، والمؤتلف (75)، وفي ترجمة «كعب»: الأعلام (3/ 87)، (6/ 81)، والسمط (1/ 421).
(4)
رجز. الخصائص (2/ 404)، والدرر (2/ 67)، وشرح العمدة (238)، والهمع (2/ 53).
(5)
البيت من الطويل. ديوانه (153)، والتذييل (7/ 268).
(6)
من الطويل. الأشموني (2/ 278)، والهمع (2/ 59).
(7)
من الكامل. ديوانه (2/ 226)، والأشموني (1/ 278)، والعيني (3/ 484).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصامت (1) يخاطب قومه:
3074 -
أدين وما ديني عليك بمغرم
…
ولكن على الشّمّ الجلاد القراوح
على كلّ خوّار كأنّ عماده
…
طلين بقار أو بحمأة مائح
لها حائل أوعى بووّه كلّما
…
تناول كفّاه اليسار الجوانح (2)
أراد: أوعى الجوانح؛ ففصل بنعت وهو جملة؛ لأنها في حكم نعت مفرد.
ومثال الفصل بفعل ملغى ما أنشد ابن السكيت من قول الشاعر:
3075 -
ألا يا صاحبيّ قفا المهارا
…
وسائل حيّ بثنة أين سارا
بأيّ تراهم الأرضين حلّوا
…
ألدّبران أم عسفوا الكفارا (3)
أراد: بأي الأرضين تراهم حلوا؛ ففصل بـ «تراهم» وهو فعل ملغى بين «أي» و «الأرضين» وهما مضاف ومضاف إليه كما فصل بنعت وهو جملة وقد تقدم ذكره.
وتقدم أيضا أن الفصل بمعمول المضاف إذا لم يكن مرفوعا جدير بأن يكون جائزا في الاختيار ولا يخص بالاضطرار. واستدللت على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» ، وبقول بعض العرب: ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها وأقوى الأدلة على ذلك قراءة ابن عامر (4) رضي الله تعالى عنه: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم (5)؛ لأنها ثابتة بالتواتر -
(1) ابن حارثة الأنصاري شاعر من أهل المدينة كان يسميه قومه «الكامل» قتله الخزرج بالمدينة قبل الهجرة. الأعلام (3/ 214، 215)، والسمط (361)، وسيرة ابن هشام (1/ 148)، وفي الأصل:«الصلت» - تحريف.
(2)
من الطويل. الاقتضاب (375)، ورسائل الجاحظ (1/ 204)، وشرح المفصل (5/ 70)، واللسان:«قرح» ، و «جلد» . بالنسبة ذاتها.
(3)
من الوافر الأشموني (2/ 279)، والتصريح (2/ 59).
(4)
عبد الله بن عامر اليحصبي أحد القراء السبعة أخذ عن أبي الدرداء وروى عنه يحيى بن الحارث (ت: 118 هـ) في دمشق. الأعلام (4/ 228)، وطبقات القراء (1/ 423)، وغاية النهاية (1/ 423).
(5)
البحر المحيط (4/ 229) وما بعدها، وحجة ابن زنجلة (273)، والنشر (1/ 263 - 265).
والآية في سورة الأنعام: 137.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعزوة إلى موثق بعربيته قبل التعلم، فإنه من كبار التابعين ومن الذين يقتدى بهم في الفصاحة كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يعلم منهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن ويكفيه شاهدا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عول عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وتوجيه ما قرأ به في قياس النحو قوي؛ وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف [4/ 98] إلى ما هو فاعل. فحسن ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية ولو لم يستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرا ما استحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فيحكم بجوازه مطلقا. وأيضا فقد فصل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» بالجار والمجرور والمضاف فيه اسم فاعل مع أنه مفصول بما فيه من الضمير المنوي ففصل المصدر مع خلوه من ضمير أسهل وأحق بالجواز. ولذلك قلت نظائر: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» وكثرت نظائر «قتل أولادهم شركائهم» فمنها قول الطرماح (1):
3076 -
يطفن بحوزيّ المراتع لم ترع
…
بواديه من قرع القسيّ الكنائن (2)
ومنها:
3077 -
عتوا إذ أجبناهم إلى السّلم رأفة
…
فسقناهم سوق البغاث الأجادل
ومن يلغ أعقاب الأمور فإنّه
…
جدير بهلك آجل أو معاجل (3)
ومنها: -
(1) ابن حكيم من طيئ شاعر إسلامي كان هجاء معاصرا للكميت لا يكادان - من صداقتهما - يفترقان (ت: 125 هـ). الأعلام (3/ 325)، وجمهرة الأنساب (/ 378).
(2)
من الطويل. ديوانه (169)، والخصائص (2/ 406)، واللسان:«حوز» .
(3)
من الطويل. الأشموني (2/ 276)، والتصريح (2/ 57).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
3078 -
يفركن حبّ السّنبل الكنافج
…
في القاع فرك القطن المحالج (1)
وأنشد أبو عبيدة (2):
3079 -
وحلق الماذيّ والقوانس
…
فداسهم دوس الحصاد الدّائس (3)
وأنشد الأخفش:
3080 -
فزججتها بمزجّة
…
زجّ القلوص أبي مزاده (4)
وأنشد ثعلب بجر «مطر» من قول الشاعر:
3081 -
لئن كان النّكاح أحلّ شيء
…
فإنّ نكاحها مطر حرام (5)
و «مطر» اسم رجل ومما يؤيد «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» قراءة بعض السلف رضي الله تعالى عنهم: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله (6) ففصل فيها اسم الفاعل المضاف إلى مفعول بمفعول آخر. انتهى (7) كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وتلخص منه أن صور المسائل التي يكون فيها الفصل تسع:
وذلك أن الفصل بين المتضايفين: إما بالظرف وفي حكمه الجار والمجرور، أو بالمفعول به، أو بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بفعل ملغى.
ثم الفصل بالظرف قسمان: غير متعلق بالمضاف، ومتعلق به؛ حيث يصح فيه أن يكون عاملا بأن يكون مصدرا أو اسم فاعل؛ فهاتان صورتان.
والفصل بالمفعول به قسمان أيضا: معمول لغير المضاف، ومعمول للمضاف الذي المفعول معمول له: إما مصدر مضاف إلى فاعله، أو اسم فاعل مضاف إلى -
(1) رجز لجندل الطهوي. العيني (3/ 457)، واللسان:«كنفج» . هذا، والكنافج: السنبل المكتنز.
(2)
معمر بن المثنى التيمي النحوي، أخذ عن يونس وأبي عمرو، وعنه أخذ المازني والأثرم وأبو حاتم (ت: 209 هـ). الإنباه (3/ 276)، والبغية (2/ 294)، والنزاهة (/ 104).
(3)
رجز لعمرو بن كلثوم. الأشموني (2/ 276)، والعيني (3/ 461).
(4)
من م الكامل. الخصائص (2/ 406)، والعيني (3/ 468)، والكافية الشافية (370).
(5)
من الوافر للأحوص. الأشموني (2/ 279)، والتصريح (2/ 59)، والعيني (1/ 109)، والمغني (/ 672).
(6)
سورة إبراهيم: 47، وانظر: البحر المحيط (5/ 439)، ومعاني الفراء (2/ 81) وما بعدها.
(7)
انظر: شرح التسهيل (3/ 278).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مفعول له آخر، وهذه ثلاث صور، والفصل بالفاعل، ولا فرق فيه بين أن يكون متعلقا بالمضاف أو غير متعلق، والفصل بالنداء، والفصل بالنعت، والفصل بالفعل الملغى، وهذه أربع صور.
ثم الجائز في الاختيار من هذه التسع ثلاث، وهي:
أن يكون الفصل بظرف متعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور كما عرفت.
وأن يكون بمفعول به معمول لمصدر مضاف إلى فاعله.
وأن يكون بمفعول به أيضا معمول لاسم فاعل مضاف إلى مفعول له آخر.
وست الصور الباقية مخصوصة بالاضطرار فلا تكون إلا في الشعر، وهي:
أن يكون الفصل بظرف لا يتعلق بالمضاف وفي حكمه الجار والمجرور.
وأن يكون بمفعول به معمول لغير المضاف.
وأن يكون بالفاعل، أو بالنداء، أو بالنعت، أو بالفعل الملغى.
وذكر المصنف في الألفية الفصل بالقسم (1)، قال: روى أبو عبيدة عن بعض العرب: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربّها (2)، وحكى الكسائي: هذا غلام والله زيد، وجعل هذه الصورة مما يجوز في الاختيار؛ فعلى هذا تتكمل الصور عشرا. الجائز منها في الاختيار أربع، والمخصوص منها بالاضطرار ست، والله تعالى أعلم. ثم قد بقي الكلام على أمرين:
أحدهما: تخريج المصنف قول الشاعر:
3082 -
…
غلائل عبد القيس منها صدورها
على أن «غلائل» غير مضاف وأن انجرار «صدورها» على أنه بدل من الضمير في قوله: «منها» ؛ فإن معنى البيت الذي قصده الشاعر أن عبد القيس شفت غلائل -
(1) قال في الألفية:
فصل مضاف شبه فعل ما نصب
…
مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
فصل يمين ......
وانظر: الأشموني بحاشية الصبان (2/ 275 - 277).
(2)
ينظر الأشموني (2/ 277)، والهمع (2/ 2)، وقد سبق ذلك آخر حروف الجر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صدورها من الغير؛ فالشافي هم «عبد القيس» والمشفى «غلائل صدورهم» والمشفى منه من عاد عليه الضمير المجرور بـ «من» فالصدور على هذا: صدور عبد القيس. ومقتضى تخريج المصنف أن الصدور صدور المشفى منه وهو العائد عليه الضمير في «منها» فيصير المعنى على هذا غير المعنى الذي ذكرناه.
ثانيهما: أن الشيخ قال: وما اختاره المصنف - من جواز مثل قراءة ابن عامر - هو الصحيح، وإن كان أكثر النحويين لا يجيزونه في الكلام، وذكروا أنه مختص بالشعر. قال: وأما من صرح بأنها غلط فهو قدح في التواتر، وإنما أضيفت هذه القراءة إلى ابن عامر على سبيل الاشتهار، وكذلك القراءاة المضافة إلى ابن كثير، وليست على سبيل الانفراد بها فيكون من نقل الآحاد، بل جميع القراءات السبع متواترة؛ فعلى كل قراءة منها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ومنكر التواتر فيها يكون في إسلامه دخل (1) انتهى.
وهو كلام حسن صادر عن حسن الاعتقاد صحيح الاستمساك حافظ لنظام الشريعة المطهرة، ولقد كان رحمه الله تعالى متصفا بهذه الصفات؛ معظما لمن له نسبة إلى السنة النبوية، قائما بلوازمها، لا يشك في صحة اعتقاده وكثرة أدبه عند سماع شيء من الكتاب والسنة، ووقوفه عند حدودها وعدم مجاوزة ما تقتضيه الشريعة المطهرة، فرحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه. ثم إنه خرج الحديث الشريف وهو «هل أنتم [4/ 99] تاركوا لي صاحبي؟» على أن لا إضافة وأن الأصل: هل أنتم تاركون؟ فحذفت النون و «صاحبي» مفعول منصوب، وأصله:
تاركون (2).
وأقول: إن القول بالإضافة والفصل؛ لثبوته في الجملة في القراءة المتواترة وفي كثير من الأشعار العربية أولى من القول بحذف النون؛ لأن ذلك إنما ورد في ضرورة أو في قراءة شاذة نحو: (وما هم بضارّي به من أحد)(3) ونحو: (إنّكم لذآئقوا العذاب الأليم) بالنصب (4).
(1) التذييل (271).
(2)
التذييل (7/ 270).
(3)
وهي - بحذف النون - قراءة الأعشى، وراجع البحر المحيط (1/ 332).
(4)
البحر المحيط (7/ 358).