الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كانَ قدْ تخفى معرفتُهُ على بعضِ أفرادِ العُلماءِ، فإنَّ العلمَ بحقيقةِ المُرادِ منهُ لاتخفى على جميعِ الأمَّةِ.
* مسألة:
قدْ يكونُ النَّصُّ مجملاً في بعضِ معناهُ بيِّنًا في بعضهِ، فيُعملٌُ بما كانَ بيِّنًا منهُ، ويُطلبُ بيانُ الإجمالِ في سائرِهِ، كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، فهذا النَّصُّ واضحٌ في وجوبِ الإنفاقِ من المكاسبِ وممَّا تُخرجُه الأرضُ، مُجملٌ في بيانِ مقدارِ الواجبِ، فيُطلبُ بيانُهُ من غيرهِ.
(4) المتشابه
* تعريفه:
هوَ اللَّفظُ الَّذي لا تدلُّ صيغَتُهُ على المُرادِ منهُ، وليسَ ثمَّةَ قرائِنُ تُبيِّنُه، واستأثرَ الله عزَّوجلَّ بعلمِ حقيقتِهِ.
هذا أفضلُ ما عرَّفُوا به (المُتشابهَ) ، وقَدِ اضْطرَبَتْ تعريفاتُ الأصوليِّينَ لهُ، مع أنَّهُم جعلوهُ مُقابلاً لـ (المُحكمِ) ، وهذهِ مُقابلَةٌ صحيحةٌ في كتابِ الله تعالى، والقُرآنُ يشهدُ لصحَّةِ التَّعريفِ المذكُورِ، وذلكَ أنَّ الله تعالى قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ
مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، فجعلَ (المُحكمَ) أُمَّ الكتابِ، و (أُمُّ الشَّيءِ) مُعظمهُ وأكثرُهُ، أمَّا (المُتشابه) فجاء فيه بلفظٍ يدلُّ على التَّقليلِ، وهذا هو المُتناسبُ مع ما أنزل الله تعالى القرآنَ لأجلِهِ، أن يكونَ أكثرُهُ واضحًا لا لبسَ فيه ولا إشكالَ، ما خفِي منهُ على فردٍ علِمهُ الآخرُ، وهذا معنى وصفِ القرآنِ بالهدايَةِ والتِّبيانِ والنُّورِ والضِّياء وماءِ الحياةِ والاستِقامَةِ، ثمَّ إنَّ الآية دلَّت على أنَّ الله تعالى استأْثرَ بِعلمِ (المُتشابه) ، لا يُدركُ حقيقتهُ حتَّى العُلماءُ، بلْ يقولُونَ:{آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، وما كانَ كذلكَ امتنعَ جزمًا أنْ يرادَ به التَّشريعُ للأمَّةِ، لأنَّ الله تعالى لا يُمكنُ أن يُكلِّفَ العِبادَ ما لا يُدركُ معناهُ خاصَّتُهُم من أهلِ الذِّكرِ والعلمِ الَّذين هُمُ المفزَعُ لمعرفةِ الدِّينِ.
فإذا ظهرَ هذا علِمنَا امتنَاعَ دخولِ شيءٍ من الأحكامِ تحتَ معنَى (المُتشابه) .
إذًا تسألُ: ما مِثالُ (المُتشابِه) ؟
* مثاله:
نُصُوصُ صفاتِ الله عزَّوجلَّ، لا مِن جهةِ معانيها، فإنَّهَا بألفاظٍ
عربيَّةٍ مُدركَةِ المعاني، كصفاتِ الذَّاتِ، مثلُ:(اليَدِ، والوجهِ، والعينِ) ، أو صفاتِ الفِعلِ (كنفخِ الرُّوحِ، وإبدَاعِ الخلقِ، وإنزالِ الرِّزقِ) ، فهذهِ بألفاظٍ عربيَّةٍ لا يخفى العِلمُ بها، وإنَّما الاشتِباهُ في إدراكِ كيفيَّاتهَا وكُنههَا، فالله عزَّوجلَّ مع تعرُّفِهِ إلى خلقِهِ بأسمائِهِ وصِفاتِهِ، إلَاّ أنَّه احتجبَ عنهُم بذاتِهِ، وحذَّرهُمْ من أن يُقيمُوا له صورَةً في الأذهانِ، فقالَ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، فهوَ مع سمعِه وبصرِهِ وسائرِ صفاتِهِ الَّتي نُدركُ معاني ألفاظِهَا ونعلمُ فوارقَ ما بينهَا في دلالاتِها، إلَاّ أنَّه ليسَ كمِثلهِ شيءٌ فيها، فليسَ سمعٌ كسَمعِنَا ولا بصرٌ كبصرِنَا.
والأمرُ في ذلكَ كلِّه على القاعدَةِ المالكيَّةِ، فقدْ سُئلَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله عن استِواءِ الله تعالى على عرشِهِ؟ فقالَ: الكيفُ غيرُ معلومٍ، والاستِواءُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدْعَةٌ.
ومن الدَّليلِ على صحَّةِ هذا المِثالِ لـ (المُتشابِهِ) حديثُ عائشَةَ رضي الله عنها قالتْ: تلَا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} الآية إلى آخرِهَا [آل عمران: 7]، قالتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتُمُ الَّذينَ يتَّبعُونَ ما تشابَه منهُ فأولئِكَ الَّذينً سمَّى الله فَاحْذرُوهم)) [متفقٌ عليه] .
ومن النَّاسِ من زعَمَ أنَّ (المُتشابهَِ) هو الحُروفُ المقَطَّعةُ في أوائلِ بعضِ سُورِ القرآنِ، ولييسَ هُناكَ ما يمنعُ ذلكَ، خاصَّةً وأنَّها لم يُدركْ معناهَا، وخاضَ بعضُ العُلماءِ فيها من غيرِ فائدَةٍ، ولكنَّا نعلمُ يقينًا أنَّ الأمَّةَ لم تتفرَّقْ في الحُروفِ المُقطَّعةِ فرَقًا، ولمْ تتَّبع ذلكَ ليضلَّ فيه طوائفُ من الخلقِ، ولم يقعْ بها ضربٌ لنُصوصِ الكتابِ بِبعضِهَا، فأينَ الحُروفُ المقَطَّعةُ من قولهِ:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وأينَ هيَ من تحذيرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟
هذا المِقدارُ كافٍ لإدراكِ حقيقةِ (المُتشابهِ) ، ولولَا أنَّه من مقتضياتِ تتمَّةِ القولِ في دلالاتِ النُّصوصِ، لكانَ جديرًا بأن لا يُذكرَ في (علمِ أصُولِ الفِقهِ) فإنَّه ليسَ من موضُوعِهَا، لأنَّه كما تقدَّم لا يتَّصلُ به شيءٌ من التَّكاليفِ.
* حكمه:
الإيمانُ به كما ورَدَ من غيرِ تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ولا تعطيلٍ ولَا تحريفٍ، كما قال تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7ـ 8] .