الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3ـ الحاكم
"تعريفه:
الحاكمُ حقيقةً هو الله تبارك وتعالى وحْدَهُ، والرُّسلُ مُبلِّغُون عن الله لا يُثبتُونَ أحكامًا ابتداءً من عندِ أنفسِهِم، والمجتهدُون مستكشفونَ لِحُكمِ الله لا مُبتدئُون له كذلكَ وإن سَمُّوا حُكَّامًا، أو نُسبَتْ الأحكامُ إليهِمْ.
وهذه حقيقةٌ واضحةٌ في كتاب الله كما قال الله عزَّوجلَّ: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41]، وقال:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، وقال:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، وقال لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]، وقال:{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة:48]، وقال:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
وعلى هذا فالتَّشريعُ حقُّ الله تعالى وحدَهُ، ونِسبَتُهُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أو إلى العلماءِ المجتهدينَ نسبةٌ مجازِيَّةٌ، ذلكَ لأنَّهُم يعالجونَهُ وينظُرونَ فيهِ.
*
وظيفةُ العقل:
العقلُ مناطُ التَّكليفِ، وهوَ آلَةُ الفهمِ لحكمِ الله لا مُثبتًا للشَّرائعِ،
وإن أثبتَ شيئًا فإمَّا أن يكونَ من حُكمِ الله فيعودَ إثباتُه إلى كونهِ حكمَ الله لا حُكمَ العقلِ، أو لا يكونَ من حُكمِ الله فهوَ الهَوَى، قالَ تعالى لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة:49]، وقال لنبيِّه داوُدَ عليه السلام:{فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ̈} [ص: 26] .
ولهذا لم يستغْنِ بنُو آدَمَ عن معرفَةِ حُكمِ الله بِبِعثةِ الرُّسلِ وإنزالِ الكُتُبِ، ولم تَسُقْهُمْ عُقُولُهُم مجرَّدَةً إلى الهُدَى، ويكفي لذلكَ مثلاً شأنُ سيِّد بني آدَمَ صلى الله عليه وسلم، فقدْ قال لهُ ربُّه ممتنًّا:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]، وقال:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] .
والعلَّلةُ في أنَّ العقلَ لا يصلُحُ أن يكونَ مثبتًا للشَّرائعِ هي إمكانُ جُنوجِهِ عن الصَّوابِ، وميلُ العقلِ عن الصَّوابِ حقيقةٌ لا تُجْحَدُ، وذلكَ الميلُ هوَ سبَبُ تفاوتِ العُقُولِ، ولِذَا قال الله عزَّوجلَّ:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وللعقلِ تحسينٌ وتقبيحٌ لا يُنكرَانِ، لكنَّهُ لا يثبتُ بمجرَّدِهِ وجوبٌ ولا ندْبٌ ولا حُرمَةٌ ولا كراهَةٌ ولا إباحَةٌ ولا صحَّةٌ ولا فسادٌ ولا رُخصةٌ ولا عزيمةٌ، ولا يترتَّبُ على مُقتضاهُ ثوابٌ ولا عقابٌ،
والنَّاسُ قبلَ بلوغِ أحكامِ الله لهُم عن طريقِ رُسُلهِ وكتُبِهِ غيرُ مكلَّفينَ بشيءٍ من تلكَ الأحكامِ، قال الله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وإنَّما تقومُ الحجَّةُ على الخلقِ بِبُلوغِ أحكامِ الله لَهُمْ.
* * *