الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الصَّلاةِ في قلَّةِ الرَّكعاتِ والأوقاتِ، إلى خمسٍ في اليومِ واللَّيلَةِ بأوقاتهَا المعلومَةِ، والتَّدرُّجِ في الصِّيامِ بفرضِ صومِ يومٍ واحدٍ أوَّلاً هو يومُ عاشُوراءَ، ثمَّ نُسِخَ بصومِ شهرٍ كاملٍ هُوَ رمضَانَ، وهكذا.
وهذا كما قال عزَّوجلَّ: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] .
وحقيقةُ النَّسخِ تغييرٌ للأحكامِ بتغيُّرِ الأحوالِ والظُّروفِ، ممَّن يعلمُ مصالحَ خلقِهِ تبارك وتعالى، ولمَّا امتنعَ أن يكونَ للعُلماءِ من الإحاطَةِ بالمصالحِ والمفاسدِ في أحوالِ البشرِ كإحاطَةِ علمِ الله تعالى، امتنعَ القولُ بالنَّسخِ بالاجتهادِ، لما يقعُ به من إبطالِ أحكامِ الشَّرعِ المُتيقَّنَةِ بالظَّنِّ، لكنْ للعلماءِ الاهتِداءُ بمبدإِ النَّسخِ في مُراعَاةِ الظُّروفِ والمناسباتِ فيما مجالُه الاجتهادُ من الأحكامِ، فيُفتي أحدُهُم في المسألةِ في ظرفٍ يكونُ على خلافِهِ في ظرْفٍ آخرَ.
*
شروط النسخ:
أفادَ تعريفُ النَّسخِ المتقدِّمُ الشُّروطَ الَّتي لا بدَّ من توفُّرهَا للقولِ بهِ، وهيَ:
1ـ أن يكونَ الحُكمانِ شرعيَّينِ.
2ـ أن يكونَا عمليَّينِ.
3ـ أن يكونَا جُزْئيَّينِ.
4ـ أن يكونَا ثابتينِ بالنَّصِّ.
5ـ أن يكونَا مُتناقضينِ في المعنى.
6ـ أن يكونَا منفصلينِ.
7ـ أن يكونَ النَّاسخُ مُتأخِّرًا عن المنسوخِ في تشريعِهِ.
فإذا اجتمَعتْ هذهِ الشُّروطُ في حُكمينِ صحَّ القولُ بالنَّسخِ.
وفي هذه الشُّروطِ منعُ وقوعِ النَّسخِ في أشياءَ، هيَ:
1ـ التَّوحيدُ والصِّفاتُ وسائرُ العقائدِ لامتناعِ التَّناقُضِ فيهَا، وليسَتْ أحكامًا عمليَّةً.
2ـ الأخبارُ الَّتي لم يُقصدُ بها الطَّلبُ، كالإخبارِ عن الأُممِ الماضيَةِ، والإخبارَ عمَّا سيكونُ كأشراطِ السَّاعَةِ، لأنَّ خبرَ الصَّادق يستحيلُ الرُّجوعُ عنهُ لما يقتضيهِ الرُّجوعُ من الإخبارِ على خلافِ الواقعِ في أحدِ الخبرينِ، فإنَّ من قالَ:(جاءَ زيدٌ) ثمَّ قال بعدَهُ: (لمْ يأتِ) فأحدُ خبريةِ على خلافِ الواقعِ جزمًا، بكذبٍ أو وهمٍ، وخبرُ الله ورسولِه مُنزَّهُ عن ذلكَ.
ولا ينقضي العجبُ من قولِ بعضِ منْ يُنسبُ إلى السُّنَّة في مسألة (امتناعِ النَّسخِ في الأخبار) : أنَّ النَّسخ ممتنعٌ في الأخبارِ إلَاّ أخبارَ الوعيدِ، فإنَّه يجوزُ فيها النَّسخُ.
وهذا القولُ فلْتَةٌ ممَّن قالهُ، فإنَّ خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في وعدٍ أو وعيدٍ حقٌّ كما أُخبرنا بهِ، وهوَ واقعٌ كما جاءَ به الخبرُ، ولا يُستشكلُ أنَّ الله تعالى قدْ لا ُينفِذُ الوعيدَ، لأنَّه أخبرنَا أنَّ وعيدَه بمشيئتِهِ، فإنْ شاء عذَّب وإن شاءَ رحمَ كما هوَ الشَّأنُ في عُصاةِ الموحِّدينَ، وأخبرنَا أنَّ فريقًا ممَّن وجب عليهمُ الوعيدُ لاانفِكاكَ لهُم عنهُ بحالٍ كالكُفَّارِ في نارِ جهنَّم، فأيُّ نسخٍ سيقعُ في الوعيدِ، وهوَ إمَّا مُنجَّزٌ وإمَّا مُعلَّقٌ بنفسِ دلالةِ الخبرِ؟
3ـ نصوصُ الأخلاقِ والفضائلِ، فإنَّها لا يُتصوَّرُ في مثلهَا التَّبديلُ، فالفضيلةُ لا يُقابلُها إلَاّ الرَّذيلةَ، والصِّلةُ تُقابلُها القطيعَةُ، والإحسانُ تُقابلُه الإساءَة، والكرَمُ يُقابلُه البُخلُ، وهكذَا، ومن شرْطِ النَّاسخِ التَّقابلُ بين النَّاسخِ والمنسُوخِ، فإمَّا هذا أو ذاكَ، لا يجتمعانِ في التَّكليفِ.
4ـ القواعدُ الكُلِّيَّةُ ومقاصدُ التَّشريعِ، لأنَّها كُلِّيات، ولم يقعْ في جميعِ ما يُذكرُ مِمَّا وقع فيه النَّسخُ من نصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ نسخٌ لقاعِدَةٍ كلِّيَّةٍ، إنَّما جميُعُها واردٌ في جُزئيَّاتِ الأحكامِ رِعايَةً للمقاصِدِ الكُلِّيَّة كما سبقَ الإشارَةُ إليهِ في (حِكمةِ النَّسخِ) .
5ـ أحكامٌ جُزئيَّةٌ اقترَنَ تشريعُها بما دلَّ على تأبيدِهَا، كقوله تعالى في حديثِ فرْضِ الصَّلواتِ ليلةَ المِعراجِ: ((هيَ خمسٌ وهيَ خمسُونَ، لا
يُبدَّلُ القولُ لديَّ)) [متفقٌ عليه]، وقولهِ صلى الله عليه وسلم:((لا تنْقطِعُ الهِجرَةُ حتَّى تنقطِع التَّوبةُ، ولا تنقطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ من مغربِها)) [حديثٌ حسنٌ أخرجه أبوداود وغيرُه عن مُعاوية] .
كما دلَّت الشُّروطُ المذكورةُ على منعِ وقوع النَّسخِ بأشياءٍ، هيَ:
1ـ قولُ الصَّحابيِّ: (هذا النَّصُّ منسوخٌ) حتَّى يُذكرَ النَّاسخَ ويُفسِّرُ ذلك بما ينطبِقُ ومعنى النَّسخِ، وذلكَ لجوازِ أن يعني بالنَّسخِ التَّخصيصِ، أو ظنَّه كذلكَ باجتِهادِه، فيكونُ من قبيلِ مذاهبِ الصَّحابةِ، وهيَ وارِدَةٌ بعدَ النَّصِّ.
والقولُ بعدَمِ قبولِ النَّسخِ بهذا الطَّريقِ عليهِ جمهُورُ العلماءِ.
2ـ الإجماعُ المُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ والَّذي سبقَ بيانُه في (دليل الإجماع) بأنَّه القولُ الَّذي لا يُعرفُ لهُ مخالفٌ، فإنَّ هذا الإجماعَ ليسَ بحُجَّةٍ بنفسِهِ، ثمَّ إنه جاءَ بعد النَّصِّ، ومن لازِمٍ ثُبوتِ النَّاسخِ والمنسوخِ بالنَّصِّ أن يكونَ القولُ بالنَّسخِ قدِ انقطَعَ بموتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لانقطاعِ النُّصوصِ.
وفي هذا إبطالٌ لمذهبِ من قالَ بنسخِ بعضِ النُّصوصِ بالإجماعِ، كنسخِ قتلِ شاربِ الخمرِ في الرَّابعةِ.
وزعمَ البعضُ: أنَّ الإجماعَ على تركِ العملِ بالنَّصِّ يدلُّ على وُجودِ النَّاسخِ لكنَّه لم يصِلنَا.