الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الأول
القرآن
* تعريفه:
القُرآنُ اسمٌ للكتابِ العربيِّ المُنزَّلِ على رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم، المُبتدأ بالبَسمَلةِ فسُورةِ الفاتحة، والمُختتمِ بسورةِ النَّاسِ.
* خصائصه:
1ـ كلامُ الله المنزَلُ على رسولهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فتخرُجُ الكتُبُ الَّتي أنزلتْ على غيرِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كالتَّوراةِ والإنجيلِ وزبُورِ داود عليه السلام فليستْ قُرآنًا.
أمَّا الحديثُ الَّذي رواهُ البُخاريُّ وغيرُهُ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((خُفِّفَ على داوُدَ عليه السلام القُرآنُ، فكان يأمُرُ بدوابِّهِ فتُسرجُ، فيقرأُ القرآن قبلَ بأن تُسرجَ دوابُّهُ)) فـ (القُرآنُ) هُنا ليس اسمَ الكتابِ، إنَّما هو مصدرٌ كـ (القراءة)، وقد روى البخاريُّ هذا الحديثَ في موضعٍ آخرَ من ((الصَّحيحِ)) بلفظِ:((خُفِّفَ على دَاوُدَ القراءَةُ)) .
2ـ لفظُه ومعناهُ من الله تعالى.
فخرجتْ الأحاديثُ النَّبويَّة فلا تُسمَّى (قرآنًا) ، وخرجَ تفسيرُ القرآنِ فهوَ كلامُ من قالهُ.
3ـ كلُّه عربِيٌّ.
كما قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:3]، وقال:{وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .
فخرجت ترجمةُ معانيهِ إلى غيرِ لُغةِ العربِ، فلا تُسمَّى (قُرآنًا) .
4ـ قطعيُّ الوُرودِ إلينا، لتواتُرِ نقلِهِ.
قال الله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] دلَّ هذا أنَّهُ سيبلُغُ أُناسًا غير الّذينَ سمعوهُ أو أخذُوهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُباشرَةً ولهُ من الحُجَّةِ على أولئكَ النَّاسِ بنفسِ مِقدارِ حُجَّتهِ على الَّذين خُوطبُوا بهِ مُشافهَةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه دليلٌ على بلوغِه لمن سيبلُغُهُ بطريقِ القطعِ لا الظَّنِّ، وواقِعُ نقلِ القُرآنِ مؤكِّدٌ لهذه الحقيقةِ، فقدْ تواترَ نقلُهُ بطريقَي الحِفظِ والكتابَةِ، فأمَّا الحفظُ فلم يزل نقلَةُ القرآنِ جيلاً بعد جيلٍ منذُ زمَنِ الصَّحابةِ الَّذينَ تلقَّوهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملُونَ القُرآن لا يختلفُون فيهِ، أمَّا الكتابَةُ فهي البُرهانُ الأعظمُ على حفظِ هذا الكتابِ، والله تعالى قال فيه:{ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] ، ولم يكُنْ ساعتهَا صارَ كتابًا مجموعًا؛ إشارةً إلى
أنَّه سيكونُ الطَّريقَ إلى وقايَتِهِ وبقائِهِ كما أنزلَهُ الله عزَّوجلَّ، فكُتِبَ بأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُنسِخَ بإجماعِ الصَّحابةِ، وبلغتْ نُسخَهُ الآفاقَ ولم تزلْ لا تختلفُ في شيءٍ، وستبقَى لا تختَلِفُ في شيءٍ.
إذًا فلا يُحتاجُ إلى النَّظَرِ في الدَّليلِ من القُرآنِ من جِهَةِ الوُرُودِ، فهوَ أمرٌ قد فُرِغَ منهُ.
وخرجَ بتواتُرِ القُرآن: القراءاتُ غير المتواترةِ، فلا تسَمَّى (قرآنًا) ، إنَّما تكونُ من قبيلِ أحاديثِ الآحادِ إذا ثبتَ إسنادُها إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو من قبيلِ تفسيرِ الصَّحابيِّ فيكونُ لهُ حُكمُ مذهبِ الصَّحابيِّ ورأيِهِ، وسيأتِي تحقيقُ القولِ فيهِ.
فالقِرَاءةُ المرويَّةُ عنِ ابنِ مسعودٍ وغيرِهِ في كفَّارةِ اليمينِ: (فصيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتَابعاتٍ) لمْ يُنقلُ أنَّهُ سمعَهَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونَ لهَا حُكمُ الحديثِ وتُعطى منزلَةَ التَّفسيرِ النَّبويِّ للآيةِ، إنما يقولُ الرُّواةُ:(في قراءةِ عبد الله كذا) ، وهذا يبقى لهُ حُكمُ التَّفسيرِ والرَّأي لا حُكمُ الحديثِ المرفُوعِ، فضلاً عن أن يسَمَّى قُرآنًا.
وهذا مذهبُ الشَّافعيَّةِ، خلافًا للحنفيَّةِ وبعضِ الحنابلَةِ.
5ـ محفوظٌ من تطرُّقِ الزِّيادَةِ والنَّقصِ إليه ومعصومٌ من طُروءِ التَّغييرِ والتَّبديلِ عليهِ.
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وقال سُبحانَهُ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41ـ 42]، وقال عزَّوجلَّ:{وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 43]، وقال:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى} [يونس: 15]، وعن نافعِ مولى عبد الله بنِ عُمرَ قال: خطبَ الحجَّاجُ فقال: إنَّ ابنَ الزُّبيرِ يُبدِّلُ كلامَ الله تعالى، قال: فقالَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: ((كذَبَ الحجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبيرِ لا يُبدِّلُ كلَامَ اللهِ تعالى، ولا يستطيعُ ذلكَ)) [رواهُ البيهقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)) ، ص244 بسندٍ صحيحٍ] .
6ـ أنَّهُ مُعجزٌ.
وهذا اختصاصٌ للقرآنِ ليسَ يُساوِيهِ فيه كلامٌ، فلا قُدرةَ لأحدٍ أن يأتي بشيءٍ مثلِهِ لا سورةٍ ولا أقلَّ ولا أكثرَ، قال تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ، فلا يقدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلٍ كمثلِهِ، كما قال تعالى:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] ، ولا يأتي بلفظٍ كلفظِهِ، كما قالَ تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) } [الزمر:
32] ، ولا أنْ يَأْتي بِحُكمٍ كحُكمِهِ، كما قال تعالى:{مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] .
أمَّا وُجُوه ذلك الإعجازِ فمردُّها إلى كُتُبِ عُلومِ القُرآنِ، أو مُصنَّفاتٍ أُفردَتْ لهَا.
هذهِ الخصائصُ جعلتِ القُرآنَ القاعدَةَ العُظمَى لجميعِ أحكامِ شريعَةِ الإسلامِ في كلِّ عصرٍ وبيئةٍ، وهوَ حُجَّةُ الله على خلقِهِ ما بقيتِ الدُّنيا.
"أحكامه:
الأحكامُ الَّتي دلَّ عليها القُرآنُ ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
1ـ أحكامٌ اعتقاديَّةٌ:
وهي المتعلقَّةُ بجانبِ العقيدةِ، كقضايا الإيمانِ بالله وملائكتهِ وكُتبِهِ ورسُلُهِ واليومِ الآخرِ.
2ـ أحكامٌ أخلاقيةٌ سُلوكيَّة:
وهي ما تناولَهُ القرآنُ في جانبِ تهذيبِ النَّفسِ وتزكيَتِهَا، كأعمالِ القُلوبِ الَّتي يرتَكزُ عليها تحقيقُ هذا الجانبِ، كمعاني: الخوفِ والرَّجاءِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ والتَّوكلِ والحُبّ والرِّضا والبُغضِ والفَرحِ والحُزنِ، وغير ذلكَ.
هذانِ النَّوعانِ من (أحكامِ القُرآنِ) لا ينْدَرِجَانِ تحتَ الأحكامِ الَّتي قُصدتْ بعلمَي (الفقه وأصوله) من جهةِ ارتباطِهِمَا بالبَاطِنِ، وإنْ كانَ يشملُهُمَا ما يتَّصِلُ بصيغَةِ الخِطابِ في (علمِ أصولِ الفقه) ، فصيغةُ الأمرِ بالإيمانِ لاتخرُجُ عن مدلولهَا في (علمِ الأصولِ) وهوَ وجوبُ الإيمانِ، والنَّهيُ عن النِّفاقِ لا يخرُجُ عن دلالتِهِ على تحريمِهِ على ما عليه القاعِدَةُ ي (علمِ الأصولِ) .
3ـ أحكامٌ عمليَّةٌ.
وهي المتعلِّقةُ بأفعالِ المُكلَّفينَ، وهي المقصودَةُ بهذا العِلمِ.
وترجعُ في جُملتِهَا إلى نوعينِ:
[1]
العبادات: وهي ما يتَّصلُ من الأحكامِ بالعلاقَةِ بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ تعالى، كأحكامِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والحجِّ.
[2]
المعاملات: وهو اسمٌ يُطلقُ على ما سوَى العبادَاتِ، لا على معنَى خُلوِّها من معنى العبادَةِ، فقدْ يُوجَدُ فيها معنى العِبادَة، ولكَنَّه اسمٌ اصطلَاحِيٌّ قُصِدَ به الأحكامِ الَّتِي تتعلَّقُ بتنظيمِ العلاقاتِ بينَ الأفرَادِ والجماعَاتِ، كأحكامِ النِّكاحِ والطَّلاقِ والبُيُوعِ والأيمانِ والقصاصِ والحُدُودِ والسِّياسَةِ الشَّرعيَّة.
ويُطلقُ علىمُصطلحِ (المعاملَاتِ) في التَّسميَّةِ المعاصِرةِ مصطلحَ (القانون) .
"بيانه للأحكام:
بيانُ القُرآنِ للأحكامِ هوَ من جِهَةِ استيعَابِهَا وحصْرِهَا، كما قالَ تعَالَى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، فقدْ احتَوَى القُرآنُ جميعَ الأحكامِ فلا يخرُجُ عنهُ منهَا شَيءٌ، وهي واردَةٌ فيه على صُورتينِ:
1ـ البيانُ بإقامَةِ القاعِدَةِ الشَّرعيَّةِ العَامَّةِ الَّتي تندرجُ تحتَهَا كثيرٌ من جُزئيَّاتِ الأحكامِ، وهذا في الحقيقةِ جانبٌ عظيمٌ من جوانبِ إعجازِ القُرآنِ، أو بتقريرِ المبدإ العامِّ ليأتي من بعدُ دَوْرُ السُّنَّةِ في تفصيلِ ذلك المبدإِ.
ومن أمثلةِ القواعدِ:
[1]
الأمرُ بالعدْلِ والإحسانِ، كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النَّحل: 90] .
[2]
العُقُوبةُ بقدْرِ الإساءَةِ، كما قال تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النَّحل: 126] .
[3]
الوفاءُ بالالتزاماتِ، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
[4]
المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرَ، كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
ومن أمثلة المباديءِ:
[1]
فرضُ الصَّلاةِ والاعتناءُ بشأنهَا في آياتٍ كثيرةٍ في الكتابِ وتُركَتْ صفةُ أدائها للبيانِ النَّبويِّ بفعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[2]
وجوبُ القصاصِ في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، من غيرِ تفصيلِ شروطِ ذلك مِمَّا عُرفَ بالسُّنَّةِ.
[3]
إباحةُ البيعِ وحُرمةُ الرِّبا، كما قال تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، ولذلك شُروطٌ وأحكامٌ تفصيليَّة جاءتْ بها السُّنَّة.
فهذه الأحكامُ وشِبهُها كثيرٌ في القرآن لم تأتِ مفصَّلةً بجزئيَّاتهَا فيه ليبقى القرآنُ القاعدة الكُليَّة والبُرهانَ العامَّ في دلالاته ومعانيه، فهوَ بيَّن هذه الأحكامَ من حيثُ الدَّلالة عليها والأمرُ بها، وهوَ مفصَّلٌ من حيثُ استيعابُهُ لتلكَ الأحكامِ.
2ـ البيانُ مفصَّلاً بذكرِ تفريعاتِ الأحكامِ، وهذه لم يرِدْ في القرآن إلَاّ قليلاً، مثاله: مقاديرُ المواريثِ، والعُقُوباتِ في الحُدُودِ، وصفةُ اللِّعانِ بينَ الزَّوجينِ، والمحرَّماتُ من النِّساءِ.