الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أجلِ حصولِ القطعِ بأنَّهُ الَّذي أنزلهُ تعالى على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من أوَّلهِ إلى منتهاهُ بطريقِ نقلٍ لا يقبلُ التَّردُّدَ كما تقدَّمَ.
أمَّا أمرُ ثبوتِ تلكَ الأحاديثِ فلقواعدِهِ وضوابِطِهِ مفصَّلةً (علومُ الحديثِ) .
لكن يجدُرُ بالفقيهِ أن يعلمَ مراتبَ القُوَّةِ في نقلِ السُّننِ، ويتطرَّقُ الأصوليُّون لهذهِ القضيَّةِ من جهةِ تعدُّدِ الأسانيدِ المستقلَّةِ للسُّنَّةِ المعيَّنةِ، فيُقسمُونَ السُّنَّةَ إلى قسمينِ، هما:
1ـ السنة المتواترة
"تعريفها:
التَّواترُ لُغةً: التَّتابعُ، يقالُ (تواترَتِالخيلُ) إذا جاءتْ يتْبعُ بعضُها بعضًا، و (جاءُواتَتْرَى) أي متتابعينَ وِتْرًا بعدَ وِترٍ، و (الوِتُرُ) الفرْدُ، فمن هذا قيلَ للحديثِ (مُتواترٌ) لأجلِ تتابُعِ الأفرادِ فردًا بعدَ فرْدٍ على روايتِهِ.
واصطلاحًا: ما اجتَمَعتْ فيه شُروطٌ ثلاثَةٌ:
1ـ يرويهِ عدَدٌ كثيرٌ يستحيلُ في العادَةِ أن يتواطأُ على الخطإ، بسببِ تباعُدِ بلْدانِهم، أو فرْطِ كثرتِهِمْ، أو لدينِهِمْ وصلاحِهمْ وشُهرتهم بذلك.
2ـ يرويهِ عنهُم مثلُهُم من مصدرِهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منتهَاه.
3ـ أخذُ بعضِهِم عن بعضٍ قدِ استَندَ إلى الحِسِّ، وهو السَّماعُ أو ما في معناهُ ممَّا يثبتُ بهِ الاتِّصالُ.
* درجتها:
فإنِ اجتَمَعَتْ هذهِ الشُّروطُ في سُنَّةٍ منقولةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهيَ سُنَّةٌ متواترةٌ مفيدةٌ لليقينِ، ومنزلةُ العلمِ الثَّابتِ بطريقِ التَّواتُرِ منزلةُ المعاينةِ لهُ كما لو شَهِدَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُحدِثُ بهِ.
وهوَ أعلَى السُّنَنِ حُجَّةً عندَ الفقيهِ، ولا يختلفُ أهلُ العلمِ في كونِهِ حُجَّةً شرعيَّةً مستقلَّةً في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّة.
* التواتر نوعان:
1ـ تواتُرٌ ضرُوريٌّ:
وهوَ ما يقعُ العلمُ به ضرُورةً، فلا إمكانَ لدَفعِهِ ولا التَّردُّدِ فيهِ، ولا يتوقفُ على نظرٍ وبحثٍ، وهذا واقعٌ في السُّننِ في أشياءَ كثيرةٍ، استغنَى المسلمونَ بتواتُرها عن النَّظرِ في رواياتهَا ونقلهَا، مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ في اليومِ واللَّيلةِ، وعددِ ركعاتٍ كلِّ صلاةٍ، ومواقيتهَا من حيثُ الإجمالُ، ومشروعِيَّةِ الأذانِ والإقامةِ، وغير ذلكَ ممَّا يعرفُهُ الخاصُّ والعامُّ، والعلمُ به حاصلٌ لجميعِ أهلِ الإسلامِ من غيرِ توقُّفٍ على استدلالٍ.
وهذا التَّواتُرُ لا يحتاجُ إلى الإسنادِ.
2ـ تواتُرٌ نظريٌّ:
وهو ما توقَّف العلمُ به على تتبُّعِ الأسانيدِ وجمعهَا والنَّظرِ فيها.
وكثيرٌ من السُّننِ المتواترَةِ عُرفَ بهذا الطَّريقِ، ولهذا خفي العلمُ بتواتُرِ بعضِ ذلكَ، فكمْ من سنَّةٍ يظنُّ الظَّانُّ أنها سُنَّةُ آحادٍ وهي متواترةٌ، لأنه لم يطَّلعْ في طُرق روايتِهَا على ما جمعَ شُروطَ التَّواتُرِ المتقدِّمة، وهذا جانبٌ يحتاجُ فيه الفقيهُ إلى (علوم الحديثِ) ليعلمَ الوجوه الَّتي وردَ عليها الخبر.
كما يجبُ أن يُلاحظَ أنَّ من المتأخِّرينَ من أغفلَ اجتماعَ الشُّروطِ المتقدِّمةِ في التَّواترِ سِوى مجرَّدِ العدَدِ، وهذا لا يُغني وحدَهُ في إفادَةِ التَّواترِ، فقدْ وُجدَتْ أحاديثُ رواتُها كثيرونَ ربَّما بلغُوا العشرَةَ أو زادُوا، لكنَّ مدارَ أسانيدهم على رواةٍ لم يؤمن تواطؤهُم على الكذبِ أو الخطإ، وهذا يعني وجوبَ النَّظرِ في أحوالِ النَّقلةِ والأمنِ من وقوعِ ذلك منهُم.
وهذا النَّوعُ من التَّواترِ دونَ منزلَةِ الأوَّلِ، والجهلُ بهِ حاصلٌ، والعُذرُ بذلكَ قائمٌ بخلافِ الأوَّلِ، فذلكَ لا يقعُ الجهلُ بهِ، ولا يُعذرُ مُدَّعيه إذا كان يعيشُ في دارِ إسلامٍ.
* تقسيم التواتر من جهة لفظ الخبر:
1ـ لفظيٌّ ومثالهُ: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ ْ